شهد العراق تأسيس نمطـــــين من المحاكم ذات الطبيعة الاستثنائية المختصة كلا منهما في تصفية حسابات ســــياسية: الأولي كانت في زمن الزعيم الوطني الراحل عبد الكريم قاسم الذي شكل محكمة لمقاضاة رجال العهد الملكي ونظامه فأصدر قانونا لتشكيل محكمة عسكرية خاصة وعين العقيد محمد فاضل المهداوي رئيسا لها. وتشاء أقدار العراق أن يعيد التاريخ نفسه ولكن في شاكلة مختلفة، فعقب سقوط النظام العراقي السابق وتشكيل مجلس الحكم وفق قانون ادارة الدولة الذي تقدم به الحاكم الأمريكي الأول للعراق بعد سقوط نظام صدام حسين بول بريمر. ووفق هذا القانون تأسست المحكمة الجنائية العراقية العليا بموجب القانون رقم (1) لعام 2003 الصادر عن مجلس الحكم العراقي قبل أن يتم استبداله بالقانون رقم 10 لسنة 2005 الصادر عن الجمعية الوطنية العراقية. وكانت مهمة المحكمة مقاضاة الرئيس العراقي السابق صدام حسين ورموز حكمه علي عدد من الانتهاكات التي ارتكبت في عهده ما بين العام 1968 حتي العام 2003 تاريخ سقوط النظام. وقد بذلت جهود كبيرة من أجل ملاءمة قوانين المحكمة مع القوانين الدولية ذات الصلة بمثل هذه القضايا.
المحكمتان الأولي والثانية مع الاختلاف بينهما من حيث نوعية التأسيس وطبيعته، حيث نشأت الأولي بقرار عسكري بينما نشأت الثانية بقرار مدني، مع ذلك فقد حظيتا باهتمام سياسي عراقي وعربي ودولي كبير. وفي المحكمتين رغم التباعد الزمني بينهما برزت للعيان رغبة الثأر السياسي من الخصم علي نحو يحمل الكثير من البشاعة ويعكس فعلا طبيعة الخلاف السياسي حين لا يتفق المختلفون علي ميكانيزمات ديمقراطية لحل أي خلاف سياسي بينهم. وعلي الرغم من أن المراقب لا يعدم أوجه التشابه بين المحكمتين فكلاهما يختص في مقاضاة مرحلة سياسية بكاملها، الا أن فروقا كبيرة وجوهرية تميز الثانية عن الأولي. أولها شكلي ويتصل بالمتهمين، ففيما كان رجال العهد الملكي يقفون في قفص الاتهام كالأرانب المذعورة، فان صدام حسين ورفاقه لم يقفوا الا بموقف الرجال المقتنعين بما قاموا به غير نادمين علي طريقتهم في الحكم حتي وهم يحاكمون بالاعدام شنقا حتي الموت. بل ان الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد حول المحاكمة في كثير من جلساتها الي منبر يسرب من خلاله رسائله لتعبئة العراقيين وتحريضهم ضد الاحتلال وضد الطائفية التي ابتلي الله بها العراق بعد سقوطه تحت الاحتلال.
خالد عيسي طهرئيس منظمة محامون بلا حدود بريطانيا6