محاولة لفهم عبد الباري عطوان وموقفه من ثوار ليبيا

حجم الخط
0

ابراهيم محمد الهنقاري تعود معرفتي الشخصية بالاستاذ عبد الباري عطوان الى ما يزيد عن عشر سنوات وكنت قبل ذلك اتابع كتاباته في صحيفة ‘القدس العربي’ ومشاركاته في بعض البرامج السياسية والإخبارية لبعض القنوات الفضائية العربية والاجنبية. وكنت واحدا من الذين يحبون ان يقرأوا له ويشاهدوا مداخلاته كما كنت واحدا من الذين كثيرا ما اتفقت آراؤهم معه في معظم القضايا العربية والدولية التي كان يكتب عنها او يناقشها عبر تلك الفضائيات.. وقليلا ما اختلفت معه.. فهو محاور عنيد لا يتخلى بسهولة عن رأيه وموقفه مهما حاول الطرف الذي يحاوره ان يثبت له خطأ رأيه اعني رأي الاستاذ عبد الباري وكنت ولا ازال احمل قدرا كبيرا من الود والتقدير والاحترام لهذا الصحفي العربي العصامي الذي استطاع ان يؤسس ويبني من لا شيء واعني لا شيء بكل ما تعنيه هذه الكلمة، صرحا صحفيا عملاقا اصبح اليوم واحدا من المؤسسات الصحفية الرئيسية في العالم التي يحسب لها حساب في كل ما تقوله ولا سيما ماتعلق منه بالعالم العربي ومستقبل الامة العربية. واعترف منذ البداية ان مهمة فهم شخصية مثل شخصية عبد الباري عطوان ليست بالمهمة السهلة فإلى جانب خيوط الصداقة والزمالة والفهم المشترك للكثير من الامور وكلها خيوط متينة وقوية وليست كخيوط العنكبوت قد تشد قلمي احيانا وتمنعه من ان يضع على الورق كل ما قد يرغب عقلي الظاهر او الباطن ان يقوله فليعذرني القاريء في ذلك وليكن صدر الاخ عبد الباري متقبلا لما ساقوله من وراء ذلك.

سوف أتناول في هذه المحاولة موضوعا واحدا اثار كثيرا من الجدل وكثيرا من سوء الفهم وكثيرا من قلب الحقائق.. هذا الموضوع هو الموقف الذي تبناه عبد الباري عطوان وتبنته ‘القدس العربي’ من الثورة الليبية.. ثورة السابع عشر من شباط/فبراير. عندما اندلعت اولى ثورات ما سمي بالربيع العربي في تونس وانتهت بهروب الرئيس بن علي الى السعودية وانتصار الثورة في تونس ثم قامت ثانية هذه الثورات في مصر بعد ذلك وانتهت بتخلي الرئيس مبارك عن السلطة وهروبه الى شرم الشيخ وانتصار الثورة في مصر. كانت ‘القدس العربي’ وكان عبد الباري عطوان في مقدمة الذين وقفوا منذ اليوم الاول ومنذ ان كانت الثورتان في حالة المخاض ان صح التعبير الى جانب الشعبين التونسي والمصري والى جانب الثورتين دون أدنى تحفظ ولم يكن ذلك الموقف القومي الحازم والواضح الا الموقف الذي كان يتوقعه كل مواطن عربي شريف من صحيفة ذات توجهات قومية مثل ‘القدس العربي’ ومن صحفي مناضل معروف بمواقفه القومية والمناصرة لتطلعات الامة العربية مثل الاستاذ عبد الباري عطوان. فما الذي جعل موقف الرجل وصحيفته مختلفا بالنسبة للثورة العربية الثالثة وهي الثورة الليبية؟

ان الإنصاف يقتضي الاشارة الى ان الرجل وصحيفته قد أعطيا الثورة والثوار في ليبيا نفس الحماس ونفس التأييد ونفس الدعم الذي اعطياه للثورتين التونسية والمصرية ولكن التغيير في المواقف لم يبدأ في الظهور الا بعد صدور قراري مجلس الأمن رقم 1970 و1973. الاستاذ عبد الباري عطوان له موقف معروف ومسجل بالصوت والحرف والصورة من تدخل قوات حلف شمال الاطلنطي المعروف باسم الناتو او أية قوات أجنبية اخرى في الشؤون العربية سواء كان هذا التدخل سياسيا او عسكريا ومن هنا جاءت معارضته للغارات الجوية التي يقوم بها الناتو في ليبيا تنفيذا لقرار مجلس الأمن الخاص بحماية المدنيين وهــــو ما اعتبرالثوار الليبيون ومن والاهم انه بمثابة انحياز من طرف عبد الباري عطوان وصحيفته الى الطرف الذي قامت الثورة لتخليــــص ليبيا منه ومن ابنائه ونظامه الذي جثم على صدور الليبيين لأربعة عقود واصبح التخلص منه الان مسالة حياة او موت وهي المسالة التي يشاهدها العالم بالصوت والصورة كل يوم منذ 17 شباط/فبراير وحتى اليوم حتى وصل عدد الشهداء والمعتقلين والمغيبين رقما مهولا يقرب من مائة الف مواطن ليبي شبابا وشيوخا ورجالا ونساء. وكان اخر ما كان يتوقعه الليبيون ان يكون لعبدالباري عطوان موقف وسط بين الحق والباطل من هنا كانت ردود الفعل التي تجاوز بعضها حدود اللياقة مما اضطر الاستاذ عبالباري عطوان ان يرد عليها من خلال احدى افتتاحيات ‘القدس العربي’ وهي الافتتاحية التي نعت فيها الثوارالليبيين بانهم ثوار الناتوو هو بالضبط الوصف الذي يطلقه النظام الليبي على هؤلاء الثوار بالاضافة الى الصفات الاخرى المعروفة مثل الجرذان ومتعاطي المخدرات فكبر على ثوار ليبيا ان يروا او ان يقرأوا ان مناضلا مثل الاستاذ عبدالباري عطوان يردد ما تقوله عنهم أبواق النظام الليبي وزبانيته. ان هدف هذا الحديث هو محاولة فهم عبدالباري عطوان وليس الدفاع عنه كما هو محاولة إعطاء القارئ الصورة الحقيقية لما جرى ويجري في ليبيا منذ السابع عشر من شباط/فبراير وحتى الان.

وهناك حقيقتان اريد الاشارة إليهما قبل الدخول في الموضوع كما يقولون الحقيقة الاولى هي ان رأي في حلف الناتو واهدافه السرية والمعلنة لا يختلف في شيئ عن موقف عبد الباري عطوان بل ازيد عليه ما كنت أردده امام بعض أصدقائي حينما يتطرق الحديث الى هذا الحلف وما يقوم به في مختلف أنحاء العالم من ان هذا الحلف لا يعدو ان يكون ‘نكتة مسلحة’ فقد تأسس هذا الحلف ليدافع عن العالم الحر في مواجهة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي الذي يضم قوة كبرى اخرى هي الصين فإذا هو يفشل وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مواجهة مجموعات صغيرة من طالبان في افغانستان وهو لا يزال يقاتلهم ومنذ اكثر من عشر سنوات دون ان يحقق اي انتصار يذكر بل ان قوات طالبان هي التي تسيطر على معظم التراب الافغاني مما يعني ان اعظم حلف عسكري في العالم فشل في تحقيق اهدافه في افغانستان في حرب استمرت لاكثر من عشر سنوات فكم من السنوات سيحتاجها هذا الحلف لتحقيق اهدافه في ليبيا.. خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار الفرق الهائل في القوة التدميرية وانواع الاسلحة التي يملكها النظام الليبي بالمقارنة الى تلك التي يملكها الطالبان في افغانستان؟ الحقيقة الثانية هي انه لا احد في العالم يعرف مأساة ليبيا كما يعرفها الليبيون وقد وقعت الصحافة العالمية والفضائيات بجميع أنواعها ولغاتها والمحللون السياسيون على اختلاف توجهاتهم في خطا كارثي فادح يتمثل في تصورهم ان ليبيا القذافي كانت دولة مثل غيرها من الدول الاخرى وان ما يحدث فيها يمكن ان يتم تحليله ومناقشته كما تتم مناقشة ما يحدث في دول العالم الاخرى وتحليله لقد انتهت الدولة الليبية بذلك المفهوم وماتت عند الساعة السابعة من صباح يوم الاثنين 1أيلول/ سبتمبر 1969 وهي ساعة إذاعة البيان الاول للانقلاب العسكري ثم جرى دفنها في قبر مجهول منذ تلك الساعة وبدا الليبيون في البحث عنها يوم 17 شباط/فبراير 2011 وذلك بعد ما يقرب من اثنين واربعين عاما ولا يزال البحث مستمرا.

لم تكن هناك أية مؤسسات في ليبيالا دستور ولا قانون ولا حكومة ولا برلمان ولا انتخابات ولا صحافة ولا صحة ولا تعليم ولا قضاء ولا سياسة خارجية ولا بنية تحتية ولا فوقية.. ولا جيش.. ولا اجهزة حكم محلي.. لا شيئ على الاطلاق لم يكن فيها الا شيء واحد هو الأمن وحتى هذا الأمن لم يكن امن الوطن او امن المواطنين بل امن الحاكم وابنائه وقد اتخذوا له اسماء عديدة وكونوا له اجهزة ومواقع وشيدوا له سجونا وأقبية تحت الارض وجاؤوا بخبراء التعذيب من خيرة الدول المتخصصة في قهر الشعوب واذلالها من شرق اوربا ومن امريكا اللاتينية وجندوا ما شاء لهم ان يجندوا من المرتزقة ومحترفي الاجرام والحقوهم بهذا الجهاز الرهيب وذلك للقيام بمهمة واحدة هي تكميم افواه الليبيين وقهرهم واذلالهم والتنكيل بهم وسلب ارادتهم يستوي في ذلك كبيرهم وصغيرهم الجاهل منهم والمثقف والصحيح والسقيم الرجال والنساء الصغار والكبار ولكم ان تتصوروا (دولة) تعلق في اكبر ميادين عاصمتها لافتة ضخمة تعلن لكل من يعرف القراءة والكتابة المبادئ الخمسة التي تقوم عليها (الدولة) واهمها: تعطيل جميع القوانين. هذه هي ليبيا التى ثار عليها الليبيون يوم 17 شباط/فبراير ليبيا التي لا يصدق عاقل في الدنيا ان تكون بهذه الصورة البشعة التي ذكرناها ولكنها كانت ليبيا التي يعرفها الليبيون جيدا ليبيا التي كنت استغرب احيانا كيف تشرق عليها الشمس وهي على تلك الحالة ليبياالدموية المتوحشة التي اعلنت الحرب على شعبها لانه خرج في مسيرات سلمية يطالب بالحرية والكرامة وانهاء هذا الوضع الشاذ الذي لا مثيل له في التاريخ. ليبيا التي ترسل كتائبها الأمنية لتدك مدنها وقراها بالطائرات والدبابات وراجمات الصواريخ بطريقة عشوائية وتدمر البيوت على من فيها وتدمر المساجد والمستشفيات وتقتل الرجال والنساء والاطفال وتقطع الكهرباء ومياه الشرب وتحرق المزارع وتقتل حتى الحيوانات وليشاهد العالم كل ذلك بالصوت والصورة على نحو تقشعر له الأبدان وتشمئزمن هوله النفوس وهي مشاهد لم ير العالم لها مثيلا ما دفع المؤسسات الدولية مثل الجامعة العربية ومجلس الأمن للتدخل لانقاذالشعب الليبي من إبادة محققة كان سيتعرض لها على يد النظام الذي يفترض انه يحكم ليبيا باسمه ولكم ان تتخيلوا ماكان سيحدث في بنغازي وغيرها من المدن الليبية لو لم يتدخل مجلس الأمن ويفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا لمنع طيران النظام من قصفها بالقنابل الحارقة وقنابل النابالم كما لكم ان تتصوروا ما كان يمكن ان يحدث لو لم يصدر القرار رقم1973 والخاص بحماية المدنيين الليبيين بجميع الوسائل الممكنة. الحقيقة الاولى هي التي جعلت عبدالباري عطوان يتخوف على ليبيا من النتائج التي يمكن ان تترتب عن تدخل قوات الناتو في ليبيا والحقيقة الثــــانية هي التي كان عبد البــــاري عطــــوان وغيره لا يعرفها او لنقل لا يتخيلها شانه في ذلك شان كل ذي عقل سليم لا يخطر بباله ان هناك نظــام حكم في العـــالم يمكن ان يقوم بما قام ويقوم به النظام الليبي الذي ثار عليه الليبــــيون في السابع عشر من شباط/فبـــراير 2011 وكل محاولة لفهم الواقع الليبي خارج هذا الإطار لابد ان يكون بعيـــدا عن الصواب مهما كانت النوايا حسنة ونعني بالواقع الليبي كلا من نظام الحكم الذي قامت الثورة للقضاء عليه والثورة نفسها التي كانت دون شك تتوقع ردود الفعل الدموية للنظام ولكن بالتأكيد ليس الى هذا الحد.

كان على الذين يتصدون للتعليق على ما حدث ويحدث في ليبيا ان يضعوا في اعتبارهم ان ما يجري في ليبيا ليس حربا أهلية كما تصور البعض خطا ولا هو تمرد عسكري بين جزء من القوات المسلحة الليبية وجزء اخر كما يعتقد البعض أيضاً ان ما يجري في ليبيا هو حرب إبادة يشنها حاكم مجنون بواسطة مرتزقة محليون وأجانب تم تدريبهم وأعدادهم للقيام بهذه المهمة القذرة منذ سنوات طويلة وتم أمدادهم بأحدث الاسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة وأمروا بهتك الأعراض واقتحام البيوت الآمنة واغتصاب النساء والفتيات القصر والقيام بكل ما كتبه إبليس في كتابه من المنكرات. ان ما يجري في ليبيا هو ثورة شعبية بكل معناها ضد ابشع نظام حكم عرفته البشرية ثورة ربما كانت هي الاولى من نوعها حيث لم يعرف التاريخ حاكما يدمر بلاده ويقتل شعبه من اجل ان يبقى في الحكم هو وابناؤه الا في ليبيا وكان لابد ان تكون مواجهة هذا الجنون سواء من قبل المجتمع الدولي او من قبل الثوار حازما وحاسما لان حياة شعب كامل اصبحت مهددة وتم التدخل الدولي في ليبيا على هذا الأساس. فمن هو الذي يتحمل مسؤولية هذا التدخل؟ هل هم الثوار ام النظام المجنون الذي ارتكب هذه المجزرة؟. لا شك ان المسؤولية كلها انما تقع على عاتق هذا النظام الشاذ.

لقد اعلن ثوار 17 فبراير منذ اليوم الاول انهم يعارضون التدخل الاجنبي في الشأن الليبي ويعارضون وجودأية قوات أجنبية على التراب الليبي وكذلك صرح جميع الليبيين المعنيين بالشأن الليبي في داخل ليبيا وخارجها بانهم يعارضون مثل هذا التدخل وهذا التواجد بأية صورة كانت وذلك خارج الإطار الذي حددته قرارات مجلس الأمن وهنا استطيع ان اقول انه كان من حق الاستاذ عبد الباري عطوان ان يخاف على الثورة الليبية من مخاطر التدخل الاجنبي وان ينبه الثوار وقادتهم الى الإخطار التي تواجه ثورة السابع عشر من فبراير اذا كان حلف الناتو يملك أجندة خفية من وراء مبادرته لتنفيذ قرار مجلس الأمن بعد ان تخلت الولايات المتحدة عن قيادتها لهذه العمليات غير انه لم يكن من اللائق ان يصف الثوار بانهم ثوار الناتو لقد فوجيء حلف الناتو كما فوجيء العالم وفوجيء النظام الليبي نفسه بقيام الثورة في ليبيا واكاد اجزم ان الكثيرين من الشباب الذين فجروا هذه الثورة لا يعرفون حلف الناتو.. وربما لم يسمعوا باسمه فكيف ينسبون اليه؟ ان في ذلك إهانة لهم وللشعب الليبي ولدماء وارواح الشهداء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل حرية ليبيا وكرامتها.

ثم ان الناتو لم يبدأ عملياته في ليبيا الا بعد عدة اسابيع من قيام الثورة وبعد ان اصبح التدخل العسكري لحماية المدنيين الليبيين الذين يتعرضون للإبادة واجبا إنسانيا حتى اذا لم يصدر قرار من مجلس الأمن المنوط به حماية السلام والأمن الدوليين بموجب ميثاق الامم المتحدة ولا شك ان اول من يستحق الحماية هو ذلك الشعب الذي يتعرض للإبادة في اي مكان في العالم وليس لحماية السلام والأمن الدوليين الا معنى واحد هو حماية سلام الناس وامنهم.

و لعل ما يشفع للاستاذ عبدالباري عطوان انه كغيره من عقلاء العالم لم يكن يتصور ان يحدث في ليبيا كل ما اشرنا اليه او انه كان من الذين يعتقدون ان ليبيا كانت دولة يتوفر فيها الحد الأدنى من النظام والقانون.

ولعل ما يشفع لثوار ليبيا انهم صدموا مما اعتبروه خروجا عن الخط القومي لصحيفة ‘القدس العربي’ .. وهي المنبر الذي كانوا يعقدون الآمال ليكون صوتهم المعـــبر والقوي الذي يدافع عنهم وعن ثورتهم كما كان الحال بالنسبة للثورتين التونسية وال مصرية.

وختاما ارجوا ان يعود الود والصفاء بين ثوار ليبيا والاستاذ عبد الباري عطوان وان تعود ‘القدس العربي’ سيرتها الاولى في دعم الثورة والثوار وان يكون سوء الفهم هذا مجرد سحابة صيف لا تلبث ان تذروها الرياح في مكان سحيق. ‘اما الزبد فيذهب جفاء.. واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض’صدق الله العظيم.’ كاتب ليبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية