الاحتلال معها يصبح أكثر تزويقا واشد خطورة
الصرعة الجديدة عاودت الظهور علينا من معقل العدالة. أهارون باراك برهن علي قدراته الفذة في هذا المجال في اسبوع واحد. قراراته الأخيرة التي كانت كلها حول الاحتلال أظهرته تماما وفق صورته التي ظهر عليها خلال الـ 11 عاما التي ترأس فيها المحكمة العليا: ليس له مثيل في التهام الكعكة وإبقائها كاملة في نفس الوقت. باراك يجسد دفعة واحدة حلم الاسرائيليين كلهم. هو مثلهم تماما يرغب في الظهور بمظهر الصادق العادل، وفي نفس الوقت لا يمس بـ الأمن، دين الدولة غير الرسمي، هذه الدولة التي تطلق النار وتبكي، محتل حضاري متنور لباراك.
ولكن صرعات باراك اللغوية وعباراته المنمقة وكلماته العالية لا تنجح في تغطية الحقيقة المرة: كان من الأفضل لو قُبلت هذه الالتماسات. الاستنتاج المحزن هو أن من الأفضل لدعاة حقوق الانسان أن يتوقفوا عن التوجه الي المحكمة العليا. حقيقة توقيع الرئيسة القادمة ونائبتها علي عدد من هذه الالتماسات تضمن عدم تغير شيء في المستقبل ايضا في محكمة عدلنا العليا.
في نهاية هذا الاسبوع القضائي الخصب حظي الاحتلال الاسرائيلي بتعزيز هام لقوته من خلال الشرعية الواسعة التي منحتها المؤسسة الأكثر اعتبارا واحتراما في المجتمع الاسرائيلي، والتي وصل اسمها للبعيد، لجوره وظلمه. الاغتيالات ستتواصل بكامل عنفوانها، وضحايا الاحتلال لن يحظوا بالتعويض تقريبا، والجدار الفاصل سيُستكمل وفق المخطط. لن يتغير أي شيء في واقع الاحتلال القاسي إثر قرارات العليا، ولكن الجور والظلم سيكتسي بشرعية قضائية. الجيش الاسرائيلي الذي يقوم بالتصفيات بلا أي عراقيل شيء، والجيش الذي يُصفي بموافقة محكمة العدل العليا شيء آخر أكثر مرارة. احتجاج اليمين علي هذه القرارات ما هو إلا تمثيل ومماحكة، والحقيقة هي أنه يجب أن يكون راضيا جدا منها.
آخر هذه القرارات هو أخطرها. قرار السماح بالاغتيالات الذي ارتبط باسم باراك سيبقي مُدويا لسنوات طويلة. المحكمة أضفت الشرعية علي عمليات الاعدام، والقيود التي فرضتها علي هذه العملية ليست إلا كلمات فارغة بلا مضمون. هذه طريقة قتالية بائسة كانت تهدف في البداية الي احباط القنابل المتكتكة، وتحولت فيما بعد الي روتين يومي، لتفقد كل كوابحها. 339 فلسطينيا قُتلوا بهذه الطريقة منذ بداية الانتفاضة الحالية.210 منهم فقط كانوا هدفا موجها ـ مع وجود شك في الأساس الذين أصبحوا فيه هدفا للاعدام ـ والباقون كانوا من العابرين الأبرياء. عقوبة الموت بلا إعدام مع قائمة تصفيات ووحدات موت، ومع ذلك تأتينا محكمة العدل العليا لتقول لنا: كانت هناك معلومات راسخة مدعومة ومقنعة وقوية حول هوية (المستهدف للاغتيال) وأعماله.
ومن الذي يقرر هذه المعادلة المشروطة؟ الشاباك. ومن الذي سيراقب العملية ويشرف عليها؟ من ينفذونها. بدلا من قول أمور واضحة وجريئة مثل القول أن التصفية مشروعة فقط عندما يكون المخربون في طريقهم الي العملية، أبقت العليا علي وضع غامض كارثي كعادتها، ودحرجت المسؤولية الي الجيش و الشاباك. هل انتظرنا خمس سنوات من اجل ذلك فقط؟ فقد كان بمقدور العليا أن تقرر ذلك قبل مدة من الزمن، ولم تكن هناك حاجة لكل هذا التأجيل.
العليا تتحدث بكلمات عالية ايضا عن حقيقة أن القانون الدولي ينطبق علي هذا الصراع. ولكن هذه المحكمة لم تتطرق بتاتا الي الخروقات اللامتناهية لهذا القانون، من المستوطنات مرورا بالأسري وانتهاء برفض اسرائيل تحمل مسؤولية حياة المواطنين الرازحين تحت احتلالها ـ كل ذلك هو اختراق فاضح وفظ للقانون الدولي. كيف حدث أن محكمة العدل العليا لم تحدد موقفها أبدا من قانونية المستوطنات، مثلا؟.
محكمة العدل العليا برهنت مرة اخري علي انها تُصاب بالفزع في كل قضية وموقع يوجد فيه احتمال لتسبب قراراتها بتغيير الواقع. هذه المحكمة عرفت ايضا عندما ألغت قانون الانتفاضة ان أمرا لن يتغير علي الارض. احتمالية فوز فلسطيني بتعويض من الدولة علي الجرائم المرتكبة ضده شبه معدومة تقريبا. مريا آمن التي قُتلت أمها وأقاربها في عملية اغتيال فاشلة في غزة، وُلدت في الشهر الخامس مشلولة في كل أرجاء جسمها، تستطيع ان تحلم بالتعويض فقط لانها أُصيبت هي وعائلتها في عملية حربية أضفت عليها محكمة العدل العليا طابعا شرعيا. علي القائد العسكري ان يدافع عن حقوق الانسان، كتب باراك في قرار آخر له، الذي كان قد أضفي الشرعية علي السور الذي يقطع حي الرام، مختصرا بدفعة واحدة اهتمامه وعمله من اجل الحفاظ علي حقوق الانسان المهضومة في المناطق. القائد العسكري سيحافظ علي حقوق الانسان؟ هل يوجد تناقض أكثر من ذلك سخافة في ظل الواقع السائد في المناطق؟.
المحكمة العليا ستعمل منذ اليوم من دون اهارون باراك. هذه المحكمة ستستمر في التصرف وفقا لميراثها وتركتها التي تضفي الشرعية القانونية علي كل المظالم والتجاوزات في المناطق، وسيكون بامكان باراك ان يظهر في البلاد والعالم كداعية للعدالة والصدق. ولكن في أحد الايام سيدوي السؤال بكل قوته: أين كانت محكمة العدل العليا عندما حدث كل ذلك؟ وأين كان اهارون باراك؟ لا، هو لم يكن مراقبا، بل كان شريكا كاملا.
جدعون ليفيمراسل مختص في حقوق الانسان(هآرتس) 17/12/2006