محدد عربي جديد للديموقراطية
د. علي محمد فخرومحدد عربي جديد للديموقراطية للديمقراطية، نظرية وممارسة، محددات أو خطوط حدود خارجية وداخلية. وقد بدأت الليبرالية الديمقراطية الغربية في الآونة الأخيرة تعي هذا الأمر جيداً وتشير اليه كاشكالية تحتاج الي امعان النظر في مخاطرها وطرق حلها. أخطر وأعقد المحددات الخارجية تتمثل في العولمة الاقتصادية والسياسية التي سمحت للشركات العابرة للحدود وللمؤسسات الدولية من مثل البنك الدولي ولكبار المضاربين في العملات أو للمستثمرين الدوليين أن يملوا علي الدول شروطاً من مثل تغيير السياسات الضريبية لصالح الأغنياء أو تخفيض ماتصرفه الدولة علي الخدمات الاجتماعية أو أشكال كثيرة أخري من التدخلات التي تضعف الدولة وتضعف الأدوار التشريعية والرقابية للمؤسسات الديمقراطية في تلك الدول. تحت مثل هذه الظروف تجد المؤسسات الديمقراطية المنتخبة نفسها مضطرة للانصياع لارادة غير ارادة ناخبيها. أما أكبر وأصعب المحددات الداخلية فتتمثل في مشاكل من مثل الصراعات الاثنية والدينية والمذهبية التي ترفع شعارات الانفصال أو خلق كيانات لغوية أو ثقافية شبه مستقلة في داخل الدولة، ومن مثل ضعف وهزال مؤسسات المجتمع المدني، ومن مثل وجود جيوب الفقر والتهميش أو ثقافة الانحيازات ضد مجموعات من الشعب كما هو الحال مثلاً مع الانحياز التاريخي ضد المرأة في المجتمعات العربية.ان كل تلك المحددات، الخارجية والداخلية، تأتي علي حساب فاعلية الممارسة الديمقراطية، بل وهي محددات تتحدي الأسس النظرية للديمقراطية القائمة علي مبدأي حرية الناس في اتخاذ القرارات الملائمة لهم، واشراك كل أفراد الجماعة في المشاركة في العملية الديمقراطية دون أية عوائق شخصية أو مجتمعية.كل تلك المحددات، التي تناقشها حالياً الأدبيات السياسية القلقة علي مصير الديمقراطية في عالم اختلط فيه الحابل بالنابل، تواجهها المجتمعات العربية مثلما تواجهها المجتمعات الأخري. لكن مجتمعاتنا، اضافة الي كل ذلك، تنوء تحت أعباء محدٍّدات خاصة بنا من مثل الارث الاستبدادي في الحكم الذي طال عليه الأمد عبر القرون والأزمان أو مثل الفهم الفقهي البليد المتحجر عند البعض لموقف الاسلام من الحكم الديمقراطي أو الغياب شبه الكامل لأية استقلالية مالية وادارية لمؤسسات المجتمع المدني.في المدة الأخيرة بدأت تظهر في بعض مجتمعاتنا بوادر محدد جديد يتمثل في الدور غير الدستوري وغير القانوني وبالتالي غير الديمقراطي الذي تلعبه بعض زوجات المسؤولين العرب. تأثير علاقات الفراش ووله القلوب علي الخلفاء والملوك وقادة المجتمعات عبر التاريخ أمر معروف وقصصه تملئ كتب حكايات الأزمنة الغابرة. لكن كل ذلك مثلًّ جزءاً من تأثيرات شخصية وعلائقية علي المسؤول الأول في الحكم. وبالتالي فان تلك التأثيرات بقيت محصورة في التأثير علي تصرفات المسؤول وأفكاره والتي كانت في أغلبها تنتج قرارات استبدادية لم يكن للمجتمع أي دخل في أخذها.لكن الأمر يختلف اليوم. فعلاقات المسؤول الأول بمن يحب لا تؤثر عليه فقط بل تتعداه الي استعماله كأداة لسحب البساط من تحت المؤسسات الديمقراطية برمتها. في هذه اللحظة، في أحد بلدان العرب، تشتعل النيران في حطب الممارسة السياسية، وتغلي مشاعر الغضب في قلوب الملايين من المواطنين، بسبب رغبة جامحة لدي الزوجة الأم لتوريث ابنها كرسي الحكم الذي سيتركه الأب العجوز المريض. والرغبة الجامحة تلك تعبر عن نفسها في تدخلات في أجهزة الحكم وفي ابتزاز لهذا أو ذاك من أصحاب النفوذ في الحياة السياسية وفي استغلال لمكانة ونفوذ رأس الدولة. والنتيجة هي اضافة محدد جديد لممارسة الديمقراطية في أرض العرب واضعاف للمؤسسات الديمقراطية الوليدة.عاطفة الأمومة وتأثيرات الحياة الزوجية لاينكرها أحد، ولكن عندما تصل الي مرحلة الانتقال من التأثير الشخصي علي مسؤول واحد الي التأثير السلبي المضر علي مسيرة الديمقراطية برمًّتها، بل علي مستقبل الحياة السياسية، فانها تصبح خطراً يجب ايقافه.تكفي الديمقراطية العربية كل المشاكل التي تنوء من تحتها حتي تضاف اليها مشكلة علاقات الفراش والقلوب.9