جوني ديب في واحدة من جلسات المحاكمة
تبدو قضية التشهير التي رفعها الممثل الأمريكي جوني ديب ضد زوجته السابقة أمبير هيرد، نهاية مرحلة كاملة، أطلقتها حملات مثل «أنا أيضاً» #metoo في الولايات المتحدة والعالم، على الأقل من وجهة نظر المعادين لتلك الحملات. ففكرة التصديق غير المشروط لمن يفترض أن يكون ضحية، نظراً لهويته ومظالمها، كشفت على ما يبدو إمكانيات كبيرة للتدليس وقلب الوقائع. وفي كل الأحوال فقد تمت إعادة الاعتبار للأنظمة القضائية في الإدانة والتبرئة، بدلاً من «عدالة الجموع» وما يرتبط بها من حكم وإدانة على مجرد التهمة.
إلا أن «العهد الجديد» الذي يظهر أن ديب قد بدأه، قد لا يكون مختلفاً عما سبقه لهذه الدرجة. لدينا محاكمة تتصدّر عناوين وسائل الإعلام الجماهيري ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، مع تفويض واسع لسلطة الحكم للجموع المتلقية وأمزجتها. وما يُنقل من فصول المحاكمة يتمتع بفعالية هائلة في لفت الانتباه، ربما تفوق أفلام ديب الأكثر شهرة نفسها، ويبدو أن طرفي القضية مهتمان بهذه الناحية، أكثر حتى من سعيهما لتحصيل التعويضات المالية، التي قد لا تفقرهما أو تغنيهما كثيراً، إنها باختصار قضية مصممة بدورها لـ»عدالة الجموع» بغض النظر عن الحكم القضائي الذي سيصدر فيها.
فضلاً عن هذا فقد يكون كثيرون من المتعاطفين مع الممثل الأمريكي اليوم من المتحمسين سابقاً لحملة #metoo، دون أدنى انتباه لاختلاف المنطق بين الحدثين: ديب الرجل الأبيض ذو الامتياز، لجأ للمؤسسة القضائية، ليبيّن أن امتيازه لا يعني بالضرورة كونه مذنباً، فيما اعتمدت حملات مواجهة التحرش على اللجوء إلى الجموع، والمؤسسات غير القضائية غالباً، لقلب هرم الامتياز جذرياً، عبر إعطاء حظوة لأصحاب الهويات الأضعف، ما قد يؤدي لعالم أكثر عدالة على المدى الطويل، حتى لو ظَلَم الآن بعض المتهمين، الذين باتوا مذنبين حتى يثبت العكس. عدم إدراك هذا الاختلاف، من قبل جانب مهم من الجموع المتابعة، يطرح سؤالاً مهماً عن الأيديولوجيا السائدة حالياً بأكملها: كيف يمكن أن يُنتج الحق، بما فيه ما يُعتبر نصرةً للفئات الأضعف، في ثقافة قائمة أساساً على تحفيز الانتباه، عبر رموز وعلامات لا يبدو أنها تصوغ أي معنى جدي لدى متلقيها؟
ليست محاكمة ديب ـ هيرد أول حدث قضائي يغدو قضية رأي عام بالتأكيد، فلطالما كان للبشر في الحيز العام آراء شديدة الأهمية والتأثير في عمل مؤسسات القانون، لكن الملحوظ في هذه الحالة أن منطق الصحافة الصفراء والإعلام الفضائحي بات هو السائد، حتى عندما يتعلق الأمر بقضايا «العدالة الاجتماعية» بالمعنى الأمريكي، ما يطرح سؤالاً آخر، لا يقل أهمية: هل يمكن لانفعالات وأفكار الناس أن تؤدي إلى ما هو أفضل من عدالة الجموع؟
لا يبدو إذن أن التفاؤل بمنظور جديد للتعامل مع قضايا المساواة، بما فيها المساواة الجندرية، في محله، رغم كل ما كشفته محاكمة ديب- هيرد من اختلال في المنظورات السابقة. فالمشكلة لا تتعلق بنمط من النسوية الراديكالية، أو سياسات الهوية المنفلتة من عقالها، بقدر ما ترتبط بشرط سياسي/أيديولوجي شامل، ينتج هذا النوع من الضحايا والجلادين.
