القصة والبطولة لمحمد رجبالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ – من كمال القاضي: مع بداية ضعف النظام السابق وفتح الصحافة النار على رموز الفساد استوحت السينما بعض الأفكار وأخذت تدور في فلك الهجوم والنقد الشديد، وظلت هكذا إلى ما قبل قيام ثورة 25 يناير بقليل واستمرت الى ما بعدها.
ولد لعبت السينما على أوجه الصورة القاتمة لبيان ذروة الفساد والاستبداد وعليه كانت المكونات التقليدية متمثلة في الرأسمالية المتوحشة والصحافة المتواطئة والانغماس الكامل لمجتمع النصف في المائة في الملذات والشهوات وعقد الصفقات المشبوهة بواسطة رجال أعمال تحت مستوى الشبهات، ولم يبق من عناصر المقاومة غير الحالات الفردية التي سرعان ما تخور قواها أمام بطش وجبروت حيتان الانفتاح الاقتصادي والسوق الحرة التي تسمح بجميع التجاوزات والخروقات في سبيل الثبات على قمة الهرم الاجتماعي المقلوب.
فيلم ‘محترم إلا ربع’ يحاول صناعة، السيناريست محمد سمير مبروك والمخرج محمد حمدي والبطل محمد رجب رسم ماكيت لتفاصيل الواقع في ظل حكم الرئيس المخلوع دونما أي ذكر للسياسة مباشرة وإنما اعتمد الثلاثي في تجسيد الرؤية الدرامية على الدلالات الذكية للحدوتة، حيث محمد رجب ‘هشام’ رسام الكاريكاتير يعمل بإحدى الصحف المعارضة ويحاول من خلال رسوماته الساخرة فضخ مافيا البيزنس وتجار الأراضي والعقارات ويستهدف بالتحديد رجل الأعمال أحمد راتب ‘عادل نصحي’، إلا أن سطوة الرجل وقوته تمكنه من السيطرة على عقل رئيس التحرير ‘إيناس مكي’ بالهدايا والرشاوي فتضحي بالرسام وتقوم بفصله إرضاء لرجل الأعمال الفاسد!
وبهذا تحرز الرأسمالية الكريهة أول هدف في مرمى السلطة الرابعة وتتم الإشارة الى فسادها أو بالأحرى فساد بعض القائمين عليها، وإزاء تلك الصدمة العنيفة يتجه رسام الكاريكاتير في رد فعل عكسي الى استغلال موهبته بما يحقق له الثراء ليعيش محترم من وجهة نظر المجتمع المادي ومحترم إلا ربع من وجهة نظر نفسه تماشياً مع العنوان الذي اختاره السيناريست سمير مبروك ليعبر به عن محنة في شرك التناقض بين مثاليتهم ومادية المجتمع الشرس وعدم قدرتهم على الصمود لفترة طويلة.
يمضي ‘هشام’ أو محمد رجب في مسيرته غير مبالاً بالمباديء والأخلاقيات يرافقه صديقه الحميم إدوارد فيكون ثروة طائلة تجعله واحدا من الوجهاء، إلا أنه ينحرف تجاه حب النساء اللاتي يرى في الإيقاع بهن متعة غير مبررة من الناحية النفسية والدرامية، ولكنها مقبولة في سياق الأزمة العامة التي يعانيها البطل وتعانيها الفتيات والنساء ايضا في ظل حالة التفكك وانعدام الثقة والرغبة في الانتقام من أي شيء وكل شيء طالما افتقد الإنسان للقيمة الأساسية وأصبح سلعة في سوق تتسع لبيع كافة البضائع!
هذا هو المعنى المستخلص والمستهدف ببساطة من الخط الدرامي الرئيسي للفيلم والخطوط الفرعية المتشعبة بلا منطق في كثير من المشاهد التي اختلط فيها الجد بالهزل، هزيمة البطل ونزواته وروحه الفكاهية مع شهوانية البطلات الحسناوات وانتهازيتهن لامتيا ومادلين طبر وبقية الممثلات الصاعدات ممن تبارين في ارتداء الملابس القصيرة والمكشوفة والأداء المثير، ولم يشذ عنهن إلا روجينا بوصفها حبيبة البطل الرومانسية التي لا تطمع إلا في الزواج منه فقط لا غير، وكذلك الطفلة ليلى زاهر ابنة الفنان أحمد زاهر الذي كان له نصيب وفير من الانتهازية، حيث تفوق في ذلك على الجنس اللطيف فقد أدى دور زوج مادلين طبر، السيدة الثرية المطلقة الباحثة عن شاب يشبع رغبتها ويعوضها عما افتقدته مع زوجها الأول وهي في نفس الوقت ام لاما عشيقة هشام رسام الكاريكاتير المثقف المأزوم والمهزوم.
توليفة غريبة بها كثير من التناقض بدأت بالصراع مع أحمد راتب ‘رجل الأعمال’ وانتهت معه بعد أن أرسل فتواته لتأديب الرسام الصحفي فضربوه ضرباً مبرحاً وخطفوا ابنة شقيقته وحبيبته في مشهد يشبه الى حد كبير رسوماته الكاريكاتورية فنرى ضرب وحرق وتكسير وبلطجة ثم ما إن ينتهي المشهد العنيف حتى نرى النقيض تماماً فرح ورقص وزفة، دون وجود رابط بين المشهدين اللهم غير القبض على رجل الأعمال وهذه ايضا جزئية مفتعلة لم تفض الى شيء منطقي فليس ثمة ترابتية أو تسلسل مقنع في السياق العام، غير أن شعورا بوجود حلقات مفقودة تدل على اضطراب في الكتابة والإخراج يتبعهما بطبيعة الحال إضطراب في التمثيل ومعايشة الدور والشخصية لأن الإحساس هو أصل التقمص فإذا غاب الإحساس تعيين على الممثل أداء الشخصية من الخارج وهذا ما كان ملاحظا لدى جميع الأبطال.
هذه الإشكالية هي بالضرورة مسئولية المخرج الذي لم يعتني بعنصر الإقناع وترك الحبل على الغارب للممثلين ليؤدوا أداءاً إرتجالياً كما لو كان النصر الدرامي غير موجود والسيناريو مجرد خطوط عريضة.
ولعل الضعف الواضح في الفيلم ككل ناتج عن ضعف مستوى القصة التي كتبها محمد رجب كمحاولة للتجريب فانتقلت بقدرة المنتج أحمد السبكي الى حيز التنفيذ دون أن تأخذ النصيب الأوفر من النضج فكانت النتيجة على هذا النحو، دراما مسلوقة منزوعة الدسم ليس بها ما يفتح الشهية غير لوحات التصوير البديعة لمدير التصوير رؤوف عبدالعزيز بعمقها الغائر وجمالياتها الدالة على حرفية شديدة لكاميرا مان يملك أدواته.
يبقى ان نشير الى بطلين آخرين في فيلم ‘محترم إلا ربع’ هما المطرب الشعبي محمود الحسيني الذي أخفى صوته جواً إنسانياً على الأحداث والفنانة شمس التي منحها الفيلم فرصة ثمينة لاستعراض إمكانياتها الجسدية ومعرفة تأثيرها الأنثوي على جمهور الدرجة الثالثة.
أما التمثيل التمثيل فالطبع كان خارج اختصاصها!