واشنطن ـ «القدس العربي»: على الرغم من نزع رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر فتيل المواجهة المميتة بين مؤيديه والفصائل الشيعية المتحالفة مع إيران، إلا أن الخلاف الكامن لا يزال قائماً ولا يمكن إصلاحه، وفقا للعديد من المحللين الأمريكيين الذين حذروا، أيضاً، من أن العنف قد يندلع بسهولة مرة أخرى وقد يتصاعد إلى صراع أوسع.
وأشارت شبكات تلفزيونية أمريكية إلى أن الاشتباكات لم تفاجئ الكثير من العراقيين، فقد كانت البلاد غارقة في الاضطرابات السياسية منذ الانتخابات الوطنية الأخيرة في تشرين الأول/أكتوبر 2021.
وكانت حركة الصدر السياسية القومية، التي تعارض إيران والغرب، فازت بأكبر عدد من المقاعد النيابية في التصويت، حيث حصلت على 73 مقعداً من إجمالي 329 مقعداً، ولكن الحركة فشلت في الحصول على أغلبية الثلثين المطلوبة لتشكيل حكومة جديدة من طرف واحد، كما رفضت الحركة التفاوض مع «الإطار التنسيقي» وهو تحالف من الأحزاب الشيعية المتحالفة مع إيران، من أجل تشكيل حكومة واحدة.
وأمر الصدر جميع أعضاء كتلته في البرلمان بالاستقالة احتجاجاً على عدم القدرة على تشكيل حكومة، ومنح الضوء الأخضر لاحتلال البرلمان وعرقلة الجلسة المقبلة للمجلس التشريعي، وقال إنه ينبغي حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة.
وعلى النقيض من القادة الشيعة في البلاد، عارض الصدر الغزو الأمريكي عام 2003 منذ اليوم الأول، وبعد وقت قصير من وصول القوات الأمريكية، أعلن الحرب على أمريكا، وقد قُتل بالفعل العديد من الجنود الأمريكيين على يد جماعة الصدر، وقد رأى العديد من العراقيين في الصدر بطلاً وقائداً يفعل ما يفعله قادتهم في مواجهة المحتل الأجنبي.
وبالنسبة لواشنطن، لا أحد يعلم ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على فعل أي شيء لتجنب هذا السيناريو، ولكن الحقيقة هي أنها لم تفعل أي شيء لمنعه.
وفي الواقع، قام مسؤولان فقط من وزارة الخارجية الأمريكية خلال تسعة أشهر من الصراعات التي أعقبت الانتخابات بزيارة العراق، وهذا الغياب من قبل إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ليس مصادفة، فقد كانت النية هي «السماح للعراقيين بتنفيذ الأمر» على حد تعبير العديد من الخبراء.
ووفقا لبيان صادر عن البيت الأبيض، اطلعت «القدس العربي» على نسخة معتمدة منه، فقد أشاد الرئيس جو بايدن بأداء القوات الأمنية العراقية، وقدم تعازيه لأسر الشهداء في المعارك الأخيرة، ودعا بايدن خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي جميع القادة العراقيين إلى الانخراط في حوار وطني لصياغة طريق مشترك للمضي قدماً بما يتفق مع الدستور العراقي والقوانين.
وحسب البيان، فقد قدم بايدن دعمه الكامل لجهود الكاظمي لتهدئة التوترات في المنطقة من خلال الحوار والدبلوماسية.
وأشارت تحليلات أمريكية للوضع في العراق إلى أن الانقسام بين التيار الصدري وأنصار نوري المالكي، رئيس ثاني أقوى فصيل شيعي في العراق، قد وصل الآن إلى نقطة اللاعودة، ما يعني تقلص الأمل في قيام حكومة مستقرة في المستقبل القريب، على الرغم من محاولات تخفيف التوتر الذي أشعل فتيل العنف.
وأشارت صحف أمريكية، من بينها «واشنطن بوست» إلى أن «العنف والاحتجاجات وزعزعة الاستقرار هي قواعد اللعبة الآن في العراق» وقال العديد من المحللين إن العنف في العراق أصبح أداة للتفاوض للحصول على العديد من التنازلات.
وهناك القليل من الأدلة على أن أطراف النزاع في العراق يريدون حقاً تسوية الخلافات فيما بينهم، وتلوح في الأفق احتمالات اشتباكات جديدة، والخاسر الأكبر سيكون الدولة، التي تقف مكتوفة الأيدي.
وأكد العديد من المحللين إنه من غير المتوقع حدوث أي إصلاحات كبيرة أو جادة في العراق على الرغم من التوترات الأخيرة، وقالوا إن «تعليق التوترات» هو تأجيل للمشكلة في البلاد.
وحسب صحيفة «واشنطن بوست» فإن النظام في بغداد، بطبيعة الحال، هو إرث من الغزو والاحتلال الأمريكي والنفوذ الإيراني المتغطرس، الذي وجد طريقه إلى السلطة بعد الإطاحة بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
وعلى أي حال، يبدو تقاعس إدارة بايدن فيما يتعلق بالعراق في الفترة الحالية غير مفهوم، في بلد لديه مكانة استراتيجية جيوسياسية.
وبالنسبة للعديد من المراقبين في واشنطن، فإن للولايات المتحدة الحق في القلق من الخلل السياسي المتناهي والفساد المستشري في العراق، ولكن التهديد الذي تخشاه أمريكا من اضطرابات العراق يتمثل في حدوث أزمة طاقة متصاعدة في العالم أو ارتفاع أسعار البنزين في محطات الوقود الأمريكية على وجه التحديد قبل انتخابات التجديد النصفي إضافة إلى الخوف من تصاعد نفوذ إيران في البلاد.