إني أتهم
قد تكون «قضية دريفوس» أحد أشهر الأمثلة في التاريخ الحديث عن محاكمة باتت قضية رأي عام. ألفريد دريفوس الضابط اليهودي الفرنسي، اتهم بالخيانة العظمى لحساب الألمان، من قبل محكمة واضحة العداء للسامية. لم توجد قرائن كثيرة ضد العسكري الفرنسي سوى أنه يهودي، واليهود خونة بطبعهم! لم تكن فكرة هرمية الضحايا في القرن التاسع عشر، الذي شهد قضية دريفوس، مماثلة لما هو سائد حالياً، بل كان كثيرون من القوميين يعتبرون مجتمع الأغلبية الأوروبي المسيحي ضحية لجشع اليهود وسيطرتهم الاقتصادية والمالية، وبالتالي فقد كان يمكن تجريم دريفوس على الهوية، واعتباره مداناً إلى أن يثبت العكس. لكن موجة التضامن مع الضابط الفرنسي، التي وصلت ذروتها مع مقالات الأديب الشهير أميل زولا، المعنونة بـ»إني أتهم» حوّلت القضية إلى إحدى الأساطير المؤسسة للجمهورية الفرنسية.
ما عنته قضية دريفوس كان تأسيسياً لمشروع الحداثة نفسه: لا يمكن اعتبار الانتماء الهوياتي، سواء كان دينياً أو قومياً أو جنسياً، دليل إدانة بحد ذاته. هوية دريفوس لن تمنعه من أن يكون مخلصاً لجمهوريته، ومن تضامنوا معه كانوا يؤكدون أساساً حقهم في المساواة. سيجد أنصار التمييز على الهوية كثيراً من الأسباب لإدانة من يشاؤون، إذا تم السكوت على الظلم الواقع على دريفوس.
ربما كان يمكن لأحد القوميين الفرنسيين القول حينها، إن إدانة دريفوس، حتى لو كان مظلوماً، قد تساعد في تحطيم الهيمنة اليهودية، لكن ذاك الزمن لم يكن يتقبل هذا النوع من الحجج، فالحيز العام النشيط آنذاك، كان أكثر اهتماماً بمفاهيم مجردة عن «الحق» الذي اعتُبر كونياً وشاملاً ومشتركاً، وقابلاً للترجمة عبر الثقافات واللغات والهويات. اعتبر كل من هاجم دريفوس أو دافع عنه، أن موقفه يعبّر عن الحقيقة. فقد كان الناس مهتمين بما يظنون أنه كائن بالفعل، وليس بما هو أكثر قابلية للظهور والانتشار.

أمبير هيرد
جوني ديب ليس ألفريد دريفوس بالتأكيد، ومحاموه ليسوا أميل زولا. قضية ديب ـ هيرد انبنت، مثل حملات «العدالة الاجتماعية» التي سبقتها، على مفهوم آخر للحق: الإفادة الذاتية، التي لا يمكن تعقّلها، ولا يجوز ذلك أصلاً، لأن التجربة غير قابلة للترجمة. يمكن فقط التعاطف والتصديق، بناء على ما تستطيع التعبيرات الذاتية إثارته من انفعالات وتحيزات. يمكن في فترة معينة، وعلى أساس معادلات مرتبطة بالسياسة الأمريكية (حملة #metoo ظهرت بعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية مثلاً) أن يتم إغراق البشر بعلامات لافتة للانتباه عن مظلمة، يمكن لأجلها خرق أي مفهوم معروف للعدالة، بما في ذلك مفاهيم مترسّخة مثل قرينة البراءة. كما يمكن، بعد أن تنقضي أولوية تلك المعادلات، أن يستغل أصحاب الامتياز ماكينة إنتاج الرموز والعلامات نفسها، ليستعيدوا اعتبارهم. البشر، الذين يعاملون بوصفهم مجرد مستقبلين ومنتجين للعلامات الفارغة، لن يلاحظوا الفرق كثيراً، فالمهم مدى قدرة العلامات على لفت الانتباه.
