مما دفعني لكتابة هذه المحطات مجموعة من الاسباب الظاهرة والكامنة، يأتي في مقدمتها رسالة رقيقة جاءتني من الأخ الأستاذ محمود الخلفي، مدير مسجد استوكهولم بالسويد، وهو قيادي فاضل في الحركة الاسلامية في أوروبا، عرفته منذ أكثر من ثلاثة عقود منظما للندوات والمؤتمرات والمهرجانات، ومستقبلا الضيوف ومرحباً بهم، وساهرا على راحتهم، تقول الرسالة: ‘يبدو أن ما نسمعه ونقرأه عن أخينا وأستاذنا ومربينا الدكتور كمال الهلباوي، غير ما نعرفه عنه وتعلمناه منه. فهل من تنوير وتطمين لإخوانك وأحبابك وتلاميذك في السويد’، والرسالة ممهورة بـ (أخوك محمود الخلفي). الأدب في انتقاء كلمات الرسالة واضح، وكذلك القلق وبعض الأسى، وتشير الرسالة الى أن هناك ما يقال وما يشاع عني، في دوائر الحركة الاسلامية عموما في أوروبا، مما شوه الصورة غير ما كنت أقول به أو أعمله طوال أكثر من أربعين سنة مضت. سرَّني كثيرا أن هناك من ابناء وقيادات الحركة الاسلامية – رغم التشويه المتعمد – يريدون ان يستبينوا الحقيقة والواقع قبل أن يصدقوا ما يقال، مما لا يليق بالإنسان تصديقه، أو مما يشاع داخل صفوف الحركات الاسلامية عني، على اختلاف درجاتها وألوانها .
هذه الرسالة المهذبة، تقابلها رسالة أخرى أرسلها من يُطلق عليه وعلى موقعه المفكر الاسلامي، وهي واحدة من بين عشرات الرسائل التي أتلقاها يوميا، فيها للأسف الشديد سباب وتهديد وشتائم ولعن وبذاءة، وكلها لا تليق بمسلم، إذ المسلم نهاه القرآن عن أن يسب حتى الكافر ‘ولا تسبوا الذين كفروا فيسبوا الله عدوا بغير علم’.
وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ‘ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش ولا البذيء’. وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم هذا، ذكرني بحديث تلفازي بينى وبين الداعية صفوت حجازي أيام رابعة، فرج الله هم الجميع، قال صفوت حجازي ‘اللي هيرش مرسي بالمية هنرشة بالدم’، قلت له في الحوار إن ما أشرت إليه يا شيخ صفوت، يحمل شيئا من الجاهلية، وبعيد عن العدل والإنصاف الذي يدعو إليه الاسلام. سألني وكان مؤدبا جدا في الحديث: ماذا تعني؟ ماذا في هذا من جاهلية؟ قلت له، إن مرجع كل مسلم هو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. قال نعم وهذا صحيح. قلت له إن الله تعالى يقول: ‘وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين’، ثم جاءت الوصية بالصبر ‘واصبر وما صبرك إلا بالله ‘. قال لي صحيح ما تقوله، ولكن كلامي هو من امثال الفلاحين. قلت له: وأنا من أكثر الناس دراية بأمثال الفلاحين، وبعضها فيه جاهلية مثل: هنكيل له الكيل كيلين أو هنرد له الصاع صاعين. وهي تحمل من التهديد والوعيد للآخر الكثير، فضلا عن الاعتزاز الغاشم بالقوة، ثم ذكرت له ما قاله الشاعر في هذا المعنى
ونشرب إن وردنا الماء صفوا
ويشرب غيرنا كدراً وطينا
إذا بلغ الفطام لنا رضيع
تخر له الجبابر ساجدينا
فانصرف الرجل من الحوار بهدوء كثير وأدب شديد، تعجب منه حتى العاملون في قناة التحرير آنئذ. وسأترك تفسير ما وقع منه بعد ذلك من طريقة الهروب، وحديثه عن علاقته بالاخوان بعد فض اعتصام رابعة العدوية واعتصام النهضة الى القارئ .
أعتذر للقارئ عن ذكر الرسالة التي أشرت إليها من قبل المفكر الاسلامي، التي أرسلها لي من خلال موقعه الالكتروني، والتي تقول كلماتها نصَّا: المفكر الإسلامي الدكتور محمد عباس يكتب للخائن المنافق الهلباوي :
‘الدكتور كمال الهلباوي أرد لك خطابات المديح والإعجاب التي كنت ترسلها لي.. لم أرتح لك يوما.. أدركت منذ زمان بعيد أنك مفعم بذاتك وأنك غير صادق.. وأن الحقد الشخصي لعدم تولي منصب هو الذي يحركك فأفقدك كل شيء.. لعلك تذكر أنني عندما التقيتك – بعد خطاباتك لي – تصرفت كما لو كنت لا أعرفك.. ولعلي أوجه لك سؤالا: هل يجوز أن تكون خلية أمن الدولة هي القيادة الجديدة للإخوان.. أعرف أن كل الأحزاب تقريبا كذلك.. تقودها خلايا أمن الدولة.. وددت أن تكون أنت والدكتور محمد حبيب استثناء من السقوط.. الآن لا يبقى إلا هو.. ولا أظنه ينجو.. لا بارك الله لك في المهمة الجديدة في لجنة كتابة الدستور- أنت تنتظر أي مهمة منذ نحيت من الإخوان.. فاهنأ بمقعد يسر الشيطان أن تكون فيه.. ملحوظة: أنت تعرف جيدا أنني لست من الإخوان.. لكنني أقول كلمة الحق. وأخيرا لا سلام عليك ولا رحمة من الله ولا بركة ‘.
هذه هي رسالة المفكر الاسلامي الدكتور محمد عباس، أتركها للقارئ الذي يريد أن يتعلم آداب الاختلاف في الاسلام والاخلاق الحميدة. نعم كنت قد أبديت إعجابي ببعض مقالاته عن الفساد والمظالم أيام المتنحي مبارك، كما أظهرت إعجابي بمقالات عبدالحليم قنديل وعلاء الاسواني وكريمة الحفناوي وغيرهم، ومواقف الفيلسوف البرادعي والجمعية الوطنية للتغيير، وحركة كفاية، ومواقف كل المعارضة التي وقفت ضد مبارك وإفساده للحياة السياسية، وأن يكون رئيس مصر كنزاً استراتيجيا لاسرائيل. كانت هذه المقالات والمواقف من داخل الوطن وقودا لنا خارج الوطن، وقتما كانت المعارضة في الخارج لنظام مبارك تلقى عنتا شديدا ومطاردة، وكان لا يشارك فيها الاسلاميون إلا لماما. ولم تجد جبهة إنقاذ مصر، منذ أن تأسست في بريطانيا، مساعدة فاعلة من الحركة الاسلامية حتى في أوروبا، بل تنصَّل منها بعضهم. ودفع المسؤولون فيها ثمنا باهظا، خصوصا الدكتور أسامة رشدي والدكتور أحمد صابر، فضلا عن الفقير الى الله تعالى كاتب هذا المقال. وهنا سأذكر بعض الوقائع ومنها الحقائق التي شكلت موقفي الذي لا يرضى عنه بعضهم اليوم.
أولا: عدت من أيام الهجرة أو المنفى يوم 5/4/2011 بعد أقل من شهرين من قيام ثورة 25 يناير، التي اضطرت الرئيس الأسبق مبارك الى التنحي، ومرور الوطن بفترة انتقالية مؤقتة تحت حكم المجلس العسكري، انتهت في 30 يونيو 2012. كان الاخوان المسلمون على وفاق أكثر من الخلاف مع المجلس العسكري، الذي وقعت في عهده بعض الوقائع والأحداث المؤسفة، منها ماسبيرو وجرائم محمد محمود ومجلس الوزراء وتسميم المتظاهرين وسحل المرأة وكشف العذرية، وأحداث العباسية، وأخـــطـــرها تهريب الأمريكان، ولم يعترض الاخوان على ذلك، رغم بشاعته ورغم الثورة التي انسحبوا منها مبكرا كما قلنا .
ثانيا: شاركت من اليوم التالي لوصولي الى أرض الوطن الغالي في الثورة من ميدان التحرير حتى تستمر، وبدأت من خيمة في وسط الميدان، ألتقي الثوار الذين وصفهم الاخوان بالبلطجية بعد انصرافهم الى العمل السياسي، ومنه الانتخابات البرلمانية والشورى والرئاسية، وللأسف الشديد يتخلى الاخوان عن الميدان، وكأن الثورة حققت أهدافها ويصفون الثوار بأنهم بلطجية، خصوصا في حادثة محمد محمود الثانية، ووقائع مجلس الوزراء. شارك الاخوان في مليونيات قليلة عندما كانوا يضغطون بذلك على المجلس العسكري، أو رغبة في تحقيق أهداف جزئية أو موضوعية. وغضب الاخوان عندم قلت ردا على سؤال في الاعلام: لو أن الامام البنا كان حياً لما وسعه إلا أن يأخذ بطانية ويجلس في الميدان، ناصحاً ومشيراً وداعيا ومعضدا للثورة والثوار.
ثالثا: وثق معظم الشعب في الاسلاميين، خصوصا الاخوان وبعض السلفيين (حزب النور) فنجحوا في البرلمان والشورى، ثم ألغي أو أبطل البرلمان نتيجة حكم المحكمة الإدارية العليا بسبب أخطاء في تطبيق قانون الانتخابات .
رابعا: أيضا برزت ثقة الشعب في الاسلاميين بقيادة الاخوان في الانتخابات الرئاسية وتم اختيار الدكتور محمد مرسي رئيسا شرعيا للبلاد .
خامسا: بدأ العد التنازلي لشرعية حكم الرئيس وحزب الحرية والعدالة والاخوان بعد المئة يوم الأولى من حكم المعزول، بسبب عدم وفائه بالوعود التي وعد بها، وأهمها الملفات الخمسة من المرور والنظافة والطاقة والامن و….الخ .
وبدلا من أن يعتذر الرئيس والاخوان للشعب عن عدم الوفاء بالوعود لسبب حقيقي وليكن ثقل المسؤولية وشدة التحديات، خرج الرئيس المعزول يوم 6/10/2013 من مؤتمره بالإستاد يحدد للناس نسباً لتنفيذ الملفات الخمسة، بعيدة كل البعد عن الواقع، فازدادت كراهية قطاع عريض من الشعب للاخوان وللرئيس ولحزب الحرية والعدالة وللاسلاميين عموما. وهذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها الاخوان والاسلاميون، مؤسسات الدولة: جميعها من إعلام وقضاء وأزهر وكنيسة وشرطة وجيش، فضلا عن قطاع عريض من الشعب الذين دعموا مرسي من قبل (وللحديث صلة) .
والله الموفق
‘ كاتب مصري