محبة الحكمة: رحلة الفيلسوف إلى بهجة الحياة

لن يفيدنا في شيء أن يكون الوعي الذاتي وعيا بالموت، ويتخلى عن نشاطه في الحياة «الوعي يجب أن ينبعث متحررا من الكل». الحياة تجسد الوجود حين تكون حرة ومتحررة من التهديد الذي يصدره العدم. وحينما تصبح الحياة مطلقا يمسي الوجود محركا للأزلية، وبعبارة هيغل فالحياة المطلقة هي في ذاتها الوجود المطلق.
ومعنى وجود الوجود هو الحياة الديونيزوسية كما عاشها الفيلسوف نيتشه مبتهجا لا يفكر سوى بالحاضر؛ فلسفة الحاضر التي تجعل الحياة لعبا ومرحا، ولذلك نجد نيتشه يدعو إلى يوم للتفلسف ويوم للحياة، ولعل هذه الفلسفة هي التي نسعى إلى نشرها في زمن الهروب الجماعي من الوجود، قال زرادشت: «ورأيت الناس يستولي عليهم حزن عميق، وقد وهنت قوى خيارهم في ما يعملون، فانتشر تعليم يؤدي إلى الإيمان بأن كل شيء باطل ومتشابه وقيد الزوال». بمعنى تعليم العدمية بدلا من الوجود، لأن كل شيء باطل وقيد الزوال، جعل نيتشه يتساءل بتعجب؛ لماذا اقترب الزمان من نهايته قبل بدايته؟ وبما أن الزمان لا يعود أدراجه، فإن ذلك ما يثير غضب الإرادة، وربما يكون داء الإرادة الوحيد هو كلمة «قد كان»، وترياقها ليس سوى الحاضر الذي يغرق في حضوره، أو بعبارة نيتشه «وما تنقذ الإرادة السجينة نفسها إلا بالجنون»، بيد أن المجنون هو من فقد كل شيء إلا عقله، فليس الجنون هو ما يخيف، بل العيش خارج الوجود ودون حياة مبتهجة، يكون الإنسان فيها مستلب الإرادة ومغتربا لا نستطيع أن نتعرف عليه: «أنا لا أعرفكم، أيها الناس، تلك هي ظلمتي وتعزيتي ألجأ إليها».

فالعقل دون معرفة لا يبلغ منتهى الحكمة، والحكمة علمت الفيلسوف أن يتعرف على نفسه، ويجعلها أعظم صديق في الوجود، ولكن يريد أن يظل متخفيا حتى لا يعرفه الناس «يا ليتني أجلس بينكم متنكرا، أنا أيضا كيلا أعرف من أنا، لأن هذه آخر حكمة لي على حكم البشر». لقد أتعبني هذا الزمان، وكأن العيش فيه أضحى مقترنا بالاغتراب، إلى درجة أن المتسائل لا يجد إلى من يوجه أسئلته ويلتجئ إلى أعمق الساعات صمتا، ولن يجد أمامه سوى شمس محرقة وحرارة الإبداع، ولا بد أن يحاور نفسه ويمرح بها، وإلا سيقع له ما وقع لزرادشت حين لفه النسيان وأدخله عتمات العزلة، فصاح قائلا: «ماذا جرى لي يا أصحابي؟ لقد سادني الاضطراب فأضعت هداي وأراني مندفعا، على الرغم مني إلى الرحيل والابتعاد عنكم وا أسفاه!». وأمام هذا الوضع يعلق نيتشه بسخرية الفيلسوف «على زرادشت أن يعود إلى عزلته»، ولن يكون حزينا، لأن ما شاهده يكفيه ليمرح بذاته، وكأنه في أمس الحاجة إلى تلك الساعات الغارقة في الصمت، لأن الحكمة تخاطبه ولا صوت لها وساعة حياته هي مولاته القاهرة التي تحرضه على الرحيل.

نعم ينبغي أن يرحل من تكلمت الإرادة بلسانه ونادته الحقيقة: «إنها هي مولاتي الغاضبة، لقد كلمتني فأعلنت لي إرادتها، وما كنت ذكرت لكم اسمها حتى اليوم، هي أعمق ساعتي صمتا». والغريب في الأمر أن هذا الحوار بين الفيلسوف والحكمة عجل برحيل الناطق باسم الحياة وإرادة القوة، إنه الحكيم زرادشت حين اكتشفت بأن ما يقوله لم يبلغ آذان الناس، لأن ما يحتاجه الجمهور هو التفاهة والعبودية. ولم يعد الإنسان هو الإنسانية ترى ماذا وقع، ولذلك ينبغي أن لا نستغرب من انتشار العدمية التي تسعى إلى هدم الفلسفة، لأنها لا تريد أن تصمت فدعوتها إلى فضح أسرارها دفعها إلى تحريض الناس على الفيلسوف الذي يشكو قائلا: «لقد هزأ الناس بي عندما اكتشفت طريقي ومشيت عليها والحق أن رجلي كانتا ترتجفان، فسمعت؛ لقد ظللت سبيلك يا زرادشت، بل أصبحت لا تعرف أن تنقل خطاك»، بل لا أستطيع أن أقص عليكم ماذا جرى للفيلسوف، ولن أفاجئكم بوقت رحيله أو عودته، أتعلمون لماذا؟

كان نيتشه مندفعا، على الرغم منه إلى الرحيل والابتعاد عن هذا العالم، بيد أن وجهته كانت هي الوجود، كما عاشه فلاسفة الإغريق، فهو لا يخفي هذا السر حين هتف متهكما: «إن الشعوب كافة تشعر بالخجل، عندما نتناول مجتمعا من الفلاسفة نموذجا بهذا الشكل البديع، مجتمع المعلمين الأول في اليونان؛ طاليس، هيراقليط، بارميند، أناكساغوراس، أنبادوقليس سقراط… هؤلاء مسكوبون قطعة واحدة وفي الصخرة نفسها». وفي الحقيقة كان نيتشه يحلم بالعودة مع بومة مينيرفا إلى العيش مع الحكماء، بعد أن أتعبته الحياة مع العامة، فالإغريق كانوا في وحدتهم المهيبة الوحيدين الذين عاشوا حينذاك للمعرفة فقط .
ومهما يكن هذا اللقاء بروعة السؤال الأنطولوجي خاطفا وممتعا، فإن رحيل الفيلسوف قد حرمنا من هذه المتعة، ولما سألته امتنع عن الجواب ووقعت عيناه على الطريق المؤدي إلى الإنسان المتفوق، هكذا شاهدته يركض ثم عدت إلى عزلتي ابحث عن فيلسوف آخر، لكن لم أجده فأوقفت الكتابة ظل المخدر يفعل فعله.
كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية