ظهرت معارك السكاكين التي تهيج في الشوارع والنوادي في المدة الأخيرة في العناوين بواسطة الصرخة التي تمس شغاف القلب من اجل وقف هذا القتل الذي لا داعي اليه. بلغت الصرخة باب رئيس الدولة، شمعون بيرس، بواسطة الأمهات الاربع. هذا الاسم الرمزي، الذي يراسل صرخة أمهات الجنود اللواتي طلبن الخروج من لبنان، ينشئ شبه موازاة بين الضحايا. بين ضحايا معارك اسرائيل وضحايا معارك السكاكين.
الأم الثكلي هي أم ثكلي، ولا يجوز البتة أن تُناقش في ألمها العميق، لكن يجب التفريق بين المأساة الشخصية والمأساة الاجتماعية. بين ضحايا الجيش الاسرائيلي وضحايا حوادث الطرق وضحايا السكاكين. إن ملك الموت الذي يقبض أرواح هذه الجماعات يقبض أرواح ضحاياه بطرق مختلفة. ضحايا الجيش الاسرائيلي هم أفاضل أبنائنا، الذين تطوعوا وأرسلتهم دولتهم في مهمات ترمي الي الدفاع عن أمننا. وضحايا حوادث الطرق ضحايا عارضين للتعجل والاهمال. وضحايا السكاكين هم في الأكثر شبان عنيفون يسارعون الي الشجار، بحيث تكون السكين وقبضة اليد والحجر هي طرق مقبولة لتسوية الخلافات بينهم. هكذا كان مثلا كفير دبورة، الذي طعنه آفي أليميلخ وأرداه قتيلا. وصف القاضي جورج قرا، الذي أرسل الطاعن ليقضي 14 سنة في السجن هذا الاسبوع، نصيب الراحل من القصة: كان المرحوم وإيرز ثملين وأصرا علي اجراء مواجهة، يردان في اثنائها كرامتهما.. لم تنجح ايضا محاولات احدي الحاضرات في الحلبة، وهي شابة تسمي رعوت، في دفع المرحوم الي ترك المكان والامتناع عن المواجهة، أخذ المرحوم لبنة، رماها الي الارض، وأخذ قطعة منها رمي بها المتهم وأخاه. أصابت تلك القطعة من اللبنة ام المتهم، التي وقفت قرب المكان بعد أن هبطت من شقتها السكنية قاصدة تهدئة النفوس. أُصيبت ام المتهم في رأسها، وأُصيب المتهم ايضا في ظهره.
لا يوجد بالطبع في هذا السلوك المستحث ما يُسوغ الطعن القاتل، لكن يوجد فيه ما يميز ويصف ضحايا السكاكين. لا جميعهم بالطبع، لكن لا ريب في أن الوصف، علي الجملة صائب. وعلي حسب قول القاضي مشآل حيشن في قرار من سنة 2004: يحمل الشبان معهم سكاكين علي اختلافها، وكأن الحديث عن شيء من اللباس ضروري كمنديل، أو كشيء آخر يحمله الانسان في جيبه، مثل مفتاح أو جهاز هاتف محمول. والسكين الذي يُحمل علي الجسم في المعركة الاولي سينتهي به الأمر الي أن يُستل ويُغرَز في جسم الآخر في المعركة الثانية. سألنا المحامي كوهين ما الداعي الي حمل المستأنف السكين علي جسمه عندما جاء الي النادي، وكانت اجابته علي ذلك أن الامر تم للدفاع عن النفس. وسُئل ليدفع عن نفسه ماذا، وكان الجواب بالطبع، أن يدفع عن نفسه شبانا مثل المستأنف يحملون هم ايضا علي أجسامهم سكاكين للدفاع عن النفس.
وفي المحاكم تُجري المقابلات مع عائلات الضحايا، التي تطلب الحكم بالاعدام علي القاتل. بل ان العائلة في حالات كثيرة تُمجد ذكري ابنها الراحل بشجار كبير مع عائلة الطاعن في قاعة المحكمة. وذلك بدل أن يجتمعوا علي حِدادهم بعيدا عن ضوء الكشافات، وان يضيفوا الي محاسبة النفس ايضا هذا السؤال غير اللطيف: كيف أسهمت تربيتنا في موت ابننا قبل وقته.
لا ريب ان الحديث عن ظاهرة تغلو حتي تصبح وباء دولة. الوباء شديد حقا، لكن أصعب منه السبب الذي يخلقه وهو الانزلاق السريع في المنحدر الحاد للعنف الشديد، ولثقافة السُكر والسكين، واليد القاتلة الخفيفة جدا.
وعندما أنظر الي امهات ضحايا معارك السكاكين، اشعر بألمهن، لكنني أشعر أكثر من ذلك بالخطر الذي يترصدنا جميعا هنا.
موشيه غوراليكاتب في الصحيفة(معاريف) 22/8/2007