تشير تقارير الهيئات الدولية المعنية بالأمن الغذائي وتجارة الحبوب في العالم، منها الأمم المتحدة ومجلس الحبوب العالمي ووزارة الزراعة الأمريكية، إلى أن العام الحالي يشهد محصولا وفيرا من الحبوب والقمح في الموسم الحالي، أدى عمليا إلى تخفيض أسعار القمح في الأسواق، وذلك على الرغم من انسحاب روسيا من مبادرة البحر الأسود لتصدير الحبوب، التي أتاحت لكل من روسيا وأوكرانيا تصدير كميات عبر موانئ البحر الأسود خلال موسم التصدير للسنة الزراعية 2022/2023. وطبقا لوزارة الزراعة الأمريكية ومجلس الحبوب العالمي فإن العام الزراعي المقبل سيشهد على الأرجح محصولا وفيرا للعام الثاني على التوالي. ومن المتوقع أن يصل حجم محصول روسيا هذا العام حوالي 80 مليون طن من القمح، ما يتيح لها تصدير كميات كبيرة بعد كفاية الاستهلاك المحلي وتكوين المخزون التجاري. وتأتي روسيا في المركز الثالث عالميا، بعد كل من الصين في المركز الأول والهند في المركز الثاني، لكن الاحتياجات الاستهلاكية للصين تجعلها ثاني أكبر مستورد للقمح في العالم بعد مصر، في حين أن الهند تصدر كميات أقل. وقد أدت الوفرة في محصول القمح العام الحالي إلى انخفاض الأسعار بمعدلات كبيرة تصل إلى ما يقرب من نصف متوسط الأسعار في الموسم الذي شهد بداية الحرب الأوكرانية.
وتشير بيانات المعاملات في الأسواق إلى أن أسعار القمح استقرت خلال الربع الأول من العام الحالي في حدود 370 – 390 دولارا للطن، مقارنة بأكثر من 550 دولارا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ثم تراجعت في الربع الثاني إلى 345 دولارا. وعلى الرغم من مخاوف تأثير انسحاب روسيا من مبادرة البحر الأسود على الإمدادات والأسعار، فإن تفاعل مستويات العرض المتاح في السوق مع الطلب، منذ توقف مبادرة الحبوب، أسفر عن تراجع الأسعار في الأسبوع الأول من الشهر الحالي في كل أسواق القمح تقريبا، وليس الروسي والأوكراني فقط. وطبقا لتقرير الشهر الحالي عن حالة أسواق الحبوب في العالم، ذكرت وزارة الزراعة الأمريكية أن أسعار القمح الأمريكي انخفضت بحوالي 13 دولارا في المتوسط ليبلغ سعر الطن 322 دولارا. كما انخفضت الأسعار في الأرجنتين بمقدار أكبر يبلغ في المتوسط 17 دولارا إلى 323 دولارا للطن، وفي روسيا بحوالي 14 دولارا في المتوسط إلى 252 دولارا. ووصلت أسعار القمح الروسي إلى أقل مستوى لها في منتصف الشهر الحالي مسجلة 228.25 دولار للطن.
الإنتاج العالمي
القمح هو ثاني أكبر محاصيل الحبوب في العالم من حيث مساحة الأرض المزروعة وكمية الإنتاج. وقد بلغ الإنتاج العالمي من القمح حوالي 778 مليون طن في موسم 21/22 بزيادة 4 ملايين طن عن الموسم السابق. وفي الوقت نفسه فإن مخزون القمح العالمي في الموسم الحالي يقدر بحوالي 286 مليون طن. وفي المقابل بلغ الاستهلاك الكلي للقمح حوالي 793 مليون طن. وبلغت كمية الاستهلاك في الصين وحدها حوالي 150 مليون طن بنسبة 19 في المئة من الاستهلاك العالمي. وطبقا لتقارير الأمم المتحدة فإن المتوسط العالمي لاستخدامات القمح للفرد يبلغ حوالي 66 كغم سنويا في السنوات العشر الأخيرة. أي ما يعادل حوالي 181 غراما يوميا. وتمثل صناعات إنتاج الخبز والأعلاف أهم استخدامات القمح في العالم. لكن من الملاحظ أن متوسط استهلاك الفرد للقمح في الدول الفقيرة والنامية يزيد كثيرا عنه في الدول الصناعية التي تخصص نسبة أكبر من إنتاج القمح لصناعة الأعلاف، حيث أن معدل استهلاك اللحوم كمصدر رئيسي للبروتين في الدول الصناعية مرتفع، على العكس من الحال بين مواطني الدول الفقيرة والنامية الذين يستخدمون القمح بوصفه المصدر الأرخص للبروتين في وجباتهم اليومية.
ومن المتوقع أن يرتفع الإنتاج العالمي من الحبوب في الموسم الزراعي الجديد 23/24 إلى رقم قياسي يصل إلى 2.29 مليار طن، مقابل 2.25 مليون طن في الموسم الحالي، وذلك على الرغم من ظروف الجفاف والعوامل الجوية السلبية. وهو ما يعني ظروفا أفضل لصالح المستهلكين. أما بالنسبة للاستهلاك، فإن المجلس العالمي للحبوب يقدر أن احتياجات العالم ستزيد إلى 2.31 مليار طن، بسبب الزيادة في معدل استهلاك القمح. وفي مثل هذه الأحوال فإن السوق تلجأ إلى استخدام المخزون المرحل من موسم إلى آخر. ويبلغ المخزون المتوقع في نهاية الموسم التصديري الحالي بحوالي 577 مليون طن، مقارنة بكمية بلغت 580 مليون طن في الموسم الماضي. وفي الوقت نفسه تبلغ كمية تجارة الحبوب المتوقعة في الموسم المقبل حوالي 408 ملايين طن أي أقل بنحو 3 ملايين طن فقط عن العام الماضي. ومع أن تقرير وزارة الزراعة الأمريكية يتوقع أن يحقق إجمالي الإنتاج العالمي من القمح في العام المقبل رقما قياسيا، لكنه يقول إن الإنتاج سينخفض نسبيا في الصين والاتحاد الأوروبي وكازاخستان.
الوضع في أوكرانيا
أوكرانيا واحد من منتجي القمح الرئيسيين في العالم، وتحتل المركز الثامن بين أكبر عشرة منتجين. وقد بلغت صادراتها في العام الماضي 53 مليون طن من الحبوب. لكن توقعات موسم الحصاد الحالي الصادرة بواسطة الحكومة الأوكرانية تشير إلى انخفاض محاصيل الحبوب، وتتوقع أن تهبط الصادرات في الموسم الحالي إلى 45 مليون طن. لكن تقرير وزارة الزراعة الأمريكية الأخير يذكر أن صادرات أوكرانيا من الحبوب في عام 22/23 حتى نهاية حزيران/يونيو الماضي، عبر كل مسارات التصدير بما فيها البحر الأسود بلغت 16.8 مليون طن من القمح وحوالي 28 مليون طن من الذرة. أي أن الصادرات الكلية للذرة والقمح فقط، بدون الحبوب الزيتية بلغت 44.8 مليون طن.
ويتوقع التقرير إن يكون محصول الحبوب في السنة الزراعية الجديدة في حدود إنتاج العام الحالي. لكنه يتوقع انخفاض كمية الصادرات، نظرا لأن أوكرانيا صدرت في العام الحالي كمية كبيرة من المخزون التجاري المرتفع الذي كان متاحا لديها. ومع عودة المخزون إلى مستوياته العادية، فإن كمية الصادرات ستنخفض إلى 10.5 مليون طن من القمح، و19.5 مليون طن من الذرة، أي إلى حوالي 40 مليون طن مقابل 44.8 مليون طن في العام الحالي. وتستطيع أوكرانيا في الوقت الحاضر الاعتماد بدرجة أكبر على صادراتها إلى العالم عبر أوروبا، بعد أن قدم الاتحاد الأوروبي دعما للمزارعين في الدول الأوروبية المجاورة بقيمة 100 مليون يورو لتجنب احتجاجاتهم على دخول القمح الروسي عبر حدود بلادهم نظرا لأسعاره الرخيصة، بالمقارنة مع القمح المنتج في بلدان مثل بلغاريا ورومانيا والمجر.
الوضع في روسيا
عززت وزارة الزراعة الأمريكية، تقديراتها لصادرات القمح الروسي إلى 48 مليون طن لموسم 2023-2024. وهذا يعني أن ربع إجمالي الواردات العالمية ستأتي من روسيا. وما تزال روسيا حتى الآن تصدر كميات كبيرة من الحبوب عبر محطات التصدير على البحر الأسود، التي تستحوذ وحدها على حوالي 70 في المئة من صادرات الحبوب الروسية وأهمها القمح. لكن الصادرات الروسية من الحبوب عموما تخضع حاليا لضغوط صعبة بسبب العقوبات الأوروبية والأمريكية، المرتبطة بالتمويل والنقل والتأمين على السفن والشحنات المنقولة. في هذا السياق فإن تكلفة النقل، بدون احتساب نفقات التأمين للسفن الروسية، تزيد بنحو 10 آلاف دولار يوميا، للحمولات المنقولة بحرا من روسيا، عن الصادرات المنقولة من موانئ أخرى قريبة مثل بلغاريا ورومانيا، بسبب الضغوط الناتجة عن وقف العمل باتفاق البحر الأسود للحبوب.
