أبراهام تيروش
أذكر تلك الغمزة إياها جيدا، كان هذا عندما بدأ النشاط البرلماني لمحافل في اليمين لتغيير القانون بشكل يسمح للقاضي آشر غرونيس بتولي رئاسة المحكمة العليا. قلت لاحد النواب الذين عملوا من أجل التغيير إنه اذا كانوا يعلقون على غرونيس أملا في أن يحول العليا من يسارية حسب فهمهم الى يمينية، فانهم يخطئون خطأ جسيما. قد يكون محافظا من ناحية قضائية، ولكن ليس بالضرورة يمينيا. بالتأكيد ليس من يخضع القانون من أجل اليمين. جواب النائب كان غمزة مضاعفة، بمعنى: اعتمد علينا، نحن نعرف ما الذي نفعله. يوم الاحد محت الصفعة القانونية التي تلقاها اليمين من الرئيس غرونيس ومن زميليه في الهيئة، القاضيين مريم ناؤور وسليم جبران، الغمزة اياها. بضربة واحدة ـ رفض اتفاق بيغن ـ تحول الثلاثة، وعلى رأسهم غرونيس ‘اليميني’، على لسان الناطقين اليمينيين إلى من ‘استسلموا لضغط اليسار المتطرف’ وجماعة ميرتس، مواصلي طريق باراك وبينيش. وهم، القضاة، بالاجمال ‘استسلموا’ للقانون، كما يفترض بهم. يجدر التركيز على الموضوع. محكمة العدل العليا لم تقرر يوم الاحد الامر باخلاء ميغرون. قررت أنه يجب تنفيذ القرارات ـ الاوامر السابقة الصادرة عن محكمة العدل العليا وتعهدات الحكومة ـ التي اعترفت بان ميغرون اقيمت على وجه غير قانوني على أرض خاصة ـ باخلاء المستوطنة. ومهما بدا الامر سخيفا فان محكمة العدل العليا قررت بانه يجب تنفيذ قرارات المحكمة. ‘واجب التنفيذ ليس موضوعا اختياريا’، قضت القاضية ناؤور.
في الاقتراح الذي طرح لتأجيل تنفيذ الاخلاء بثلاث سنوات ونصف، بناء على اتفاق بيغن، لم يرَ القضاة الثلاثة خضوعا للقانون ولقرارات محكمة العدل العليا، بل مسارا للتملص منها. وقد مل القضاة على ما يبدو التسويف والمناورة من جانب الحكومة والمستوطنين في قضية ميغرون، التي تستمر منذ اكثر من خمس سنوات والاستخفاف بالمحكمة. فالقضاة لا يصدقونهم، والثلاث سنوات ونصف هي دعوة لمزيد من الاحابيل والتملصات. يكفي تسويفا، قال القضاة، والنهاية للمناورات. من يريد أن يخلي المستوطنة بالتوافق، وليس بالقوة، فليتفضل بالتقدم بجدول زمني اقصر لعدة أشهر، يشهد على نية حقيقية لعمل ذلك. في قرارها زرعت محكمة العدل العليا، دون عمد، عبوة ناسفة جانبية سياسية شديدة الانفجار في طريق الحكومة، وهذه تهدد بالانفجار واسقاطها. لا تحسدوا نتنياهو. بالنسبة له هذا وضع ‘الويل لي من نوازعي والويل لي من نتائج أعمالي’. فهو يقف امام امكانيتين، وكلتاهما اشكاليتان من ناحيته: تجاوز قرار محكمة العدل العليا من خلال قانون يرتب بأثر رجعي قانونية المستوطنات التي اقيمت على أرض خاصة؛ أو إخلاء ميغرون حتى الاول من آب كما يفترض أمر محكمة العدل العليا والتهيئة في هذا الزمن القصير ـ هذا ممكن ـ لمكان استيطاني موقت جدير للمخلين حتى بناء ميغرون الجديدة. الامكانية الاولى، التي يحاول نواب من اليمين الان دفعها الى الامام، سيئة ومرفوضة. مشكوك أن تكون هي على الاطلاق دستورية في سعيها لان تلغي قرارا قضائيا مطلقا. فضلا عن ذلك، فان قانون تسوية كهذه سيشكل خلطة اخرى، فظة على نحو خاص، ضد محكمة العدل العليا. ولم نتحدث بعد عن الضرر السياسي الهائل الذي سيلحق بمكانة وصورة اسرائيل في العالم، واللتين على أي حال اشكاليتان منذ الان. ينبغي الأمل والصلاة في أن يكون نتنياهو وحكومته يفهمان بالفعل الجنون الكامن في مثل هذه الخطوة، والذي لا يمكن حتى لحكومة بيبي ان تسمح به لنفسها. بيني بيغن لا بد يفهم. الامكانية الثانية، تنفيذ أمر محكمة العدل العليا بالاخلاء السريع، هو الطريق الصحيح. اذا كان المستوطنون صادقين في موافقتهم على الانتقال الى تلة مجاورة ‘مشروعة’، فليثبتوا ذلك بالتعاون الذي يمنع الاخلاء بالقوة. سياسيا، هذا ليس بسيطا. فالمحافل الكفاحية في الليكود تهدد منذ الان بان تعاقب في الانتخابات التمهيدية من يكونوا شركاء في مثل هذه الخطوة، ونحن قريبون من الانتخابات. مثل هذه الخطوة من شأنها ان تؤدي حتى الى اسقاط الحكومة. هنا أيضا ينبغي الامل والصلاة في أن يقف نتنياهو ووزراؤه في وجه هذه التهديدات ويفهموا بان هذا هو الطريق، ولا شيء غيره.
معاريف 29/3/2012