محرقة تلمهم

حجم الخط
0

محرقة تلمهم

عزت القمحاوي محرقة تلمهمحتي من قبل انتفاضة الحرية الأخيرة فإن ثقة المصريين غير محدودة في مؤسسة القضاء التي ظلت أقل حصون الدولة المصرية تأذياً بالفساد. وسيبقي القضاء آخر جدار لحماية العدالة في بلد يسير بخطو منتظم من تقاليد الجمهوريات إلي أعراف المشيخات والعزب، وهذا الأسبوع أضاف قضاء مصر الشامخ إلي وقفة القضاة بالأوشحة حكمين فارقين سياسياً واجتماعياً. ورغم حساسية التعليق علي أحكام القضاء إلا أن منصة العدالة اعتادت أن تتسامح مع هتاف المظلومين عندما يظفرون أخيراً بالإنصاف: يحيا العدل. وأنا اليوم هنا لأردد الهتاف ثلاثاً، مرة لجموع القضاة الذين وقفوا أول من أمس في ذكري الاستفتاء علي تعديل المادة 76 من الدستور ومرتين للقاضيين اللذين أصدرا حكم نسب الطفلة لينا إلي والدها الممثل الشاب أحمد الفشاوي ونسب محرقة بني سويف إلي كبار المسؤولين بوزارة الثقافة وليس إلي صغار الموظفين كما كنا نخشي.محكمة الأسرة حسمت أشهر صراع في قضية نسب عربية خلال عقود وقف فيها والدا الفتاة هند الحناوي الأستاذان الجامعيان موقفاً شجاعاً وبطولياً في التضامن مع ابنتهما التي ارتبطت بعلاقة مع الممثل بورقة أو بدون ورقة لتكتشف أنها حامل، وتصارحه فيهرب منها بعد أن وسّط واعظاً فضائياً شهيراً ليطلب منها الإجهاض.وطوال عامين من التقاضي والنقاش في الصحف والمحطات التليفزيونية وقفت الفتاة وأسرتها في مواجهة عاصفة مجتمع يحاول التشبث بأكاذيبه التي اطمأن إليها قروناً، لتبقي المرأة وحدها مخطئة، بينما يمثل الممثل القصص في قنوات الفن ويمثل الوعظ في قنوات الدين، ويجد من يستمع إلي وعظه، لأن الله تاب عليه، ولم يتب علي الطفلة التي لاذنب لها، وبالتالي فعليها أن تحمل فضيحة بدلاً من اسم الأب!وقد حركت هذه الأسرة المياه الراكدة، وأثرت في نظرة الذكورية إلي المرأة بوصفها وعاء للمتعة ومصدراً للشرور في آن. ولم توقع هذه الأسرة المجتمع في الارتباك الخلاق في مصر وحدها، بل في البلاد العربية والإسلامية كلها. أما القاضي فكانت مفاجأته لحضور الجلسة هي قراءة أبيات من قصيدة حُبلي لنزار قباني: ليراتك الخمسون .. تضحكني لمن النقود.. لمن. لتجهضني؟ لتخيط لي كفني؟ هذا إذن ثمني؟ ثمن الوفا يا بؤرة العفنأنا لم أجئك لمالك النتن شكراً .. إني سأسقط ذلك الحملا.. أنا لا أريد له أباً نذلا!والقصيدة من ديوانه الخامس قصائد وليس من طفولة نهد كما نشرت الصحف اليومية التي غطت جلسة المحكمة. وقد نزل الشعر والحكم صاعقاً علي الممثل الذي قاوم بكل ما يملك منح اسمه لابنته. وإذا كان المستشار أحمد رجائي دبوس قد أصدر حكمه في محكمة الأسرة مجللاً بالتقريع الشعري، فقد أصدر المستشار هاني صبري حكمه في قضية محرقة بني سويف دون شعر، لأن تفحم خمسين مسرحياً وإصابة 18 معظمهم سيعاني بقية حياته من عاهات مستديمة لايترك مساحة للشعر.وقد قضي قاضي محكمة جنح بني سويف بحبس مصطفي علوي رئيس هيئة قصور الثقافة السابق وعضو لجنة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي وسبعة من مرؤوسيه عشر سنوات مع الشغل لكل منهم وكفالة عشرة آلاف جنيه، كما ألزمتهم مع وزير الثقافة بتعويض مؤقت مقداره 2001 جنيه. وأهمية هذا التعويض في حكم الدرجة الأولي أنه يثبت حق أسر الضحايا في رفع دعاوي التعويض النهائي في محكمة الاستئناف، أما أهمية الحكم فليست في العقوبة التي تلقاها علوي الذي كان يتحرك بحصانة اللجنة المهولة، بل في رفض المحكمة التماساً لاستثناء وزير الثقافة من حكم التعويض. وهو أقصي إجراء تستطيعه المحكمة ضد وزير، لأن قانون محاكمة الوزراء جنائياً معطل، فمحاكمة الوزير حسب القانون 79 لسنة 1958 الذي لايزال سارياً حتي اليوم تتطلب في تشكيلها وجود أعضاء من الإقليمين الجنوبي والشمالي أي المصري والسوري!وهذه واحدة من مضحكات مصر التي هي كالبكاء، وحتي هذه اللحظة لاتوجد عقوبة للوزراء أكثر من الإقالة، إلا أن هذا الإجراء معطل هو الآخر، بسبب ما استقر في ضمير النظام من اعتقاد راسخ بأن الاستجابة لمطالب الرعية انتقاص مريع من سلطته وقدره!ما يجمع نسب لينا إلي أحمد الفيشاوي، ونسب المحرقة إلي وزير الثقافة وعضو لجنة السياسات هو أن الحكمين يقفان في مواجهة تيار ضخم من الفساد السياسي والاجتماعي غير المنفصلين، وربما كان الثاني نتيجة للأول، فمن كثرة ما شوهد الجديرون بالزنازين يجلسون فوق كراسي الحكم، استقرت اللاشرعية قانوناً للمجتمع، حتي رأينا شباباً ينظمون مسيرات تأييد لمطرب مزور وهارب من التجنيد، ويضعون لافتات تأييد اعلانية ضخمة علي الطرق بمئات الآلاف من الجنيهات، كما رأينا الممثل المتنصل من لحمه واعظاً وصديقاً لواعظي هذا الزمان.ولم يكن هذا ليحدث لولا أن بعض المحسوبين علي المثقفين سمحوا لأنفسهم بالاجتماع في قصر الوزير وتدبيج مناشدة لرئيس الجمهورية للإبقاء عليه، بعد تمثيلية الاستقالة التي أعلنها في الصحف دون أن يتقدم بها رسمياً. ولم يكن الرئيس بحاجة إلي هذه المناشدة التي وقف بها أصحابها في تضاد معلن مع جموع المثقفين في وقت تواصلت فيه مظاهراتهم وتكررت بلاغاتهم الجماعية للنائب العام لمحاكمة الوزير بمقتضي المسؤولية السياسية. وإلي أن ينفصل الإقليم الشمالي عن الإقليم الجنوبي قضائياً، أو إلي أن يعودا بلداً واحداً، فإن شمول حكم التعويض علي اسم وزير الثقافة هو البداية، في مجتمع يتحول، وقد شبع من كنس أضرحة الأولياء والدعاء علي الفاسدين بمسرح أو قطار أو عبّارة تلمهم. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية