رام الله ـ «القدس العربي»: تشير خريطة المواجهات والاشتباكات المسلحة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في عموم الضفة الغربية إلى أنها آخذة بالاتساع وذلك مع تزايد وتيرة الاقتحامات والممارسات الاحتلالية.
فمتابعة الأخبار القصيرة الآتية من عموم المناطق التي تقتحم ليليا من مدن وبلدات وقرى تشير إلى أن هناك تزايدا في حدة وأماكن المواجهات المسلحة. فيندر أن تقتحم دوريات الاحتلال مناطق فلسطينية من دون وقوع اشتباكات مسلحة وهو الأمر الذي كان سابقا يقتصر على المناطق الرئيسية المعروفة بتواجد مجموعات المقاومة المسلحة مثل: مخيم جنين ومخيمي طولكرم ونور شمس.
يأتي ذلك في ظل المسعى الاحتلالي الدؤوب الذي يهدف إلى إبقاء الضفة في وضعية الهدوء وتحت السيطرة وهو أمر لا يرى الاحتلال من ترجمة فعلية لتحقيقه سوى بمزيد من الاعتقالات وممارسات العنف وتقطيع أوصال الضفة الغربية وهو أمر يراه مراقبون بإنه سيقود حتميا إلى اشتعال الضفة الغربية.
وقالت هيئة البث الإسرائيلية إن المؤسسة العسكرية حذرت مجلس وزراء الحرب من أن الضفة الغربية على وشك تصعيد كبير.
وهو ما توافق مع توعد أبو عبيدة الناطق العسكري باسم «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس» إسرائيل بمرحلة قادمة من الغضب والمقاومة في غزة والضفة والقدس وفي كل الجبهات والساحات.
وما يلاحظه المراقب أنه في اليوم التالي لاجتماع الكابينيت الإسرائيلي في قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية يوم الخميس الماضي، وقعت عدة اقتحامات في الضفة وعشرات المعتقلين، وسقط 18 شهيداً في أقل من 24 ساعة.
لقد اقتحمت قوات الاحتلال للمرّة الثانية، مخيم جنين في أقل من 12 ساعة، واستخدم خلال العملية طائرة مسيرة من نوع «زيك» في قصف خلية مسلحة، وهي عملية القصف رقم 10 من الجو في الضفة الغربية منذ وخلال اجتماع أمني حضره رؤساء المستوطنات في الضفة المحتلة وحكومة حرب الاحتلال كما حضره قادة الأجهزة الأمنية، وحذر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو قادة المستوطنين من الإضرار بإسرائيل ومصالحها على الصعيد الدولي، في ظل تقارير حكومية إسرائيلية عن انفجار محتمل للأوضاع في الضفة.
وقال نتنياهو خلال الاجتماع الأمني إن من بين أهداف الاجتماع مواجهة التصعيد في الضفة، ومنع تحولها إلى جبهة ثانية، مشيرا إلى أن الأمر يتعلق «بمجموعات متطرفة من المستوطنين الذين يسببون ضررا كبيرا لإسرائيل في الخارج».
وفي ذات السياق، قال رئيس جهاز الأمن الداخلي للاحتلال «الشاباك» رونين بار، أنه على اتصال منتظم مع السلطة الفلسطينية من أجل التوصل إلى وضع لا يسمح فيه بفتح ساحة قتال إضافية في الضفة المحتلة، لكن مجمل ما يقوم به الاحتلال على الأرض يسير باتجاه معاكس تماما.
ثلاث جبهات
وكان زعيم المعارضة لدى الاحتلال يائير لبيد، قد دعا حكومة بنيامين نتنياهو إلى «ضبط النفس» في الضفة الغربية، محذرا من خوض تل أبيب حربا على 3 جبهات، في إشارة للحرب الدائرة في غزة والمواجهات على الحدود اللبنانية.
وقال لبيد في تصريحات للقناة الـ12 العبرية إن جزءًا من المشكلة هو الخوف من اندلاع أعمال شغب في الضفة، موضحا أن سبب تلك المخاوف هو عدم مسؤولية المستوطنين المتطرفين الذين يحاولون إشعال النار في المنطقة.
وتأتي هذه التصريحات في ظل قلق متزايد من قادة الأجهزة الأمنية لدى الاحتلال من تصاعد المخاوف الأمنية في الضفة، حيث بات الوضع «على وشك الانفجار».
وتشهد أنحاء متفرقة من الضفة الغربية والقدس يوميا مداهمات واقتحامات للقرى والبلدات من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي، تصحبها مواجهات واعتقالات وإطلاق للرصاص الحي.
وكان مسؤولون أمريكيون طالبوا بتهدئة الأوضاع في الضفة الغربية، وكبح اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وتقوية السلطة الفلسطينية.
وردا على أخر تصعيد إسرائيلي قال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة، إن حكومة الاحتلال الإسرائيلي تصعد من حربها الشاملة على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة بما فيها القدس، وإنها انتقلت في عدوانها الشامل إلى الضفة الغربية.
وقال أبو ردينة إن إسرائيل تهدف في حربها الشاملة إلى قتل أكبر عدد من الفلسطينيين وتهجيرهم وتصفية القضية الفلسطينية.
ويشن جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر بالتزامن مع العدوان على قطاع غزة، عدوانا آخر في الضفة الغربية، أدى إلى استشهاد 173 مواطنا، وإصابة 2400 بجروح. وسُجلت النسبة الأعلى من سقوط الشهداء في مدينة جنين 33 شهيدا، ثم طولكرم 28 شهيدا، والخليل شهيدا، ونابلس 22 شهيدا، ورام الله والبيرة 21 شهيدا، والقدس وضواحيها 21 شهيدا، وبيت لحم 6 شهداء، وأريحا والأغوار 6 شهداء، وقلقيلية 6 شهداء، وفي طوباس 5 شهداء، وسلفيت بشهيد واحد، ومن بين الشهداء 43 طفلا، و4 مسنين، وسيدة.
غير أن الرقم الصادم هو استشهاد 9 مواطنين برصاص المستعمرين، 6 منهم في قرية قصرة وسابع في بلدة الساوية جنوب نابلس، وواحد في قرية دورا القرع، وآخر في رأس كركر شمال غرب رام الله. كما سُجلت 2300 حالة اعتقال، وهُدمت 65 منشأة، وتعرض 1084 مواطنا للتهجير.
ارتفاع اعتداءات المستعمرين
كما أشارت تقارير رسمية فلسطينية إلى ارتفاع اعتداءات المستعمرين إلى مستويات قياسية بتسجيلها 390 اعتداءً في شهر واحد، وتسببت بتهجير 9 تجمعات بدوية، كما نفذوا هجمات خطيرة وعنيفة ومنظمة وبحماية جيش الاحتلال ضد المواطنين العزل أثناء قطف الزيتون، ما أدى إلى انحسار الموسم إلى حدود قياسية، وشنوا أكثر من 126 هجمة عنيفة ضد قاطفي الزيتون، في 55 حالة منها ترافقت مع إطلاق النار، وفي 41 حالة بالتهديد وإشهار الأسلحة، ما أدى إلى حرمان المواطنين من استكمال عملية القطف.
وما تم التحذير منه في مسألة تسليح المستوطنين استمرت، حيث كشفت قيادة المستوطنين في شمال الضفة الغربية عن تسليح المئات ببنادق آلية وطائرات مسيرة لتعقب الفلسطينيين، وهي متطورة ومزودة بكاميرات حرارية، وتأتي بتمويل من تبرعات من منظمات أمريكية وكندية وأوروبية متطرفة دينياً، أبرزها منظمة «اليوبيل» الأمريكية الأنجليكانية (وهي منظمة مسجّلة في الولايات المتحدة الأمريكية كمنظمة غير ربحية تقدم «خدمة ومساعدة إلى المستوطنات الزراعية في إسرائيل» ما يعني أن جميع التبرعات لهذا المشروع معترف بها لأغراض ضريبية.
وجاء في بيان صادر باسم رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية يوسي داغان: «أطلقنا هذا الأسبوع نظام إنذار لعشرات الطائرات الحرارية بدون طيار في المستوطنات. هذا بالإضافة إلى توزيع 300 بندقية هجومية ومئات من أطقم بنادق روني، تم شراؤها بتبرعات بملايين الشواقل من أصدقاء مستوطنات شمال الضفة الغربية من الخارج من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لصالح تعزيز صفوف وحدات الطوارئ في المستوطنات شمال الضفة الغربية».
وأضاف البيان: «هذا الأسبوع، وكخطوة تكميلية، قمنا أيضًا بنشر مجموعة من الطائرات الحرارية بدون طيار لغرف الطوارئ في المستوطنات. وفي إطار المشروع، تم بالفعل نشر أكثر من 20 طائرة حرارية بدون طيار في المستوطنات، بالتنسيق الكامل مع الجيش الإسرائيلي، وسيتم في الأيام المقبلة نقل طائرات بدون طيار إضافية لتعزيز نظام الإنذار والمراقبة في المستوطنات.»
وأكمل البيان: «إن عمليات الشراء بهذا الحجم الهائل من الأسلحة ومعدات الدفاع والإنذار – أصبحت ممكنة بفضل التبرعات التي يبلغ مجموعها عدة ملايين من الشواقل الجديدة، والتي جمعناها من أصدقاء مستوطنات شمال الضفة الغربية في مانهاتن وميامي وتورنتو ولوس أنجلوس وموناكو ولندن وباريس، وبمساعدة هامة من منظمة صندوق إسرائيل واحد بقيادة راشيل فاسل ويوهاي بروبيزور، من مستوطنة إفرات وعوديد ليفشيتز وبمساعدة عضو الكنيست تسفي سوكوت».
يذكر أن وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت أن الوزير بلينكن »في اجتماعه مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، أعرب عن شديد امتنانه للرئيس وفريقه على عملهما على تهدئة الوضع لصالح الفلسطينيين والإسرائيليين وعشرات الآلاف من الأمريكيين الذين يعيشون في الضفة الغربية».
وأضافت الخارجية في بيان لها أن بلينكن أعاد التأكيد على التزام بلاده بالتعاون مع القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بشأن الجهود الرامية إلى ضمان الأمن للجميع.
غير أن الحديث عن الهدوء لا يبدو مسألة ممكنة في ظل أن جوهر ما يقوم به الاحتلال ومستوطنوه يصطدم بسلطة فلسطينية يعكس واقعها المادي والسياسي عدم مقدرتها على توفير حماية لأي من الفلسطينيين وهو ما يعزز من انفجار الأوضاع، فالجرائم التي ترتكب في قطاع غزة تشحن الأجواء في الضفة الغربية وتخلق جوا يشجع على الرد والانتقام، لكن هجمات جيش الاحتلال التي أصبحت أكثر عنفا ودموية وممارسات المستوطنين التي يجري تمكينها إسرائيليا وأمريكيا يوفران أكثر من شرارة للانفجار.