تعددت الروايات حول كيفية وأسباب مقتل 47 من قادة الصف الأول والثاني من حركة «أحرار الشام» التي جرت يوم الثلاثاء الماضي في بلدة رام حمدان بريف محافظة إدلب السورية.
«أحرار الشام» هي الحركة الأكبر ضمن فصائل المعارضة وأكثرها انتشاراً في كافة محافظات سوريا، عكس فصائل أخرى مثل «لواء التوحيد» المنتشر في حلب، و»جيش الإسلام» المتمركز في ريف دمشق، ولا ينافسها في الانتشار العام سوى «جبهة النصرة»، لكن الأخيرة تملك خلايا ولا تملك قوى وجيوشاً كما «الأحرار».
اتجاه الحركة العامّ سلفيّ، ويميّزها أن الكثير من قادتها شاركوا في القتال في العراق بعد الاحتلال الأمريكي له عام 2003، في لقاء موضوعيّ وقتها مع أجندة النظام السوري لإيقاف شره إدارة جورج بوش لتغيير المنطقة، ثم، حين آن قطافهم، اعتقلهم النظام وجمعهم في سجن صيدنايا، وبعد ذلك أطلق سراحهم مع انطلاق شرارة الثورة السورية، ولا يخفى من ذلك قصده وهو إعطاء الثورة السورية طابعاً سلفياً إسلامياً بدل طابعها المدنيّ العام العابر للطوائف، وما لبث الخارجون من السجن أن انضموا، متأخرين بعض الشيء، الى ركب القتال ضد النظام، فالحركة عموماً كانت سلفيّة ولم تكن جهادية، برغم لحظة القتال الطارئة في العراق.
كانت فترة سجن قادة «أحرار الشام» لحظة مؤسسة في وعيهم، ولذلك سمّوها في أدبياتهم وأقوالهم «جامعة سيّدنا يوسف»، في إشارة الى الظلم الذي حاق بالنبي يوسف وسُجن بسببه، وصار الانتماء الى تلك اللحظة، لاحقاً، مقياس اختيار الأشخاص لقيادة الألوية والكتائب المنضوية تحت راية «الأحرار».
إضافة الى عداوتها المعلنة للنظام ما لبث انتماء الحركة الى خطّ سلفيّ أن جعلها منافساً لتنظيم «الدولة الإسلامية»، ولكنّ تجربة السجن التي جمعت قادتها بتيّارات سياسية مختلفة أثّرت في هؤلاء فرغم إسلاميتها أيديولوجيا فقد كانت، في بعض تصريحات قائدها القتيل، تطرح طروحات سياسية معتدلة، وكان الاتجاه العامّ للحركة متعقّلا وحكيماً ومدروس الحركات.
وكما تعدّدت الفرضيات حول الكيفية التي قتل فيها قادة الجماعة، والطريقة التي تم اختراق المكان الحصين وعدد القوات الكبير الذي يحرس المكان، فكذلك تعددت فرضيات عن الطرف المنفّذ، الذي لم يعلن عن نفسه حتى الآن.
وجّهت بعض القوى الإتهام الى النظام السوري، وهو خصم شديد للحركة، كما وجّهت اتهامات أخرى الى تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهو خصم لا يقل ضراوة عن النظام، لكن حجم العملية والطريقة التي نفّذت فيها لا يمكن إحالتها ببساطة ومن دون تدقيق الى الطرفين، رغم الاحتفالات التي حصلت في مناطق مؤيدي النظام السوري وكذلك أنصار «حزب الله» اللبناني، والتهاني التي تبادلها الموالون لـ «الدولة الإسلامية» في وسائل التواصل الاجتماعي.
المختصون بالساحة السورية وجّهوا أيضاً أصابع الإتهام الى «لواء داود» وهو لواء كان يرتبط بروابط سياسية وتنظيمية مع «الجبهة الإسلامية» التي تنتمي إليها حركة «أحرار الشام» ولكنه انشق عنها وانضم الى تنظيم «الدولة الإسلامية»، وأميره (المكنّى، على إسم بلدته، السرميني) يحمل اسم قائد «الأحرار» القتيل نفسه: حسان عبود (المكنّى أبو عبد الله الحموي)، لكنهم اعتبروا أن حجم العملية الكبير أكبر من قدرة «لواء داود»، ومن «الدولة الإسلامية»، معتبرين العملية إنجازاً استخباراتياً لإحدى الدول الكثيرة التي تخترق تنظيم «داعش» وتستخدمه في عملياتها، خصوصاً حين يفترض تنظيم «الدولة الإسلامية» أن العملية المنفذة لصالحه.
كما أن البعض يوسع بيكار العمل الاستخباراتي رابطاً بين المحاكمة التي أعلن عنها في دولة الإمارات العربية المتحدة قبل يوم واحد من الإنفجار، واتهم فيها القضاء الإماراتي عناصر من «جبهة النصرة» و»أحرار الشام» بالإسم، معتبراً الأخيرة تنظيماً إرهابياً، والعملية التي جرت في ريف إدلب وأودت بـ 47 قائداً عسكريا وسياسياً من الحركة.
أما الرأي الأخير، الذي يسخر من كل هذه التحليلات، فيعزو الأمر كله الى القضاء والقدر، وسوء الحسابات الأمنية، لأن مكان الاجتماع جرى في مكان قريب من مستودعات للذخيرة، وحين حصل انفجار كبير فيها قُتل المجتمعون تحت الأرض بسبب إساءة التقدير أولا، ولانعدام المنافذ وأسباب النجاة، ثانياً.
ولكن السؤال الذي لا تجيب عليه فرضية المصادفة: هو لماذا تواقت الإنفجار مع موعد الاجتماع؟
رأي القدس