محاكمة لعهد عربي بأكمله !

حجم الخط
0

ثلاثة عقود كانت الاسوأ في تاريخ مصر والبلدان العربية جميعا، تحكم بها مبارك في الدولة العربية الاكبر، حيث قادها لطريق لا يفضي لغير الخواء والافلاس والتقزم، واذا كان السادات قد فتح باب الانحدار بتبعيته للصهاينة والامريكان ورهن مصير مصر ببورصتهما، فان مبارك قد باع مصر تماما بجعله نهج الانحدار معمما وشاملا ومتسربا لكل صغيرة وكبيرة فيها، وهو لم يعتبر من القصاص الذي ناله سلفه عندما استخف بحقيقة تلازم الامن الوطني المصري بالامن القومي العربي، بل انه قد تفوق عليه باشاعة روح المهانة والحط من قدر شعب مصر العظيم.

ثلاثون عاما نهب بها القطاع العام الذي كان يعتبر واحدا من اهم منجزات ثورة 23 يوليو، وتراجع بها التعليم، وتضاعفت فيها نسبة الامية، وتردى فيها الوضع الصحي والمعاشي والسكني، ثلاثون عاما تغول فيها الفساد والاستبداد لحدود لا تطاق، ثلاثون عاما اختزلت بها السياسة المصرية وتحولت من زعيمة للعرب ورائدة في افريقيا، وعلم من اعلام العالم الثالث، الى مجرد صالون للسمسرة السياسية التي تمرر بها الاجندة الاسرائيلية الامريكية في المنطقة، واصبح شرم الشيخ عنوانا اقليميا وعالميا لهذه السمسرة المهينة، ثلاثون عاما تقزمت بها مصر حتى تجرأت عليها دول يصعب رؤيتها على خريطة دول العالم!

ثلاثون عاما تحولت بها الجامعة العربية الى جسر لتمرير القرارات والسياسات التي تتناغم مع التطلعات الامريكية الاسرائيلية، لقد لعب مبارك شخصيا دورا تآمريا مشهودا عندما تجند مطيعا تحت قيادة دول الخليج النفطية لاستصدار قرار عربي يدعو لدخول القوات الامريكية بغطاء عربي لمواجهة العراق اثناء ازمة الكويت، عندما اصر، وهو رئيس القمة وقتها، على التخلي عن امكانية ترجيح اي حل عربي ينقذ ما يمكن انقاذه قبل حلول الكارثة التي ما زال يعاني من اثارها الوضع العربي بأكمله، وكان موقف مبارك ونظامه في اثناء حرب غزو العراق مخزيا، مثلما كان كذلك ايام العدوان الاسرائيلي على جنوب لبنان وعلى غزة، ومثلما كان موقفه غير مسؤولا ازاء اوضاع السودان والصومال.

شعب مصر هو الخاسر الاكبر من صفقة الغاز مع اسرائيل، مثلما هو الخاسر الاكبر من تمدد اسرائيل في اغلب دول حوض النيل مقابل انحسار الدور المصري فيها، مثلما هو الخاسر من مستقبل مشاريع السدود التي تساهم اسرائيل بتمويلها في اثيوبيا واوغندا.

ان اضمحلال الدور القيادي لمصر عربيا وافريقيا واسلاميا تلازم مع اضمحلال الدور الوطني للحكم فيها، فكلما كان نهج الحكم وطنيا وشعبيا كلما كان الحرص على تعزيز الدور المصري عربيا وافريقيا واسلاميا كبيرا وراسخا، والعكس صحيح، وهذا ما كان جليا اثناء فترة حكم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، اما الحديث عن القدرات العسكرية والاستراتيجية المصرية وتكلسها وتخلفها، بالقياس عما كانت عليه ايام المد الوطني والقومي فانه صار مألوفا، فالتفوق الاسرائيلي يتضاعف وفي كل الصنوف البرية والبحرية والجوية والصاروخية والنووية والمخابراتية، والملفت هنا ان اسرائيل وبرغم كل الضمانات وبرغم كل القيود المفروضة على التسليح المصري وبرغم مرور عشرات السنين على معاهدة السلام، الا انها تطمح الى تقزيم اكبر للقوة المصرية عسكرية كانت ام مدنية، وهذا ما تؤكده اخبار شبكات التجسس الاسرائيلية التي يتم اكتشافها بين الحين والاخر داخل مصر.

مجرد دخول حسني مبارك ورموز حكمه قفص المحكمة هو ادانة صارخة لنهج ساد عربيا لمدة ثلاث عقود، وبالتالي فهو ادانة لحكام عرب اخرين ـ ملوكا او رؤساء ـ ما زالوا يحكمون بنفس مفردات حكم مبارك، وهم كانوا شركاء مع مبارك في صنع ما ساد العالم العربي خلال تلك الفترة، ومن المؤكد سيكون هذا الدخول محزنا لهم ومستهجنا من قبلهم كما هو محزنا لقادة اسرائيل المتضررين المباشرين من سقوط حكم مبارك ومحاكمته، ومن المؤكد انهم حاولوا تجنيب مبارك هذا الدخول الذي يخزيهم، لكن لتدخلهم حدود امام ضغوط ثوار مصر الذين صنعوا حدودا جديدة لمصر تناسب حجم مصر وثورتها النبيلة.

جمال محمد تقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية