محاولات احتواء العالم العربي هل اشرفت علي الاكتمال؟
د. محي الدين عميمورمحاولات احتواء العالم العربي هل اشرفت علي الاكتمال؟ عندما تواجهني أحداث معينة أحس بأن عليّ أن أعود بالذاكرة الي الخلف، كسائق سيارة ينظر في مرآة عاكسة، لأستعرض أحداثا سابقة، أراها جزءا من المخطط الذي يستهدف الأمة، ماضيا وحاضرا ومستقبلا. ولن أضيع وقتا في تأكيد نظرية المؤامرة، التي يخدعنا البعض عندما يحاول اقناعنا بالترفع عنها، في حين أنها واقع يكاد يفقأ الأعين منذ سايكس ـ بيكو ومرورا بما سُمّي ثورة عربية كبري، وهي لم تكن ثورة ولا عربية وان كانت نتائجها كوبرا .ولن أتوقف عند الخطة ألفا التي أشــــار لها هيكل في حديثه الأسبق، والتي طورها ايزنهاور الي نظـــرية فراغ الشرق الأوسط، الذي ألقت العناية الالهية علي واشنطن مهمة ملئه.ولن أتوقف عند أحداث الخمسينيات والستينيات التي جرت فيها عدة محاولات لنسف كل امكانية لقيام تضامن عربي يواجه التحدي الذي أحدثه زرع اسرائيل في المنطقة، ومن بينها الوحدة المصرية ـ السورية.كل ذلك معروف، وأعتبرهُ المرحلة الأولي لمحاولة احتواء العالم العربي والتي اختتمت بهزيمة 1967، وهي هزيمة مريرة كان الأمر المدهش فيما يتعلق بها أنها كانت بداية لما كان يمكن أن يكون صحوة جديدة، تجلت في استرجاع قيادة سياسية عربية لصلاحياتها كاملة لتخوض حرب الاستنزاف، ولتستعد جديا لكي يُسترجع بالقوة ما أخذ بالقوة، وهو ما تجسد في مجموعة الخطط العسكرية التي حملت اسم المآذن العالية وبدر وغرانيت الخ. لكن ما أزعم أنه جدير بالانتباه هو ما عرفته السبعينيات، والذي أعتبره المرحلة الثانية التي أدركت فيها القوي المعادية للأمة العربية أن الهزيمة الحقيقية للأمة تحتاج الي نصر يؤدي الي الاسترخاء السياسي والرخاء الاقتصادي الانتقائي، الذي يقود الي نشوء طبقات طفيلية تكون القاعدة الحقيقية للنفوذ الأجنبي في المنطقة. وأعتذر هنا اذا اضطررت الي اجترار بعض ما قلته في الثمانينيات، وموجزه، باختصار شديد، أن منتصف السبعينيات شهد مجموعة أحداث لا يمكن أن يكون اجتماعها وتتاليها مجرد مصادفة، خصوصا وأن ما ترتب عليها قادنا الي الوضعية التي نعيشها اليوم، ومع التذكير بالدور الرئيس لعزيزي هنري كيسنجر.وهكذا تم فتح قناة السويس للملاحة البحرية بعد أن جري تطهيرها، وهو ما كان محور رسالة حملتها من الرئيس أنور السادات الي الرئيس هواري بو مدين.وللتذكير، فان هناك من كان يتصور أن بقاء القناة مغلقة في وجه الملاحة الدولية هو ورقة يمكنها أن تستعملها لارغام الغرب، الذي كان يُعاني من دوران سفنه حول رأس الرجاء الصالح، علي ممارسة ضغوط علي اسرائيل لانتزاع أكثر ما يُمكن انتزاعه من حقوق عربية.وقال لي السادات حرفيا : يا بني، قل للأخ أبو مدين بأن تطهير القناة هو قرار مصري أما فتحها للملاحة فهو قرار عربي ، ونقلتُ ذلك بالفعل الي الرئيس وأحسست بأنه لم يكن مطمئنا تماما، وتأكد ذلك عندما فتحت القناة.وعرف نفس العام توقيع الاتفاقية الثانية لفك الاشتباك علي الجبهة المصرية ـ الاسرائيلية، ويتذكر الكثيرون ما نقل عن ذلك من تفاصيل كان من أشدها ايلاما ما قيل عن دموع حاول المشير الجمسي رحمه الله أن يخفيها خلال المباحثات مع الجانب الاسرائيلي.وكانت الاتفاقية، في نظر كثيرين، خطوة نحو الاتفاق المنفرد مع اسرائيل والذي وُقع قبل أن تنتهي العشرية في كامب دافيد، بعد الزيارة التي قام بها الرئيس المصري الي القدس المحتلة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1977.وعرف نفس العام اغتيال العاهل السعودي فيصل بن عبد العزيز، والذي كان يزعج كيسنجر بالحديث عن أمله في أداء الصلاة ببيت المقدس، المتحرر من الوجود الاسرائيلي بالطبع، كما عرف تدهور الأوضاع في المغرب العربي الذي كان عمقا طبيعيا للمشرق العربي، وذلك بانفجار مفاجئ لقضية الصحراء الغربية، وبغض النظر عن تأثير الغياب النهائي للجنرال فرانكو علي تسارع الأحداث وعن دور أطراف عربية في صب الزيت علي النار.وفي نفس العام انفجرت الحرب الأهلية في لبنان، وهو ما كان نقطة البداية في سلسلة من التطورات المأساوية التي وضعت بذرتها قبل ذلك في 1958 بتمويل من الحكم العراقي وبقيادة الرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون.وقبل أن أتوقف أكثر عند لبنان أذكر بأن تلك المرحلة في السبعينيات عرفت استغلال الجشع السياسي عند الرئيس الصومالي الراحل زياد بري، حيث دُفع به الي أتون الحرب مع اثيوبيا، وذلك في محاولة أخري للمطالبة بحقوق تاريخية كان هدفها الحقيقي تضييق الخناق علي نظام منغستو هايلي مريام اليساري، أي أن الأمر كان جزءا اخر من المخطط الأمريكي لعزل الكتلة الاشتراكية وكل من يرتبط بها.وقبل أن تنتهي السبعينيات كان والد القنبلة النووية الاسلامية، الرئيس ذو الفقار علي بهوتو، قد عُزل ثم قتل علي يد الجنرال ضياء الحق، الذي كان قد عمل لسنوات في الأردن، ثم انتقل الرئيس الجزائري هواري بو مدين الي رحاب الله في ظروف ما زال الكثيرون يتساءلون حولها، ثم وقعت موسكو في الفخ الأفغاني، وهو ما كان الرئيس الشاذلي بن جديد قد حذر منه الرئيس ليونيد بريجنيف في لقاء شاركت فيه. وربما كان الحدث الوحيد الذي فوجئت به مخابر لعبة الأمم هو سقوط شاه ايران، وقيام الثورة الاسلامية في ايران. وانتهي العقد بقيام الحرب العراقية ـ الايرانية بتعاطف مع العراق من كل الدول العربية، باستثناء سورية والجزائر علي ما أذكر.وانتهي عقد الثمانينيات بغزو الكويت الذي ما زال الكثيرون يرونه فخا وقع فيه الرئيس العراقي السابق ثم غُلّقت دونه الأبواب باستبعاد الحلّ العربي الذي كان هناك من يراه أمرا ممكنا قبل مؤتمر القمة العربية المشهور في الاسكندرية، وكان ذلك ايذانا ببداية مرحلة جديدة وصلت الي ذروتها باحتلال العراق، ثم قيام حرب أهلية طائفية زاد من حدتها الأسلوب الذي أعدم به صدام حُسين، والذي كادت آثاره أن تلقي بظلالها علي أوضاع لبنان، لتخلق فتنة سنية ـ شيعية يمكن أن تتلوها فتنة دينية بين المسلمين والمسيحيين.هذا كله يجب أن يكون في الذاكرة عند استعراض أحداث بيروت الخميس الماضي، بعد نجاح الاضراب في اليوم الذي أسماه البعض ظلما الثلاثاء الأسود. وبداية أسجل للجيش اللبناني أنه كان العنصر الرئيسي في حماية لبنان من فتنة عمل لها البعض بماكيافيللية يخجل منها ماكيافيللي نفسه.وحرص الجيش علي ألاّ يتعامل مع الأحداث بوصفها انتفاضة تترجم هياج شارع فقد بوصلـــته، بل واجه عملية اطلاق النار علي رجاله بحكمة نفت المسؤولية ضمنيا عن الطلبة، الذين انعكست عليهم وضعية توتر عاشها لبنان طويلا، وكان الموقف رسالة ضمنــية للسياسيين تقول بأن من يقدر علي هذا يقدر علي ذاك.وتذكرت أحداث تشرين الاول (أكتوبر) 1988 في الجزائر، حيث أطلقــــت النار علي الجيش من عناصر مندــــسة كان هدفها استفزازه لخلق التــناقض الدمــــوي بينه وبــين الشعب، لتصل الي خلق تناقض أكثر دموية بين فئات الشعب نفــسه، وهو ما كان بداية لمرحلة دموية عطلت دور الجزائر العربي.والمؤكد أن حالة الاحتقان التي عرفها لبنان وبيروت علي وجه التحديد جعلت من جامعتها العربية، التي تلتقي فيها عناصر تمثل اتجاهات متعددة، واجهة كلامية للتناقضات التي تعرفها الساحة. وللمقارنة فان الجامعــــة الأمريكـــية لم تعرف توترا مشابها.وقبل التساؤل عمّن أطلق النار علي عناصر الجيش لاستفزازه ولدفعه الي اطلاق النار علي الحشود بدون تمييز يجب التوقف عند الدور المتميز الذي قام به كل من سعد الدين الحريري وحسن نصر الله.فقد برز الحريري كسياسي نفض عن كتفيه رداء الشاب المُرفه Play boy الذي حاولت أوضاع وجِهات أن تلصقه به، وتمكن بخطابه الهادئ الواعي من أن يكون تعبيرا حقيقيا عن السنّة السياسية في الشارع اللبناني.لكن هذا ارتبط بغياب مُعيب للمرجعية السنية، التي لم يُسمع لها صوت أو يُلاحظ لها تحرك يوم الخميس، ثم راحت يوم الجمعة تتموقع، مرة أخري، في موقع الناطق باسم الحكومة، وهو ليس مكان أي مرجعية دينية.أما السيد فقد تمكن من تجاوز المخلفات النفسية لعملية اعدام الرئيس العراقي السابق، والتي كان من أهم أهدافها، كما سبق أن قلت، خلق الفتنة بين الشيعة والسنة عبر الوطن العربي كله، وبدا الأمين العام لحزب الله في خطابه متكاملا مع الحريري ومنسجما معه، وأعتقد أن هذا من أهم انجازات الخميس، الذي كان البعض يراهن عليه لاحداث الشرخ النهائي.وبدت الساحة اللبنانية ساحة وطنية واحدة تعرف اضطرابا ولكنها لا تعيش قطيعة.ولكن، من أطلق النار؟ولست أريد أن أستبق عملية التحقيق الجنائي التي طالب بها نصر الله لأنه يعرف جيدا أن شارعه، المنضبط تماما، لا يتحمل الوزر، تماما كشارع المستقبل الذي لم تعرف عنه محاولات مماثلة طوال مسيرته السياسية، لكن الاحتمال الأول يشير الي بعض الميليشيات القديمة التي تحاول أن تجد لنفسها مكانا علي الساحة السياسية، وخصوصا من كانوا، ولعلهم ما زالوا، حلفاء لاسرائيل التي يمكنها أن تبادر بعمليات تتصور أنها تخدم مصالحهم ومصالحها.وهنا يجب أن نتوقف عند الصورة الهزلية التي ظهرت عليها زعامة تقليدية جعلتها، في تصوري، تفقد الكثير من بقايا وجودها السياسي المؤثر علي الساحة، ليبقي لها ما يمكن أن يُعبر عنه نفوذ الزعامات العشائرية، وكثير منها لا يتمتع بالاجماع المطلق.ولقد بدا البيك أسير غيتو كراهية سورية بشكل أعطي للحكم السوري، وأيا كان تحفظــــنا علي الكثيــــر من ممارساته، الحق في التعامل مع الرجل كمجرد حاقد يجسد عقدة الذنب الناتجة عن الولاء القديم، المرتبطة باحساس عميق بالعجز عن متابعة الأحداث بعقلـــية السياسي المتمكن الذي يرتبط به رجاله علي أساس الاقتناع الفكري لا من منطلق الولاء القبلي.ويطرح السؤال نفسه.أين الشارع المسيحي في كل هذا؟وأتصور أن العملية كلها كانت تستهدف احداث الفتنة في الشارع الاسلامي أساسا استنادا الي الشروخ التي أحدثتها جريمة قتل صدام حسين، ومن هنا فان الشارع المسيحي لم يكن طرفا بشكل مباشر في أحداث الخميس، وهكذا لم نسمع الجنرال عون تماما كما لم نسمع صوت بكركي ، وهو، في تصوري، أمر معقول جدا انطلاقا من طبيعة الأحداث، ومع تجاهل تصريحات جعجع يوم الجمعة، والتي كانت جدّ هادئة برغم استهدافه للجنرال واجتراره لقضية سلاح المقاومة.ويبقي اليوم أن يتذكر اللبنانيون ما قاله الرئيس الياس سركيس من أنه لا يمكن أن يُحكم لبنان بنصف الشعب ضد النصف الآخر.ہ كاتب من الجزائر8