يحاكم الرئيس المصري المعزول محمد مرسي اليوم بتهمة التحريض على قتل متظاهرين في الاشتباكات التي جرت مطلع كانون الأول (ديسمبر) الماضي في محيط قصر الاتحادية الرئاسي وسقط فيها قتلى ومصابون.
ثلاث اشارات دولية تقاطعت أمس مع القضية:
الاشارة الأولى (والأهم) كانت من جون كيري وزير الخارجية الأمريكي الذي يزور مصر حالياً (وسيغادرها قبل المحاكمة بساعات) والذي أعطى ما يشبه ضوءا أخضر يحثّ السلطات المصرية الحالية، عملياً، على المضيّ في المحاكمة، اضافة الى أنه، وفي هذا الوقت بالذات، قرر أن يعطي الجيش المصري شهادة حسن سلوك حيث قال إنه ‘يبدو مستعداً لإرساء الديمقراطية’!
للتخفيف من وطأة هذا الموقف تحدث كيري (مازحاً ربّما) عن ‘ضرورة اجراء محاكمات نزيهة وشفافة لكل المصريين’ وهو أمر يثير التساؤل إن كانت المحاكمات النزيهة والشفافة ستشمل أيضاً من قتلوا المئات من متظاهري ساحة رابعة العدوية أم أن كيري يريد أن يذكّرنا، مرّة أخرى، بالنزاهة الأمريكية الانتقائية التي تجرّعنا سمومها في فلسطين والعراق وافغانستان والتي يقوم بتفصيلها خياطو البيت الأبيض حسب الطلب وعند الحاجة.
الاشارة الثانية جاءت من الرئيس التونسي المنصف المرزوقي الذي اعتبر الرئيس المصري معتقلاً سياسياً وطالب باطلاق سراحه لوقف مسلسل العنف وعودة الحياة السياسية في مصر، وهي إشارة من مناضل حقوقي قبل أن يكون رئيساً، ولا يبدو أنها ستلقى آذاناً صاغية لدى قادة الجيش المصري.
أما الثالثة فأتت من تركيا تحت عنوان ‘محكمة الضمير للانقلاب العسكري’ على الرئيس المصري التي دعت اليها منظمات تركية غير حكومية بينها ‘جمعية المحامين الأتراك’، وهي إشارة ذكية أيضاً لأنها تعيد للذهن الكفاح الطويل الذي خاضته الديمقراطية التركية ضد العسكر وتحكمهم لعشرات السنين بالسياسة.
أما في مصر فقد صعّد الطرفان مواقفهما، حيث وجهت السلطات المصرية ‘تحذيراً شديد اللهجة’ إلى أنصار مرسي (ومنعت ابنه أسامة مرسي من السفر بناء على طلب ‘احدى الجهات السيادية’)، فيما دعا حزب الحرية والعدالة المصري (الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين) الى مظاهرات حاشدة رفضا ‘لممارسات القمع التي ينتهجها الانقلابيون’، مؤكداً ان السلطات ستواجه ‘مظاهرات حاشدة لم يسبق لها مثيل’.
وفيما يراهن الممسكون بمقاليد السلطة المصرية حالياً على إظهار أن المحاكمة ستكون طيّاً لصفحة الإخوان يتبعها انفراج سياسي افتراضي مع رفع حالة الطوارئ بعد عشرة أيام، فإن مؤيدي الرئيس المصري المعزول يراهنون على استمرار المظاهرات والتأكيد على دعواتهم بعودة الرئيس الشرعي.
محاكمة محمد مرسي ستكون لحظة رمزية كبيرة في سياق إسقاط وهم لم تستطع الأنظمة العربية بعد التخلّي عنه والمتمثل في فكرة إمكان القضاء على النضال المدني بالقمع والاعتقالات والمحاكمات السياسية.
جاءت الثورات العربية لنقض هذا الوهم جذريّاً لكن الدولة العميقة (ليس في العالم العربي فحسب بل في امتداداته الإقليمية والدولية) تحاول من جديد الانقضاض على الثورات وتغيير صيرورتها الطبيعية وإعادة الساعة الى الوراء.
رغم كل أخطاء جماعة الاخوان المسلمين فإنها تمثّل جزءاً من التاريخ السياسي الحديث لمصر، وتعكس صورة من صور حراك المجتمع المدني وطبيعة الشخصية المصرية، ومحاولات قمعها في السابق لم تؤدّ الا إلى جرح مصري كبير وإلى تعزيز حركات التطرّف والعنف المسلّح.
حفاظ الجماعة على سلميّتها ما زال يشكل أحد صمّامات الأمان للمجتمع المصري وإثباتاً على أنها أكثر قدرة من العسكر على التعلم من التاريخ.