محاكمة أشباح قتلوا الحريري وإرهابيين قتلوا سوريا

حجم الخط
0

بدأت في 16 الشهر الجاري في ‘المحكمة الخاصة بلبنان’ في لاهاي محاكمة غيابية لمتهمين بقتل الرئيس رفيق الحريري في بيروت، وستبدأ في 22 منه في جنيف محاكمة وجاهية لإرهابيين قتــلوا سوريا، أو كادوا، في ارضها ووطنها العربي.
صحيفة ‘دير شبيغل’ الالمانية وصفت ‘محاكمة المتهمين الخمسة باغتيال الحريري بانها ستكون محاكمة اشباح، فلا احد يعرف مكان المتهمين.. فهل تستطيع المحكمة الدولية في هذه الظروف النجاح في مهمتها؟’.
روبرت فيسك كتب في صحيفة ‘ذي اندبندنت’ البريطانية: ‘امس بدأت المحاكمة في قضية اغتيال رفيق الحريري، ولكن من دون وجود متهمين في قفص الاتهام، وعلى الارجح ان هؤلاء لن ينالوا عقابهم. وفي الواقع انه منذ تأسيس لبنان الحديث قبل اكثر من 60 سنة لم يُعتقل احد لارتكابه جريمة سياسية’.
في بيروت، ابتهج انصار الحريري بمطالعة المدعي العام في المحكمة الدولية الخاصة، الذي كرر مضمون القرار الاتهامي، وما سبقه من تسريبات طيلة السنوات التسع المنصرمة تمحورت حول قرينة الاتصالات الهاتفية التي اجراها المتهمون في ما بينهم.
زعيم الانصار سعد الحريري، ابن الرئيس المغدور، ابتهج في مؤتمر صحافي عقده في لاهاي لمجرد افتتاح المحاكمة، واصفا اياه بانه يوم تاريخي بامتياز، مستهولا ‘ان يكون في صفوف اللبنانيين من يمكن ان يبيع نفسه للشيطان ويتطوّع لقتل رفيق الحريري، وان هذه الحقيقة الجارحة لا تنفع معها محاولات التهرب من العدالة والمكابرة وايواء المتهمين وحمايتهم’.
عبارة ‘ايواء المتهمين وحمايتهم’ اراد بها الحريري الابن الاشارة مداورةً الى حزب الله. لم يذكره بالاسم، لانه وعد نفسه كما اصدقاءه السعوديين والامريكيين بعدم عرقلة المساعي الناشطة لتأليف حكومة ائتلافية جامعة تضم قوى 14 اذار وقوى 8 اذار وقوى الوسط والمستقلين.
المدعي العام في المحكمة الدولية ابقى المتهمين الخمسة وحدهم في دائرة الاتهام، متحاشيا الاشارة الى اي اتهام للفريق الذي يفترض الحريري الابن احتضانه المتهمين الخمسة وتحصينه اياهم من أي محاكمة. غير انه اشار بوضوح الى جهات داخلية وخارجية خططت لاغتيال رفيق الحريري بواسطة انتحاري يقود سيارة ‘ميتسوبيتشي’ بيضاء.
اشارة المدعي العام الى جهات خارجية اعادت الى الاذهان شهادة عضو لجنة التحقيق الدولية بو استروم، الذي كان كشف قبل اسابيع ثلاثة ان اقمارا اصطناعية لامريكا واسرائيل رصدت عملية الاغتيال، لكن الحكومتين الاسرائيلية والامريكية رفضتا تزويد المحكمة الدولية بالصور والمعلومات المتوافرة لديهما، الامر الذي عزّز شكوك المحققين بوجود جهة خارجية شاركت في عملية الاغتيال، خاصةً ان القرار الاتهامي كرّر الاشارة الى ان قرار التخطيط للجريمة ومراقبة تحركات الرئيس الحريري حصلا مباشرةً بعد استقالته في خريف عام 2004.
اهل القانون والمحامون الذين استمعوا الى مطالعة المدعي العام او درسوا مضمونها اجمعوا على ان قرار الاتهام بحد ذاته ليس كافيا لتحديد هوية المرتكبين وتجريمهم، وان عليه تقديم دلائل مادية واثباتات مقنعة في المراحل القادمة من المحاكمة، الامر الذي يتطلب اشهرا وسنوات.
هل تؤدي اطالة أمد المحاكمة الى تعقيد مسألة تأليف حكومة جامعة؟
يصعب اعطاء اجابة وافية قبل انتهاء الجولة الاولى من المحاكمة مطلعَ هذا الاسبوع، فضلا عن ضرورة انتظار مفاعيل العملية الارهابية التي استهدفت مدينة الهرمل قبل ايام، ثم عملية الصواريخ المتبادلة التي استهدفت الهرمل وعرسال من مواقع داخل سوريا قيل انها للمعارضة المسلحة.
اذا كانت محكمة لاهاي قد باشرت اعمالها فان ‘محكمة’ جنيف ما زال دونها الكثير من العوائق. فـ’المدعي العام’ الامريكي جون كيري لم يتمكّن بعد من اقناع شريكه في صياغة بيان مؤتمر جنيف -1 سيرجي لافروف باعطاء تفسير محدد لعبارة ‘هيئة (حكومة) انتقالية كاملة الصلاحيات’، هو تنحية الرئيس بشار الاسد. لافروف رفض الموافقة على اعطاء هذا التفسير لان من شأنه اغضاب سوريا وحملها على مقاطعة مؤتمر جنيف -2، كما من شأنه اغضاب ايران التي ترفض الزامها بأي شروط، ومنها الموافقة علنا او ضمنا على تنحية الاسد، لاجازة دعوتها الى المؤتمر.
سوريا وايران عززتا موقفهما حيال ضغوطات كيري باجتماع ثلاثي مع لافروف، صرح بعده الاخير بان بلاده قلقة من محاولات تقليل عدد جماعات المعارضة السورية التي يجب ان يحضر ممثلوها مؤتمر جنيف -2. ذلك كله حمل المحلل الروسي اندريه باكليتسكي من مركز ‘ بي اي ار’ للابحاث في موسكو على القول ان محور طهران ـ موسكو ـ دمشق يبدو اقوى بكثـــــير من اي اتحاد عابر. ان روسيا وايران تدعمان بشار الاسد وحلا سياسيا للــنـزاع، وهو الامر الوحيد المجدي في الوقت الراهن، وان الغرب لا خيار بديلا لديه’.
الحل السياسي مهم جدا وهو امر مجدٍ حقا، لكنه ليس البديل الوحيد للغرب. ذلك ان لامريكا وروسيا مشروعا مشتركا ستحرصان على السير به وتحقيقه، سواء توصلا مع الاطراف الاخرى الى حـلٍ سياسي في مؤتمر جنيف -2 او تعذر ذلك. المشروع المشترك هو مكافحة الارهاب الذي يمكن وصفه بانه بات الدافع الاساس للتعجيل بعقد مؤتمر جنيف -2، فضلا عن تحوّله موضوعا رئيسا له وفيه. فالولايات المتحدة تعاني من ارتدادات التنظيمات الارهابية على مصالحها ومصالح حلفائها في الشرق الاوسط وغيرها من اقاليم العالم، وروسيا تعاني من الارهاب في عمقها الوطني، في مناطق القوقاز الاسلامية، حيث للتنظيمات ‘الاسلاموية’ الارهابية وجود وفعالية.
وعليه، يمكن القول انه اذا كانت محاكمات لاهاي تتناول اشباحا يصعب تحديدها واعتقالها، فان محاكمات مؤتمر جنيف -2 تتناول ارهابيين موصوفين يعتقد القطبان الامريكي والروسي انه ممكن ملاحقتهم وضربهم وتصفيتهم في كل مكان.

‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية