جعفر العقيلي وها أنذا الآن.. قاب طاولتين أو أدنى منك.. أقرب إليك، أو أنت أقرب إليّ ( لا فرق) من أيّ وقت مضى.
كثيراً ما خشيتُ من الاقتراب منك بخلاف ما كان يفعله الآخرون، انصياعاً لشعور داخلي في لاوعيي كان يقول لي إنك تريد ذلك.
كيف لا – وها إنني هنا أبرّر- وأنت تنتمي إلى جيل لا أملك إزاءه إلا أن أنحني.. وأنت ابن تجربة وصانع تجربة، ما أزال ‘أتأتئ’ في مداراتهما، وأنتَ الذي عرفتَ عمّان وحفظْتَها عن ظهر قلبٍ منذ نعومة أوراقك، فيما أنا مجرد عابر، في المدينة التي ربما أصبحت هي عابرة أيضاً.
أعرف تماماً أنك الآن لا تراني.. لا تراني جيداً.. لا تراني كما أحب أن أبدو في عينيك.. قد تكون منشغلاً في اصطياد فكرة تُضيفها إلى سيرتك ‘الجوانية’، أو سيرتنا ‘البرانية’، قد تؤرقك مسألة في النَّص أو في الحياة.. أما أنا، فيكفيني أن أتملّى وجهك بالتفاتَتِهِ الجانبية، ‘بروفيل’ والذي يعجز مصور فوتوغرافي حاذق أو تشكيلي ماهر عن التقاط تفاصيله، رغم انبساط صفحته، وقلة التجاعيد فيه.
هكذا أنت – في الـهُـنا والآن – وهكذا كنتَ تبدو لي، بملامحك التي تندّ عن صرامة تخفي وراءها وداعةَ قديس يصلّي في محرابه الأبدي، غارقاً في تأملٍ صوفيّ صادق لا تشوبه رغبةٌ في ‘الدنيا’ التي غَرَّتْ غيرَكَ، وما استطاعت إيقاعك في فخها رغم نداءاتها وإغراءاتها.
قاب طاولتين أو أدنى.. وها أنذا الآن أشاركك جلستك مع الآخرين، بعد أن لم يسعفني الحظ في الانضمام إليكم في تلك ‘اللمّة’ الوداعية، حيث أفراد الشلّة ‘العصابة’ يتحلّقون حولك تحلّقَ الإسوارة بالمعصم، وكأنما أنتَ في تلك اللحظة – لحظة التقاط الصورة – مركزَ الكون، ونواة المقهى الذي بكى لغيابك، ربما أكثر مما بكيتُ أنا.
أذكر هنا لقاءنا الأول ( ربما أكثر من تذكّري لقاءنا الأخير) حين سوّلتْ لي نفسي دخول مكتبك في غيابك، كنتُ غاضباً ومستفَزاً لأمرٍ حدث لي في وزارة الثقافة، لم تستهجن وجودي، وكأنك اعتدتَ على اقتحام الآخرين عالمَك ( أليس مكتبك جزءاً من عالمك وتعبيراً عنه!)، أو كأنك لا ترى في نفسك سوى ‘آخر’ يزور المكتب، كما يزوره الآخرون.. ابتسمتَ بلا مبالاة لم تعجبني حينئذٍ، وكنتَ قد بدأتَ إشعال سيجارتك، وقلتَ: ‘احمد ربك على أن هذا ما حدث فقط’. تركتُكَ، وقد قررتُ أن لا أعود، وأن لا ألقي عليك تحيةً مرة أخرى، وتذكّرتُ أنك لم تعرف اسمي، أو ربما لم تسمعه / تسمع به من قبل، لأكتشف في ما بعد أنك تحب أن تبدو حقيقياً، لا زيف فيك، وأن الحياة أنهكتك، بحيث لم يعد بالإمكان أن ‘تنرفز’ عند كل ‘دقرة’. ولذا بدوتَ باردَ الأعصاب، ظاهرياً على الأقل، في مواجهة طوفان الغليان الذي يتفجر في داخلك، وفي محيطك على حدٍّ سواء.
أكذب لو قلتُ لك إنني كنتُ توّاقاً إلى الجلوس إليك في السنين الأولى التي قضيتُها في عمّان، ولكن بعد أن قرأتُ الأجزاء الأولى من سيرتك تلك الجوانية، أدركتُ كم خسرتُ جرّاء عزوفي عن توريط نفسي في علاقةٍ معك.. فلا خسارة في علاقةٍ مع بحر، أو منجم أسرار، أو نبع حكايا، وكذا كنتَ أنتَ.
قاب طاولتين أو أدنى.. وأنتَ ما تزال هنا.. تتحدث عن مشروعك الأخير ( هل كنتَ تعرف أنه الأخير؟!) الذي لم يكتمل ( هل اكتملَ برحيلك؟!) والذي ترى فيه خلاصة تجربتك ( وهل كانت تجربتك ستتلخّص في وريقات متناثرة؟!). لم ألتقِ بك لاحقاً في ‘حوارية’ مكتملة.. كانت لقاءات عابرة، ما كان يقال فيها لا يتعدى السلام والتحية.. إذ كنتُ أتعجّل لأنهي حواري المبتسر معك، لهالتك التي كانت تلعثمني، وتجعلني هياباً غير قادر على مواصلة الحديث. تلك مشكلتي، أعرفُ، وأعرف أكثر أنها لم تُحَلّ إلاّ بعد غيابك الذي بدا وكأنه يكتسب حضوراً لَهُوَ أشد تأثيراً فِيَّ من حضورك الحقيقي.. لكنه حضور جعلني أزيل الحواجز التي صنعتُها بنفسي، لأحاول من جديد، ولأقول لك كل الذي كان بودّي أن أقوله حول رواياتك، ومقالاتك، واعترافاتك التي ما أزالُ أفغر كلّي لمقدار البوح الذي ضمّنتَهُ فيها، وأحسدُكَ عليه، لأنكَ لم تفقأ عين الحقيقة، بل رميتَ بها إلينا كاملة، ونحن لا نحتمل كل هذه الصراحة، فقد اعتدنا على الكذب والتجمّل، خصوصاً حين يكون الحديث عن أنفسنا وحياتنا ‘الخاصة’ ( أعرف أنكَ تسخر الآن مني، فلا حياة ‘خاصة’ في قاموسك). مؤنس… الثامنة مساءً، وأنتَ تتوسط صورة معلّقة على الحائط في ‘مقهى عمون’، غير مبالٍ بي مرة أخرى، لتدفعني – بمكرٍ جميل – إلى الكتابة لك / عنك، وها أنذا أفعل، رغم انقطاعي الطويل عن الكتابة، فقد حننتُ إليها، مثلما حننتُ إليك.. فمتى تغادر المقهى؟! كاتب وإعلامي من الأردن[email protected]