أنطاكيا – «القدس العربي»: بعد معارك شرسة في ريفي إدلب وحماة، أعطيت »مهلة» إضافية لتركيا من الروس، لحل «معضلة» هيئة تحرير الشام، والمجموعات الجهادية في إدلب، وتطبيق اتفاق «سوتشي». ربما هي آخر قضية عالقة بين الروس والأتراك، وهما يريدان إنهاء الصراع، وإن كانت اليد العليا لموسكو، وأكبر الضحايا هم الثوار الرافضون لاتفاق سوتشي وعملية «أستانة».
كان من المفترض أن يؤدي الاتفاق الذي توصل إليه اردوغان وبوتين العام الماضي إلى احتواء الوضع في المحافظة التي تديرها «هيئة تحرير الشام»، لكن تعقيدات الواقع والقتال المكثف وإصرار الثوارالرافضين، مواصلة الدفاع عن إدلب والقتال إلى المربع الأخير أجهض الاتفاق.
وقد اتفق بوتين واردوغان في اللقاء الأخير بينهما على «خطوات مشتركة إضافية» لتطبيع الوضع في إدلب، كما صرح الرئيس الروسي، و»تطبيع» الوضع، هي الكلمة اللغز لفهم ما يجري حالياً، وما هو آتٍ، وتعني وفقاً لمراقبين، إنهاء سيطرة «الجهاديين» على إدلب وإخضاع المنطقة لقوات النظام وتأمين الحدود التركية بحزام أمني للفصائل التابعة لها، ومحاولة «تسوية» وضعية الثوار الرافضين للإذعان، لتتحول القضية من تحرير وطن إلى مسألة إجرائية مرتبطة بمقاتلين يُبحث لهم عن حل. فهذا «التطبيع» للوضع يؤمن لتركيا حدودها ويبعد عنها «الصداع» الكردي ويمنع تدفق النازحين ويُسهَل عودة اللاجئين، ويُخضع إدلب لسيطرة نظام الأسد.
لكن حتى الآن، فان «تحرير الشام» تقاوم تحقيق هذا السيناريو على أرض الواقع، فإدلب رافضة للاستسلام، وخاصة «هيئة تحرير الشام»، والمجموعات الجهادية القريبة منها، والمواجهات المباشرة مكلفة ومستنزفة والخسائر لا يمكن تحملها في صفوف المدنيين، ولا غض الطرف عنها. وفي هذا، رأى نيكولاس هيراس، الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد، ومقره واشنطن، في تصريحاته لموقع «عرب ويكلي»، أن إحدى نتائج زيارة أوردوغان الأخيرة إلى موسكو هو اعتراف روسيا بمصالح تركيا في إدلب… وظل بوتين واردوغان «يتعاركان» حول قضية إدلب منذ أكثر من عام ولن يتغيرهذا الواقع».
قد لا يتغير هذا الواقع قريباً، لكن يُراد تفكيكه من الداخل، بتأليب الحاضنة الشعبية والسكان ضد «هيئة تحرير الشام» كما تبين في المظاهرات الأخيرة ضد الهيئة في إدلب، ضمن محاولات دفعها لأن ترضخ لخيار الحل والاندماج، وهو ما ترفضه قيادتها، حتى الآن، وإن كان تعاملها مع اتفاق سوتشي اتسم بالمرونة بعيداً عن الضجيج والصخب، وتفاهماتها مع الأتراك سهلت تمركز نقاط المراقبة التركية وجنبتهما الاقتتال الداخلي، وأنقرة عملت على احتواء الهيئة واستيعابها، مما باعد المسافة بينها وبين المجموعات الجهادية المستقلة أو المنشقة عنها.
وتشير تقديرات المحللين إلى أن الروس لن يسكتوا عن»هيئة تحرير الشام» والمجموعات الجهادية القريبة منها، وستظل هذه القضية سيفاً مسلطاً على رقبة الأتراك، لأنهم تعهدوا في «أستانة» و»سوتشي» بحل هذا الملف وتُرك الأمر لها، أما المجموعات الجهادية التي حافظت على ولائها وارتباطها بالقاعدة، صراحة أو ضمنياً، فيبدو انها باتت من اختصاص أمريكا وتحالفها، بمطاردة الرؤوس والقيادات بالقصف الجوي، كما حدث في العملية الأخيرة التي استهدفت مقر مجموعة «أنصار التوحيد» الجهادية المقربة من تنظيم «القاعدة» في إدلب، ولا تحتاج في هذا، لا إلى تصريح ولا إلى تنسيق مسبق، فملف تصفية القيادات الجهادية، ظل بيد الأمريكيين منذ هجمات أيلول/سبتمبر 2001.
لكن في ملف «الهيئة» في إدلب، فإن كل الحديث عن الشروط والمطالب «الواجب تطبيقها» من الهيئة، ليست أكثر من ضغوط تركية للتخلص من هذه «المعضلة» التي تتصدر كل الاجتماعات التركية – الروسية حول إدلب، وإن لم تؤثر في العلاقة بينهما، ذلك لأن الارتباط التركي بالروس في سوريا يتجاوز إدلب وما بعدها، ثم إن روسيا هي الطرف الأقوى تأثيراً، حالياً، في تصعيد الحرب واتجاهات الأحداث في سوريا، وهي اللاعب الخارجي الرئيسي الوحيد الذي يمكنه تعزيز انخراطه وتورطه ودعمه لمسار الحرب، ولكن إيجاد تسوية لهذا الملف يحدد مصير إدلب، وفي هذا يرى محلل شؤون التركية والسورية، آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية في واشنطن، في حسابه على تويتر، أن «نظام دمشق سيعود إلى مناطق الحدود مع تركيا بعد فترة، ولذا تفكر واشنطن في ترتيب يسمح للولايات المتحدة بالمغادرة ويترك الروس يتحملون أعباء ما بعد السيطرة».
ولا يعني هذا، حسب محللين، أن الطريق لإخضاع إدلب مُمهد، إذ يرجح كثيرون أن صمود المعقل الأخير للثوار، سيعطل خطط السيطرة عليها ويخلط أوراق الأطراف المؤثرة في الصراع. لذا فإن تركيا تعمل على تمرير اتفاق سوتشي دفعاً لمزيد من المعارك وتدفق النازحين وكسباً للوقت وتخفيفاً للضغط الروسي.