محطات في علاقاتي مع البعض

حجم الخط
17

أردت هنا أن أستكمل الحلقة الثانية من المقال السابق، رغم أن قضية العنف والارهاب ومواجهته في سيناء تستحق التحليل والدراسة والتركيز والمواجهة الكاملة أمنيا وإعلاميا، وهنا ينبغى أن نعرب عن التقدير الواجب لكل من يسهم في مواجهة ذلك الارهاب الخسيس، نتاج الفكر التكفيري مهما تبنى من أسماء إسلامية براقة.
ذكرنا في الأسبوع الماضي بعض المحطات المهمة التي توضح بعض جوانب العمل والمواقف والدور الذي قمت به في مصر، بعد العودة من المنفى بعد ثورة يناير 2011، استجابة لرسالة الأخ الكريم محمود الخلفي، مدير مسجد استوكهولم بالسويد التي قال فيها: يبدو أن ما نسمعه ونقرأه عن أخينا وأستاذنا ومربينا الدكتور كمال الهلباوي غير ما نعرفه عنه وما سمعناه منه’. الرسالة كما قلت من قبل، مهذبة ودقيقة واستفسارية واستبيانية، كما ينبغى أن يكون خطاب وسلوك الشباب المسلم جميعا، فضلا عن الاسلاميين، خصوصا الدعاة .
فوجئت مساء الأربعاء الماضي بمقدمي برنامج الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً في قناة النيل للأخبار يسألونني وأنا ضيف عليهم: هل انسحابك أو استقالتك أنت والدكتور حبيب من جماعة الاخوان المسلمين فعلا تكتيكية، كما يقول بعضهم اليوم وليست حقيقية؟ والذين يقولون ذلك يعللون تلك الرؤية في ضوء لجوء بعض الشباب الاخواني إليك لترشدهم في بعض المسائل الدقيقة؟
كان السؤال مفاجئا لي، في ضوء الهجوم الشديد الذي يشنه عليّ عدد من الاخوان ومن التيار الاسلامي المتعصب من الشباب والكبار، وبعضهم ممن يطلق عليهم لقب مفكر اسلامي، ولا يعرف ذلك المفكر الاسلامي حتى معنى الانصاف والموضوعية، فضلا عن اقحام أنفسهم في تحليل مسائل ومشكلات سياسية من وجهة نظر غير صحيحة ولا وجيهة من ناحية التحليل العلمي، ومنها ما يخالف المنطق والعقل.
أنا أقدر الحماس الكبير والعاطفة الشديدة لدى الشباب الاسلامي، خصوصا تلك التي تطغى على العقل عند الحوار والنقاش، وقد مرت بنا هذه المراحل في الدعوة، ولكننا كنا نجد من يرشدنا الى الوسطية، بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان أساتذتنا يشرحون لنا كذلك ما قاله الامام البنا في هذا الصدد في رسالة المؤتمر الخامس.
قلت لمقدمي البرنامج: كنت أتمنى أن أظل عضوا في الاخوان المسلمين طول عمري وألا تنحرف الحركة عن منهاج الامام البنا، ولكني تيقنت من أن قيادة الاخوان المسلمين في مصر، بعد أن غبت عنها 23 سنة، قد انحرفت عن منهج الامام البنا رحمه الله تعالى، خصوصا في التركيز على السياسة والسلطة، أكثر بكثير من الدعوة التي هي الأصل في تقديم الاخوان للناس على حقيقتهم وحقيقة دعوتهم من غير لبس ولا غموض، فالدعوة كما يقول الامام البنا، يجب أن تكون أكثر ضوءا من الشمس وأبين من غرة النهار .
وثانيا: أقحم الاخوان أنفسهم في السياسة والحكم ـ وهو حق لهم – ولكنهم خاضوا غمار هذا العمل الحساس والمهم من دون إعداد جيد لهذه المهمة. ربما كانت المشاركة البرلمانية الكبيرة – بناء على انتخابات نزيهة ـ قد عكست حب الشعب المصري للاسلام ورعاته وحماته ودعاته، ولكنني تابعت مع آخرين المشاركة الاسلامية في البرلمان جيدا، وتمنيت أن يكون هناك حوار حقيقي وقرارات وقوانين تخدم الوطن، ولكن، على سبيل المثال لا الحصر، فوجئ الكثيرون بأداء الكتاتني الضعيف، حتى انه اصطحب معه الى رحلة في الخليج، أمين عام المجلس سامي مهران، وسعى الى رفع اسمه من القوائم السوداء حتى يستطيع السفر معه. قد يكون أمين عام المجلس غير مدان، وله الحق في الخروج والسفر والعودة من دون مساءلة أو منع، ولكن هذه قضية عامة كان ينبغي أن يتبناها الكتاتني لمهران ولغيره من المواطنين الذين ظلموا بهذا المنع من السفر، من دون تخصيص القضايا العامة . رئيس البرلمان لا ينبغي أن يتكلم في مسائل شخصية، فهو يتكلم باسم الشعب ويسعى الى مواجهة الأخطاء والتحديات والمظالم التي سادت في النظام السابق. كما شاهدنا فساد بعض أعضاء البرلمان الاسلاميين المالي والأخلاقي، مثل البلكيمي والداعية البرلماني الشيخ علي ونيس. مما جعل بعض الناس من المواطنين يرون أن الفساد السياسي في عهد مبارك كان أيسر من الفساد الخلقي في عهد الاسلاميين .
وثالثا: فوجئت وفوجئ الشعب المصرى بالاعلان الدستوري الذي صدر في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، الذي يعطي في مادته الثانية صلاحيات قراقوشية أو فرعونية للرئيس المعزول، لم يسبقه بذلك حاكم ولا حتى الملك فاروق، تنص تلك المادة على الآتي:
المادة الثانية: الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات السابقة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة في 30 حزيران/يونيو 2012 وحتى نفاذ الدستور وانتخاب مجلس شعب جديد، تكون نهائية ونافذة بذاتها غير قابلة للطعن عليها بأي طريقة وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرض لقراراته بوقف التنفيذ أو الإلغاء وتنقضي جميع الدعاوى المتعلقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية’.
ورابعا: طبعا المادة الثانية المذكورة، معيبة جدا، وللأسف خرج الاخوان والاسلاميون في مسيرات وتظاهرات يدعمون تلك المادة الفرعونية التي ضمنها الرئيس المعزول في الاعلان كما ذكرناه من قبل. طبعا المشروع الاسلامي لا يمكن أن يكون مع الديكتاتوريات على الأطلاق، بل مع كامل الحريات، ونستطيع بسهولة أن نربط بين جزء من المادة 28 للإعلان الدستورى (اذار/مارس 2011) وبين جزء من المادة (2) من الاعلان الدستورى (نوفمبر 2012)، تلك الفترة التي تتحدث عن، قرارات نهائية ونافذة بذاتها غير قابلة للطعن عليها بأي طريقة وأمام أي جهة، كما لا يجوز التعرض لقرارتها بوقف التنفيذ أو الالغاء’. هذا نص يراد به أن يكون قطعي الدلالة قطعي الثبوت للأسف الشديد .
وبعد ذلك خرج الاخوان في مظاهرات تأييد للرئيس المعزول عندما اضطر الى تعطيل تلك المادة لتهدئة الشارع الذي اسشتاط غضبا. الاخوان للأسف الشديد لم يقدروا الواقع في الشارع تقديرا سليما، ولذلك ترددوا في القرارات سواء في مؤسسة الرئاسة أو حزب الحرية والعدالة أو مكتب الارشاد، وهذا يدل على سوء تقدير الواقع. ان قيادة الاخوان كانت تنظر الى ثورة 30 يونيو على اعتبار أنها: زوبعة في فنجان، وحتى بعد أن قامت تلك الثورة، نظروا إليها على أنها فوتوشوب، وان الاعداد الكبيرة التي خرجت تدعم دعوة ‘تمرد’، هي أعداد وهمية وخدعة التصوير أبرزتها بذلك الحجم.
خامسا: أشار المستشار محمد فؤاد جاد الله، في استقالته المسببة، وفي أول سبب منها الى أن استقالته من هيئة مستشاري الرئيس المعزول، جاءت لعدم وجود رؤية لدى الرئاسة. كم كانت تلك الاسباب مؤلمة، علما بأن المستشار جاد الله استمر مستشارا للرئيس المعزول لمدة 9 أشهر كاملة. وقد استقال (10) مستشارين من قبله، ومنهم الدكتور سيف عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية المحسوب على التيار الاسلامي، والمستشار خالد علم الدين ممثل حزب النور الاسلامي في الرئاسة، الذي بكى عند ذكر أسباب استقالته، وقالت الرئاسة ان عندها أسبابا تطعن في شخصيته وسلوكه، ولكنها لم توضح ذلك للشعب، وهنا تضيع الشفافية، وزدات بسبب تلك المواقف شكوك الشعب في الاسلاميين، وشعر المستشارون المستقيلون بالآسى لإهمال الرئاسة لهم فضلا عن صعوبة مقابلة الرئيس لبعضهم .
سادسا : شهد عهد مرسي مزيدا من القتل والسحل، خصوصا أمام الاتحادية وفي الاسكندرية والسويس، وطبعا في سيناء، خاصة قتل الجنود في رمضان الأسبق وهم يستعدون لتناول الافطار، وخطف بعضهم. ولم تكشف الرئاسة عن غموض تلك الاحداث والعمليات، رغم الوعود الكثيرة، وتصريحات الرئاسة عن الأيدي الخفية وراء تلك الأحداث والوقائع. كل هذه المظاهر كانت تدعوني الى رفض الفشل الكبير الذي تعرضت له مصر في عهد مرسي ولم يعجب هذا الاخوان ولم يقبلوا النقد ولا التقويم فكانت الكارثة. طبعا الحديث لم يكتمل بالحلقتين وقد نعود الى ذلك مرة أخرى لنستكمل الاجابة على سؤال الأخ الكريم الأستاذ محمود الخلفي الداعية بالسويد .
والله الموفق

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية