بعد نفي القضاء وجود أدلة على التزوير في الانتخابات
بغداد-»القدس العربي»: مع انطلاق سباق القوات الأمنية في البحث عن منفذي محاولة الاغتيال الفاشلة لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، ومع تصاعد التوتر الأمني والسياسي في المشهد العراقي، اثيرت الكثير من التساؤلات عن أهداف العملية والجهات التي تقف وراءها، وعلاقتها بنتائج الانتخابات، وتأثيرها في نظرة العراقيين والعالم إلى الحكومة العراقية التي تعجز عن حماية مسؤوليها وشعبها من هجمات الفصائل المنفلتة التي تصر على تحدي الدولة وكسر هيبتها، ضمن أجندتها المحلية والإقليمية. وجاء اجتماع الرئاسات الثلاث مع قادة أحزاب السلطة عقب محاولة اغتيال الكاظمي، ليؤكد عمق الخلافات بينها، حيث أظهرت الفصائل والأحزاب الولائية، تمسكها بفرض أجنداتها وعدم الاستعداد لتغيير سلوكها، حيث لم تعير محاولة الاغتيال ما تستحقه من اهتمام، بل حرفت الهدف من الاجتماع نحو إدانة الإصابات في صفوف متظاهري الفصائل الخاسرة في الانتخابات الذين هاجموا المنطقة الخضراء، وعلى كيفية التعامل مع الاعتراضات على نتائج الانتخابات. وهو ما فسره المراقبون بانه محاولة تمييع مساعي الحكومة لكشف الجهات المتورطة بمحاولة الاغتيال، بما يؤكد ان الهجوم هو رسالة للكاظمي والولايات المتحدة بان الفصائل لن تسمح بإلغاء دورها في المشهد العراقي.
ورغم دعوة المجتمعين للتهدئة وخفض التوتر وإيقاف التصعيد الإعلامي من جميع الأطراف وإزالة جميع مظاهر الاستفزاز في الشارع والذهاب نحو تهدئة المخاوف لدى الناس، فإن تصعيد المواجهات بين المتظاهرين من أتباع الأحزاب الخاسرة وقوات حماية المنطقة الخضراء، متواصل في سيناريو التصعيد السياسي والأمني حتى تحقيق أهدافها. حيث عاود المتظاهرون الرافضون لنتائج الانتخابات التقدم مرارا نحو بوابات المنطقة الخضراء واستفزاز القوات الأمنية فيها.
وفي محاولة لطمس الحقائق، شككت بعض الفصائل بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء، وألمحت إلى انها مفتعلة من الحكومة. حيث أبدى زعيم ميليشيا العصائب، قيس الخزعلي، شكوكه حول الحادث، مطالبا بـ «تحقيق فني موثوق يبحث عن الأدلة في محاولة اغتيال الكاظمي، ونميل لفرضية الطرف الثالث في محاولة اغتيال الكاظمي بتنفيذ إسرائيلي وتنسيق أمريكي». ورفض الخزعلي الاتهامات التي أشارت إلى بعض الفصائل المسلحة، وضمنها فصيله، بالضلوع في حادث الاستهداف، رغم ان الخزعلي وجه تهديدات علنية إلى الكاظمي والأجهزة الأمنية بعد الاشتباكات التي وقعت بين أتباعه والقوات الأمنية لدى محاولتهم اقتحام المنطقة الخضراء.
وبلا شك فأن دوافع التصعيد الأمني تترافق مع عملية تدقيق نتائج الانتخابات، بعد إعلان المفوضية تطابق نتائج الطعون في المحطات المعترض عليها، وبعد نفي القضاء وجود أدلة على التزوير في الانتخابات، بانتظار مصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج النهائية للانتخابات. وتسعى الأحزاب الخاسرة في الانتخابات، مثل ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وكتلة الفتح التي تضم الفصائل، على التصعيد المستمر من خلال تحريك أتباعهم المعتصمين قرب المنطقة الخضراء، مع المطالبة بإعادة الانتخابات بحجة وجود تزوير فيها، فيما هدد بعضهم بمقاطعة العملية السياسية أو الذهاب إلى المعارضة، وهو أمر مستبعد جدا، لأن السلطة وامتيازاتها تبقى الهدف الأهم عندهم، إلا ان تصعيدهم المطالب يهدف للحصول على مكاسب في الحكومة الجديدة للتعويض عن تراجع عدد مقاعدهم في مجلس النواب المقبل. وفي المقابل تصر الأطراف الفائزة على رفض أي تغيير في نتائج الانتخابات.
وبانتظار مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات، فان جميع الأحزاب السياسية، شرعت في سباق إنشاء التحالفات لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، من إحدى الكتلتين المتصارعتين، التيار الصدري أو الإطار التنسيقي الشيعي، اللتان يتعمق الصراع بينهما على كنز السلطة، حيث يركز التيار الصدري، صاحب العدد الأكبر من المقاعد البرلمانية، في خطته على إقناع الكتل السياسية الفائزة (الكرد والسنة) وبعض القوى الشيعية، للتحالف وتحقيق الكتلة الأكبر في البرلمان، مع ضرورة استبعاد غريمي الصدر «حركة أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، و»ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، عن الحكومة المقبلة. إلا ان المراقبين يرون ان أحزاب السلطة ستتوصل في النهاية إلى حلول وسط للإبقاء على صيغة حكومة المحاصصة السياسية تضمن مصالحهم جميعا.
تفاصيل جديدة لعملية الاغتيال
وبموازاة معركة الصراع على نتائج الانتخابات، فإن محاولة الاغتيال الفاشلة للكاظمي، التي تعد الصفحة الأخطر في سلسلة عمليات استهداف المسؤولين في العراق منذ 2003 وتعتبر تطورا خطيرا لتجاوزات الفصائل على الدولة ورموزها، أثارت تساؤلات عن الجهة التي نفذت العملية وأهدافها.
رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أعلن في اجتماع أمني طارئ، إن من يقفون وراء محاولة اغتياله معروفون جيدا، مؤكدا «سنلاحق الذين ارتكبوا الجريمة، نعرفهم جيدا وسنكشفهم». وأضاف الكاظمي، أن «هناك من يحاول أن يعبث بأمن العراق ويريدها دولة عصابات، ونحن نريد بناء دولة». وأضاف أن «هناك من يريد أن يختطف العراق، لكننا لن نسمح بذلك، فالعراق أكبر من أي محاولات لتقزيمه، وكذلك لن يكون عرضة لمغامرات طائشة» من دون أن يحدد الجهة المقصودة بكلامه.
وفي إقرار بعلاقة محاولة الاغتيال بالانتخابات وتظاهرات الأحزاب الخاسرة، أشار الكاظمي إلى أن «نتائج الانتخابات والشكاوى والطعون ليست من اختصاص الحكومة، إنما واجبنا انصب على توفير الأمور المالية والأمنية لإجراء الانتخابات» مضيفا «أمرنا بفتح التحقيق الفوري في الأحداث التي حصلت مع المحتجين أمام المنطقة الخضراء يوم الجمعة الماضي».
وقد حضيت تفاصيل محاولة الاغتيال باهتمام المحللين والخبراء الأمنيين، الذين أكدوا ان بصمات الهجوم بالطائرات المسيرة في محاولة الاغتيال، تشير إلى الفصائل الولائية التي لديها الخبرة والقدرة على استخدام هذا السلاح، والتي سبق لها ان استخدمته في شن العشرات من الهجمات على المصالح الأمريكية والقواعد العراقية .
وفيما أفادت الأجهزة الأمنية الرسمية، ان المعلومات تشير إلى انطلاق الطائرات المسيرة الثلاث نحو المنطقة الخضراء من مسافة 12 كيلومترا شرق بغداد، أي من مدينة الصدر، التي تنتشر فيها الفصائل، وان الطائرات الثلاث هاجمت من جهة نهر دجلة لتجنب دفاعات السفارة الاأريكية القريبة من مقر الكاظمي من الجهة الأخرى، فإن تسريبات المصادر الأمنية، بينت إن التحقيقات الأولية أظهرت ان الطائرات المسيرة والمتفجرات المستخدمة في الهجوم إيرانية الصنع، وأن الأجهزة الأمنية حددت ثلاثة أشخاص على صلة بأحد الفصائل، بالوقوف وراء محاولة اغتيال الكاظمي، وان الجهود تبذل لاعتقالهم وكشف الجهات المحرضة لهم قبل فرارهم إلى دولة أخرى.
وفي أعقاب محاولة الاغتيال، شهدت بغداد انتشارا أمنيا مكثفا للقطعات العسكرية المدرعة في المنطقة الخضراء ومقترباتها. كما انتشرت قطعات عسكرية مدرعة في منطقة المنصور بالقرب من مبنى جهاز المخابرات العراقي الذي لا يزال يرأسه الكاظمي، والذي تعرض هو الآخر قبل نحو أسبوع إلى هجوم بالصواريخ سقطت قرب مبنى الجهاز. مما يعزز فرضية ان العمليتين هما استهداف مقصود لإيصال رسائل إلى الكاظمي.
استنكار دولي
ولعل الاهتمام الدولي الواسع بعملية الاغتيال الفاشلة، كان مؤشرا على القلق الدولي من خطورة الإرهاب بكل أشكاله، وخطورة تجاوزات الفصائل الولائية التي تهدد سيادة العراق ومكانة الدولة وقدراتها.
فقد أدان مجلس الأمن الدولي، محاولة الاغتيال التي تعرض لها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، مؤكدا على «ضرورة محاسبة مرتكبي الجريمة ومنظميها ومموليها ورعاتها» فيما أدان العملية أغلب قادة دول العالم، إلا ان الموقف الأمريكي، كان الأقوى دوليا، حيث ندد الرئيس الأمريكي جو بايدن، بقوة، بالحادث، وإعلن عن أوامره إلى فريق الأمن القومي الأمريكي بالمشاركة في التحقيقات، وهو ما يعني دخولا أمريكيا على خط الأزمة، فيما أكدت وزارة الخارجية الأمريكية، أن «الولايات المتحدة تحتفظ بحقها وبالتنسيق مع الحكومة العراقية بالرد على الهجوم الذي استهدف رئيس الوزراء العراقي، في الوقت والمكان اللذين تختارهما». إلا ان قائد القيادة العسكرية المركزية الأمريكية كينيث ماكينزي، كان أكثر وضوحا عندما اتهم ميليشيات إيرانية بالوقوف وراءها، مؤكدا إن القوات الأمريكية التي ما زالت في العراق ستستمر في تقديم المساعدة للقوات العراقية.
أما إيران التي وجهت لها العديد من الجهات أصابع الاتهام بوقوف فصائل موالية لها وراء تنفيذ العملية، فإنها أدانت رسميا محاولة الاغتيال، وهو موقف ينسجم مع السياسة البراغماتية الإيرانية المعروفة.
وضمن محاولة طهران إبعاد التهمة عنها، وصل إلى بغداد، قائد «فيلق القدس» الإيراني ومسؤول ملف العراق الجنرال إسماعيل قاآني، والتقى مسؤولين عراقيين منهم رئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، إضافة إلى اجتماعاته مع قادة الأحزاب والفصائل الموالية لبحث تطورات التعامل مع نتائج الانتخابات.
ومع الإدانة الشكلية لمحاولة الاغتيال، فإن قاآني طالب السلطات العراقية بتلبية مطالب الشعب والمعترضين على الانتخابات بشكل قانوني، في إشارة إلى دعم بلاده، اعتراض الفصائل الموالية على نتائج الانتخابات. أما السفير الإيراني لدى العراق إيرج مسجدي، فقد أعلن ان قائد فيلق القدس أكد خلال زيارته إلى بغداد، «ضرورة التعاون واحترام نتائج الانتخابات النهائية، مع ضرورة أن تتم الاعتراضات والطعون على نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في إطار القانون!» إلا ان العديد من المراقبين يرون ان هدف زيارة قاآني هو الضغط على الكاظمي لعدم اتخاذ حكومته، رد فعل انتقامي من الفصائل التي نفذت العملية، والتركيز على ملاحقة بعض عناصر الميليشيات القائمة بالعمل والتعامل معها كحالة فردية.
وفي الوقت الذي عززت محاولة الاغتيال الفاشلة للكاظمي، قناعة العراقيين بانها من نتائج تساهل الدولة في لجم الفصائل المنفلتة وعجزها عن الحد من تجاوزاتها المتكررة وتحديها للدولة، فقد بات واضحا ان محاولة الاغتيال ومهاجمة أتباع الفصائل للمنطقة الخضراء ورفض نتائج الانتخابات، هي صفحات في سيناريو الأحزاب والفصائل الولائية للضغط على القوى السياسية، وإيصال رسالة تحذير لها بعدم محاولة تغيير قواعد اللعبة السائدة حاليا في العراق، والإبقاء على دور الفصائل وعدم السماح بإنهاءها، وإحباط أي محاولة من البرلمان المقبل، لحل الحشد الشعبي أو ضمه إلى القوات الأمنية الحكومية، من دون استبعاد، ان التصعيد الأمني والسياسي وتأزيم الأوضاع في العراق، لا يبدو بعيدا عن متطلبات السيناريو الإيراني في المفاوضات النووية الإيرانية الأوروبية القريبة.