لا رأي عام بالمعنى الكلاسيكي هنا، بل مجرد ذوات فردية/ماكينات يمكن توقع ردات فعلها، إن كان خبراء الإعلام والتسويق والعلاقات العامة يجيدون عملهم. أما «الحق» في هذا الشرط فيصبح مجرد علامة اعتباطية أخرى، تظهر وتختفي بأشكال متعددة مع كل «تريند» جديد.
اللذة السامة
وإذا كانت قضية دريفوس تأسيسية في الحداثة وقيمها، فإن محاكمة ديب ـ هيرد قد تبدو شديدة التعبير عن نمط الذاتية المعاصر. لدينا هنا نموذج صافٍ عن «العلاقات السامة»: رجل وامرأة أساءا لبعضهما بشدة، ثم نشرا فضائحهما على الملأ. ليرى المتابعون شخصين ناضجين يتنافسان على إظهار نفسيهما بمظهر الضحية، وبيان مدى هشاشتهما، وقابلية تعرضهما للأذى. حتى الملايين الكثيرة التي يملكانها لا تخفف من مدى رثاء الذات الذي يبديانه.
كانت فضائح المشاهير دوماً مادة دسمة للصحافة الصفراء، ربما منذ نشأة الثقافة الجماهيرية نفسها، لكن هذه الفضيحة تعبّر عما هو أكثر من رغبة الناس العاديين بالتلصص على حياة الأقوياء، والشماتة بهم. شعر كثيرون بأن قصة ديب- هيرد مشابهة لما يعيشونه: لا توجد أطر اجتماعية تعطي المعنى للمشاكل والآلام الملازمة لكل تواصل إنساني، الذي لا يبدو لذلك سوى مجموعة من الإساءات السامة والأذى غير المبرر. وبالتالي فإن كل هذه «السميّة» تستثير لذة كبيرة بين المتابعين: ما نعانيه بات صوراً براقة، تحفّز اللغط على مواقع التواصل.
هنالك بهذا المعنى رابط بين مفهوم الحق، بوصفه علامة فارغة، والذوات المستهلكة لذاك «الحق»: عندما لا يمكن تعريف الذوات الفردية بقيم اجتماعية أشمل منها، تعطي للحقيقة معناها، فلن يبقى إلا أيديولوجيا سائلة، تُشعر الناس بهشاشتهم، ومدى «الاعتداء» الذي يتعرضون له في كل مكان، إلا أن أغلبهم، للأسف، لن يمتلك قدرات ديب المالية لمقاضاة من «اعتدى» عليه.
القطيعة مع الجموع
لا يبدو إذن أن التفاؤل بمنظور جديد للتعامل مع قضايا المساواة، بما فيها المساواة الجندرية، في محله، رغم كل ما كشفته محاكمة ديب- هيرد من اختلال في المنظورات السابقة. فالمشكلة لا تتعلق بنمط من النسوية الراديكالية، أو سياسات الهوية المنفلتة من عقالها، بقدر ما ترتبط بشرط سياسي/أيديولوجي شامل، ينتج هذا النوع من الضحايا والجلادين. قد تكون القطيعة مع هذا الشرط بأكمله، وما ينتجه من سياسات الجموع، بعلاماتها الفارغة، وعدالتها القائمة على تحفيز الانفعالات السلبية، من خوف وضغينة وريبة وذنب، هي الشرط اللازم والضروري لأي تغيير. إلا أن تحقيق هذه القطيعة لا يبدو ممكناً بمجرد النقد الثقافي والأيديولوجي للحاضر. فإسهامات عشرات المفكرين النقدية، التي تراكمت في الشرق والغرب، غير مؤهلة بطبعها لأن تصبح لافتة للانتباه أكثر من إفادات «الناجين» التي تملأ الفضاء السايبري.
يبقى الأمل أن يبتكر البشر، الذين يزدادون فقراً ومعاناةً من التمييز الفعلي في المنظومة القائمة، أشكالاً وتعبيرات جديدة وغير متوقعة للاحتجاج، وعندها يمكن أن يعود المعنى لعبارة مثل «إني أتهم».
كاتب سوري