وأدى ارتفاع مخاطر التمويل والنقل والتأمين إلى تقليل إقبال التجار على القمح الروسي في السوق. ولذلك فإننا نلاحظ تراجع أسعار القمح تسليم ظهر السفينة، كمحاولة من المصدرين تعويض الارتفاع في التكاليف الأخرى المرتبطة بالاستيراد. وفي هذا السياق فإن بيوت تجارة المواد الأولية والسلع الزراعية الرئيسية مثل «كارغيل» و«لويس دريفوس» و«فيتيرا» أوقفت أو خفضت تعاملاتها على القمح الروسي اعتبارا من أوائل شهر تموز/يوليو، مما تسبب في ضغوط أكبر على الصادرات خصوصا في ترتيبات النقل.
وكانت روسيا في العام الماضي قد حققت رقما قياسيا للصادرات، واستخدمت في النقل سفنا مستأجرة بواسطة شركات دولية. لكنها في الموسم الحالي، ومع انخفاض إقبال الشركات الدولية، لجأت للاعتماد على سفن مستأجرة بواسطة شركات من الصين وتركيا. وتستفيد تركيا من الوضع الحالي في كل من روسيا وأوكرانيا، بأن تحصل على القمح مباشرة لصالح شركات تركية، تقوم بإعادة تصديره. وتعتبر مشكلة عدم توفر السفن الكافية للنقل، وارتفاع تكلفتها من المشاكل الصعبة التي تواجه محاولات روسيا زيادة صادراتها من الحبوب. وتتعامل روسيا مع مشكلة نقص السفن على أنها ليست مشكلة طارئة وإنما مشكلة طويلة الأمد. وانطلاقا من هذه النظرة فإنها أعلنت في نهاية العام الماضي عزمها على بناء 61 سفينة جديدة مجهزة لنقل الحبوب تضاف إلى أسطولها الحالي.
الشرق الأوسط والصين
واجهت منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في العام الحالي موجة جفاف شديدة القسوة تركت آثارا سلبية قوية على دولها، خصوصا دول المغرب العربي. وتأتي ثلاث دول عربية بين أكبر عشر دول مستوردة للقمح في العالم. وتقدر واردات القمح في الموسم الحالي للدول الثلاث بنحو 26.7 مليون طن، منها 11 مليون لمصر، و 8.2 للجزائر، و 7.5 مليون طن للمغرب. وتعتبر مسألة تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على استيراد الحبوب من الخارج قضية حياة أو موت بالنسبة لدول الشرق الأوسط العربية، وكذلك بالنسبة لدول القارة الأفريقية بشكل عام. وتعتمد هذه الدول إلى حد كبير على توفير احتياجاتها عن طريق كل من روسيا وأوكرانيا. وبناء على قياس تأثير الجفاف فإن وزارة الزراعة الأمريكية تتوقع أن تسجل واردات المنطقة من القمح مستوى قياسياً يبلغ 31.7 مليون طن في الموسم الحالي.
وفي الوقت نفسه فإن الصين تدخل بقوة إلى سوق الحبوب العالمي، بسبب نقص إنتاجها من الحبوب عن تلبية حاجات الاستهلاك المحلي. وقد بلغ إنتاج الصين من الحبوب حوالي 134.7 مليون طن في المتوسط خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهي ثاني أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم. ومن المتوقع أن يرتفع إنتاجها في الموسم الزراعي 2023/2024 إلى حوالي 140 مليون طن، بنسبة زيادة تبلغ 3.7 في المئة تقريبا. لكنها مع ذلك أصبحت لاعبا رئيسيا في سوق القمح العالمي، لتصبح ثاني أكبر مستورد للقمح في العالم بعد مصر. ومن المحتمل أن تصبح أكبر مستورد للقمح في العالم في الموسم الزراعي المقبل، إلا إذا تمكنت من تخفيض استهلاكها من الحبوب بشكل عام.