محاولات صاخبة لاحتواء الانتفاضات العربية

حجم الخط
0

نصر شمالي

في خطابه عن حال الاتحاد، الذي ألقاه بتاريخ 26/1/2011، قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما ان الاقتصاد العالمي تغير خلال جيل واحد، وأن أمريكيين كثرا يتذكرون كيف كان الوضع في الولايات المتحدة قبل الدخول في مرحلة العولمة، حيث كان يكفي العمل بكد كي يحصل الفرد على راتب ومكاسب اجتماعية كافية، لكن ذلك الوضع تغير تغيراً مؤلماً! أضاف أوباما: ‘لقد تغيرت القواعد، وتغيرت طريقة عيشنا وعملنا، وتجارتنا، بسبب الثورات التكنولوجية، وبسبب صعود قوى جديدة مثل الهند والصين’. غير أن مثل هذه الإشارات الصريحة التي أطلقها أوباما، عن تغييرات خطيرة طرأت على أوضاع العالم عموماً، وانعكست سلباً على حياة الفرد الأمريكي وعلى موقع حكومته دولياً، لم تلق أذناً صاغية من قبل تحالفات الخيانة والانتهازية والجهل، من أمثال بعض ‘الليبراليين’ العرب أتباع وولفويتز وبيرل وهاس، فتجاهلوا المغزى التاريخي العالمي والمحلي لانتفاضات شعوب الأمة العربية، وانطلقوا يصخبون في محاولة بائسة لاحتواء هذه الانتفاضات الثورية النقية، وحرفها عن مسارها، وإلحاقها بالمسار الأمريكي الصهيوني الذي عملوا في ركابه منذ عقد التسعينيات الماضي. إن بعض ‘الليبراليين’ العرب يصر على أن ثورات بلدانهم هي استمرار لما بدأته الحركات الملونة في أوروبا الشرقية ضد النظم الشيوعية الشمولية المستبدة. أي أنها ليست ضد الصهيونية الأمريكية التي كان لها دورها الكبير في تلك الحركات الأوروبية الشرقية، علماً بأن دور الصهيونية الأمريكية انكشف لاحقاً تماماً في كوارث البلقان، ثم انهار برنامجها بعد التورط في احتلال العراق، وما ترتب عليه من نكسات وخسائر فادحة، ومن تغييرات دولية نوعية طرأت على العلاقات الدولية وعلى الوضع الداخلي في الولايات المتحدة، الأمر الذي تحدث أوباما عنه صراحة في خطابه المذكور عن حال الاتحاد.

غير أن الرئيس أوباما دعا شعبه إلى عدم الاستسلام لليأس والإحباط. لقد شدد على أن الولايات المتحدة لا تزال تملك الاقتصاد الأكثر ازدهاراً في العالم، وقال ان العالم تغير حقاً (في غير صالحهم) لكن ذلك لا يجوز أن يثبط عزيمة الأمريكيين، بل يجب أن يشجعهم على دعم الاستثمارات، والابتكار، والتعلم، وبناء ما هو أفضل.. الخ. ولقد جاء ما تضمنه خطاب أوباما، عن التغييرات العميقة في موازين القوى الدولية، متفقاً مع ما تردد في اجتماعات منتدى دافوس، الذي انعقد في التاريخ نفسه. لقد توافق المشاركون في المنتدى الاقتصادي الدولي، في دافوس السويسرية، على تواصل عملية الانتقال الاقتصادية بوتيرة أسرع، من الدول الثرية في الغرب الأوروبي/ الأمريكي إلى الدول الصاعدة في الشرق الآسيوي، أي إلى المستعمرات السابقة، لكن بعض ‘الليبراليين’ العرب لم يأبه، بل أظهر احتقاره للدول الصاعدة وارتيابه في سياساتها، تماماً مثلما يفعل المستعمرون، وأصر على أن انتفاضات بلاده تستمد قوتها من قوة الدول الاستعمارية الديمقراطية (المجتمع الدولي!). إن بعض الليبراليين العرب يصر على رؤية مأساة أمته مقتصرة على المعاناة الداخلية من الأنظمة المستبدة الحاكمة، ولا يريد رؤية الاستبداد العالمي الذي رعاها، ولا رؤية التغيير النوعي الذي طرأ على البنية المادية التحتية للعالم عموماً، ولا رؤية البنية الفوقية، الحقوقية والسياسية، التي تسرع اليوم خطواتها للتلاؤم مع التغيير التحتي العالمي (الذي وقع وانتهى الأمر) حيث الأمة العربية الآن تندفع في مقدمة الأمم الساعية إلى تحقيق هذا التغيير المطلوب، الإجباري، في أوضاعها الحقوقية والسياسية، وهي الأوضاع التي لا تشكل أنظمتها المستبدة الحاكمة سوى مظهر من مظاهرها.

وكان المشاركون في دافوس قد أسهبوا في الحديث عن الوجه السلبي من المشهد الدولي الراهن، فأشاروا إلى أزمة منطقة اليورو، أي أزمة الاتحاد الأوروبي، وإلى الركود المستمر في سوق العقارات الأمريكية بكل مدلولاته الخطيرة، وإلى ارتفاع أسعار السلع في الأسواق الدولية، خاصة الغذائية، وكذلك إلى الاضطرابات الاجتماعية الخطيرة في بعض المناطق، وخصوصاً في البلاد العربية وأفريقيا عموماً، وقد جرى الحديث عن انعدام المساواة بين أثرياء العالم وفقرائه وعن خطورة ذلك، أي أن منتدى دافوس وضع الانتفاضات الثورية الشعبية العربية في سياقها العالمي الصحيح، وأعطاها تفسيرها المنطقي التاريخي، غير أن الليبراليين العرب إياهم يصرون على فصلها عن سياقها، وعلى إعطائها تفسيرات محض داخلية.

إن موقف بعض الليبراليين العرب يذكر بموقف المتطرفين الجمهوريين في الولايات المتحدة، الذين يسعون اليوم لخفض نفقات حكومتهم الفيدرالية بنسب كبيرة جداً، أي إلى خفض الضرائب عن الشركات الكبرى والأثرياء الكبار، ويريدون من الحكومة الفيدرالية، كما يبدو، أن تتدبر أمر تأمين إنفاقاتها الهائلة من خارج الحدود، أي عن طريق الابتزاز وشن الحروب والأسواق السوداء! ولعل فريق أوباما الإصلاحي يعاني أشد المعاناة من هؤلاء المتطرفين الذين يتشكلون من تجار النفط والسلاح، والذين ما زالوا يحتلون مواقع قيادية حاسمة، ويواصلون مكابرتهم، على الرغم من التغييرات الثورية، الاقتصادية والسياسية، التي طرأت على أوضاع العالم خلال الجيل الماضي كما قال أوباما.

لكن الولايات المتحدة، بإصلاحييها ومتطرفيها، تتعامل اليوم مع الوطن العربي الكبير خصوصاً، وأفريقيا عموماً، كآخر خط دفاعي عن مصالحها ومكانتها الدولية، وهو ما نلمسه أكثر في الخليج العربي وفي ليبيا، حيث الغطاء النفطي للدولار هو البديل للغطاء الذهبي المفقود منذ عقود. إن هذا يحدث في وقت يجمع فيه المختصون على أن اقتصاد الولايات المتحدة يمكن أن يتساوى مع اقتصاد المستعمرات السابقة الصاعدة خلال السنوات العشر القادمة. وهو يحدث في وقت تبدو فيه الأمة العربية، بانتفاضاتها الثورية النوعية الهائلة، المتوازية والمتتالية، وقد أوشكت على النهوض والانطلاق كمثيلاتها من الأمم الصاعدة. وبينما الحال كذلك يتعالى ضجيج وصخب تحالف الخيانة والانتهازية والجهل، وتستعر محاولاته لاحتواء هذه الانتفاضات وتجييرها لصالح المركزية الدولية المستبدة التي آن أوان زوالها.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية