د. لنا عبد الرحمن ليس هناك مبالغة في وصف محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك بأنها ‘
‘؛ ففي يوم الأربعاء الثالث من آب/أغسطس 2011، ثمة بداية تاريخ جديد سُطر في مصر، ربما لن يكون في مصر فقط، بل في سائر الدول العربية التي نهجت على خطى الثورة المصرية، فالعيون التي كانت شاخصة إلى محاكمة مبارك تعلقت كلها في مشهد واحد لا تحيد عنه، هناك قضبان حديدية يقبع خلفها رئيس مخلوع ممدد على سرير مرضه، لكن المشهد لم يكن دراماتيكيا أو مُحزنا كما أراده الرئيس، وكما أشار عليه من نصحه بالدخول إلى قاعة المحكمة ممددا على سرير المرض، لم يحمل ذاك المشهد أي تعاطف معه، بل إن ذاك المشهد كشف عن مذلة وخنوع متأصل في ذاته، لم تتمكن سنوات الحكم الطويلة من نزعه، فالرئيس الذي حرص على الظهور بشعره المصبوغ بالأسود، كما ظهر في خطاباته الأخيرة، تنازل عن عجرفته التي ميزت تلك الخطابات، وبدا صوته مرتجفا حين نادى القاضي على اسمه، حينها رد قائلا: ‘أفندم، حاضر’. هل حقا هذا هو الرئيس الذي حكم مصر لثلاثين عاما؟ بدت جملة حضوره أشبه بنكتة عبثية، الفرعون السابق في القفص مرددا كلمات الاستسلام، يحيط به نجلاه اللذان كانا أكثر استسلاما وخنوعا وحيرة في حجب والدهما عن الكاميرات، أم في حجب أنفسهما، هناك أيضا الوزير الذي تلوثت يداه بدم شهداء الثورة، جميع هؤلاء في قفص واحد، من كان يظن أن هذا سيحدث في يوم من الأيام، يا للعجب! ولعل ما استحق العجب أيضا تلك المفارقة التاريخية في مكان المحاكمة، أكاديمية الشرطة التي حملت من قبل الثورة اسم ‘أكاديمية مبارك’. ليس الشعب المصري وحده الذي كان ينتظر تلك المحاكمة بترقب، وتشكك من امكانية حدوثها، بل كان هناك ترقب عربي وعالمي عما ستؤول إليه تلك المواجهة بين مطالب الشعب، وبين أهل الحكم، فالشعب الثائر أراد محاكمة الرئيس الذي استباح حقوقه طوال أعوام حكمه الثلاثين، لم يتنازل الشعب عن هذا المطلب الذي مثل له جزءًا من استعادة كرامته والتأكيد على هويته وبأنه الأبقى على مر التاريخ. الحكام مهما طال زمانهم يأتون ويذهبون، أما الشعب فباق.. تلك كانت مشكلة الرئيس المخلوع، ومثلها مشكلة الحكام العرب الذين اشتعلت النار تحت كراسيهم، أنهم تعاملوا باستخفاف مع الشعوب، استهانوا بها وبقدراتها، وبإمكانية أن تأتي بأي فعل، فالشعب المصري نفسه صدق في وقت ما بأكذوبة ‘مواته’ التي استباحها النظام السابق وروج لها، صدق أنه ضعيف ولا حول له ولا قوة، مجرد بركان خامد، ثم حدثت الأسطورة في اشتعال ذاك البركان وإلقاء حممه لتحرق كل ما ناله المرض، وصار لزاما أن يتطهر بالنار. لم يصغ الرئيس السابق يوما إلى شعبه، حتى حين تجرأ هذا الشعب على الصراخ في وجهه مطالبا اياه بالرحيل، صم أذنيه عن كل الأصوات، ولم يسمع إلا لنداهة السلطة والحكم، مفضلا صوت ندائها الكاذب على أي صوت حقيقي آخر. ربما من هنا كان من الطبيعي أن يواجه عناده السابق واصراره على البقاء في كرسيه، بعناد شعب كامل أصر على محاكمته، مانحا بتلك المحاكمة كتابة تاريخ عربي جديد لشعوب باتت قادرة على محاكمة ظالميها بشجاعة. ‘ كاتبة من لبنان