محاولة للدرس والتقييم
المرحلة الانتقالية في موريتانيا: محمد فاضل ولد الإماممحاولة للدرس والتقييم شهد العالم منذ نهاية الحرب الباردة تحولات سيوسياسية عميقة كانت تصب في اتجاه تدعيم الخيار الديمقراطي وإقرار التعددية وحكم القانون، ورغم جدية المؤشرات وعمق التحولات السياسية التي اجتاحت الكرة الأرضية وأصبحت عدوي تلاحق الأنظمة التسلطية، فإن المنطقة العربية ما فتئت تبدي مناعة قوية في وجه الاصلاح مما حدا بالعديد من المهتمين إلي الحديث عن الاستثناء العربي.وعلي الرغم مما حظيت به الديمقراطية من اهتمام من قبل العديد من الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية إلا أنها ستعرف نوعا من التجاوز ـ إن صح التعبير ـ حين انزلقت العديد من الدراسات الأنغلوسكسونية نحو مفهوم بديل هو مفهوم الدمقرطة أو الانتقال الديمقراطي، هذا الأخير الذي يعد مفهوما جديدا في أدبيات علم السياسة والذي لم يرق بعد إلي براد يعم لكونه لا يزال يفتقر إلي وقائع إجرائية وتراكمات كافية من شأنها تمكين الباحث من استخراج قواسم مشتركة انطلاقا من تجارب معينة. إلا أن هذه الإشكالات السابقة لم تحل دون دراسة هذا المفهوم من قبل الكثير من علماء الانتقال les transitologues ولعل أبرزهم عالم السياسة الأمريكي صمويل هنتنغون الذي عرف الانتقال الديمقراطي علي أنه مسلسل سياسي معقد مشارك فيه مجموعات سياسية متناسقة تتصارع فيما بينها من أجل الوصول إلي السلطة وإن اختلفت من حيث اقتناعها بالخيار الديمقراطي وعداؤها له. أما بالنسبة لموريتانيا فقد أعلن الحكام الجدد عن احترام حقوق الإنسان والبقاء علي نشاط الأحزاب والمجتمع المدني والصحافة المستقلة ودعوة الجميع للمشاركة في المشروع الديمقراطي المقترح.أولا: مداخل الاصلاح السياسيغداة العاشر من اب/اغسطس 2005 تم تعيين حكومة مدنية بجانب المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، لتنفيذ برنامج المرحلة الانتقالية الذي تم اعتماده باتفاق جميع الفرقاء السياسيين المجتمعين في إطار الأيام الوطنية للتشاور.1 ـ المدخل الدســـتـوري:يعتبر الفقيه أندريه هوريو نشر الدستور إعلانا علي المستوي الدولي للدولة الحديثة وتأكيدا ضمنيا علي أنها وصلت إلي مرتبة النضج السياسي بل يضيف الي أن الرغبة بالدخول إلي المجتمع الدولي بدون دستور هو تقريبا كالدخول إلي حفلة ساهرة بثوب الحمام. وغني عن القول أن المدخل الدستوري نسبة إلي القانون الدستوري وليس إلي الدستور الذي هو مجموعة القواعد القانونية التي تحدد شكل السلطات والعلاقات بينها أو الميكانيزما ت التي تضع حدا بين السلطة والحرية حسب تعبير شهير لهوريو دائما.وقد تنادي الموريتانيون صبيحة الخامس والعشرين من حزيران (يونيو) 2006 للتصويت علي تعديل دستوري يتضمن:ـ تقليص مدة مندوبية الرئيس من 6 الي 5 سنوات.ـ تعارض مهمة الرئيس مع أي منصب قيادي حزبي.ـ عدم قابلية تجديد مندوبية الرئيس أكثر من مرة واحدة.ـ ادراج مسألة مندوبية الرئيس ضمن قائمة الاحكام الدستورية المحظور تعديلها.أما فيما يخص حقوق الانسان و الحريات العامة، فقد تطورت الممارسة الحزبية والجمعوية خصوصا مع فتح وسائل الاعلام العمومية أمام جميع الفرقاء السياسيون، كما تم الترخيص لـ6 أحزاب جديدة و120 منظمة غير حكومية وأكثر من 30 صحيفة. وبناء علي توصيات الايام الوطنية للتشاور تم انشاء اللجنة الوطنية لحقوق الانسان كإطار وطني للتشاور بين الادارات المعنية بحقوق الانسان والمنظمات الوطنية غير الحكومية، كما تتمتع هذه اللجنة بالاستقلال الاداري والمالي طبقا لمباديء باريس.وفي نفس المنحي تم بتاريخ 20 تشرين الاول (أكتوبر) 2006 انشاء السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية وهي هيئة ادارية مستقلة تعني بتنظيم قطاع الاتصال الموجه للجمهور و الند المتساوي الي وسائل الاعلام العمومية.وفيما يخص المسلسل الانتخابي فقد تم تنظيم عدة استشارات انتخابية تحت رقابة اللجنة الوطنية المستقبلة للانتخابات والمرصد الوطني لمراقبة الانتخابات كإطار للمجتمع المدني، كما تم تكليف الامم المتحدة بتنسيق نطام مراقبة الانتخابات.المدخل السياسييتجلي هذا المدخل بوضوح من خلال ارادة التشاور والوفاق ما بين السلطة والتشكيلات الاجتماعية الوازنة إلا ان هذا التوافق بدأت تنفك عراه بسبب ما عرف بمسألة المستقلين، فقبل أسبوعين فقط من وضع الترشحات للانتخابات البلدية تسربت أنباء عن لقاء رئيس الجمهورية مع بعض الأعيان القبلية وكوادر الحزب الجمهوري وتوجيههم نحو الترشيحات المستقبلة. ومما عزز هذه الشكوك هو الاعلان مباشرة بعد ذلك عن ميلاد الاتحاد الوطني للمستقلين الذي يقود السناتور السابق سيدي ولد الداهيء الذي أكد في بيانه الاول حاجة الساحة السياسية الي تيار وسطي حقيقي متوازن في منطلقاته ومعتدل في نهجه، وبعد ايام من ذلك أعلن عن تشكيل التجمع الوطني للمستقلين الذي يضم بالاضافة الي الاتحاد السابق منسقية المستقلين التي يقودها المعارض ورجل الاعمال بمبولد سيدي بادي، وقد عهد بقيادة هذا التجمع الي وزير الداخلية السابق لمرابط سيدي محمود ولد الشيخ احمد.أما بالنسبة للأحزاب فقد أدانت هذه الخطوة معتبرة إياها انقلابا علي الديمقراطية وتراجعا عن حياد المجلس العسكري الذي لم يكن بالإمكا ن الإعتراف به دوليا لولا التأييد الشعبي والحزبي، كما دعا تجمع المعارضة الموريتانية في المنفي أعضاءه إلي الرجوع للخارج واستئناف نشاطهم الذي جمد بعد الانقلاب. ثانيا: حدود الاصلاح السياسي.إذا كانت التعــديلات الدستورية قد أضافت لبنة مهمة وضمانة حقيقية للممارسة الديمقراطية في البلد إلا أنها لم تسلم من انتقادات كثيرة سواء تعلق الأمرب إشكالية السلطة التأسيسية أو اختلال التوازن بين السلطة.فمع نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، ظهرت علي المسرح السياسي الوطني بوادر انفتاح نحو التعددية الحزبية توجها قرار دستور 20 تموز (يوليو) 1991 نزولا عند مطلب الشركاء الاقتصاديين الدوليين وإرضاء للفرقاء السياسيين الوطنيين، ولكن طريقة وضع الدستور في غياب لجنة تأسيسية منتخبة من قبل الشعب أو حتي معروفة لديه شكل مدخلا للتشكيك في شرعية النظام الدستوري الجديد ، ومن الغرابة بمكان غياب هذا المطلب من أجندة الفرقاء السياسيين إبان الأيام الوطنية للتشاور.أما فيما يخص توازن السلط فقد تجاهل المشرع التأسيسي وضعية الجهاز الحكومي عامة ورئيس الحكومة خاصة، وذلك في مواجهة الرأس الثاني للسلطة التنفيذية أي رئيس الجمهورية، وتكمن المفارقة الأساسية في عدم مسؤولية رئيس الدولة إلا في حالة الخيانة العظمي والمسؤولية المزدوجة للوزير الأول رغم ضعـف الإختصا صا ت التي يتمتع بها والمتمثلة أساسا في تنسيق العمل الحكومي وتنفيذ الاختيارات المحددة سلفا من قبل رئيس الجمهورية، فحتي السلطة التنظيمية تعتبر من اختصاص الرئيس.هذا من جهة، أما من جهة أخري فقد أثار الإنقلاب في نفوس الكثير من الموريتانيين أملا بأن تتم مراجعة المظالم الإنسانية، التي تتجلي في حملة التطهير العرقي التي تعرض لها الزنوج الموريتانيون في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، حيث تم إعدام أكثر من 300 جندي وضابط بدون محاكمة إثر اتهامهم بمحاولة قلب النظام، كما تم تهجير أكثر من 120 ألف زنجي لا يزالون يطالبون من مخيماتهم علي الضفة الأخري لنهر السنغال بعودة منظمة تضمن لهم استرداد جنسيتهم وممتلكاتهم.والآن وبعد انتهاء آخر حلقات المسلسل الإنتقالي الديمقراطي وتتويجه بانتخاب رئيس مدني ومؤسسات تمثيلية، لا بد من التشديد علي ضرورة مواصلة أجندة الإصلاح السياسي وفتح أوراش جديدة تجعل من الوحدة الوطنية والإقلاع الإقتصادي هدفا لها، وذلك لاستحالة قيام انتقال حقيقي دون حل هاتين المعضلتين.ہ باحث موريتا ني في العلوم السياسية ـ المغرب[email protected]