واشنطن-“القدس العربي”:تختلف محاكمة مساءلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن غيرها من المحاكم السابقة للرؤساء، الذين واجهوا الإقالة، حيث نشر هؤلاء جميع الوثائق التي في حوزتهم، بشكل طوعي أو من خلال قرار من المحكمة، ولكن ترامب يرفض تسليم الوثائق.
ويبدو أن زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين، لا يبالي من حقيقة أنه متحيز، لدرجة أنه كان يتحدث بدون أن يقدم ذريعة للنزاهة، ولكن المشكلة الحقيقية هي أنه أعلن براءة ترامب قبل تقديم الأدلة على إدانته، ما يدعو إلى السخرية من مجمل الإجراءات.
وخلال التماسات ما قبل المحاكمة، صوت الجمهوريون ضد اقتراحات المدير الديمقراطي في مجلس النواب بدعوة الشهود، الذين كانوا شهود عيان بشكل مباشر على إساءة استخدام ترامب للسلطة، كما تم رفض السماح بجلب الوثائق من وزارة الخارجية والبيت الأبيض ومكتب الإدارة والميزانية والبنتاغون.
ورفض ترامب في خطوة غير مسبوقة السماح لأي شخص من السلطة التنفيذية بالإدلاء بشهادته، وتسليم حتى وثيقة واحدة على الرغم من أن الدستور الأمريكي واضح للغاية بتمتع مجلس النواب بسلطة المساءلة.
ومن المؤكد، حسبما ذكر الخبراء، أن الأمر لا يرجع إلى الرئيس الذي تم عزله من قبل مجلس النواب، وتتم محاكمته من قبل مجلس الشيوخ لتقرير ماهية الإجراء، ومع ذلك، هكذا تصرف ترامب.
وواصل فريق دفاع ترامب خلال الطلبات السابقة للمحاكمة الحديث عن ضرورة “حماية الرؤساء في المستقبل” وتعامل ترامب وفريقه على أساس أن هناك نوعا من الامتيازات الخاصة، بما في ذلك حق الشهود في عدم الجواب على أسئلة محددة، وذهب ترامب إلى أبعد من ذلك، حيث قال إن الشهود الذين يرفضون الإدلاء بشهادتهم يجب ان يتمتعوا بحصانة مطلقة من المسؤولية المدنية والجنائية.
ووفقا لرأي العديد من القانونيين، فإنه لم يتم أبداً تأييد هذا المبدأ الشامل المتمثل في الحصانة المطلقة من قبل المحكمة، ولكن ترامب استخدم ذلك، وما زال في محاكمة مجلس الشيوخ كوسيلة لرفض السماح للشهود بالإدلاء بشهاداتهم أو تقديم الوثائق.
واستتنتج المحللون أنه لن تتم إدانة ترامب في مجلس الشيوخ، بسبب الأغلبية الجمهورية المؤيدة للرئيس، وجادل خبراء أن المساءلة كانت أضعف قضية يمكن رفعها سياسياً ودستورياً، لذا برزت أسئلة بشأن لماذا لم يُقدم الحزب الديمقراطي في الدعوى سلوكيات ترامب الأخرى المثيرة للشك؟ وعلى حد تعبير المعلق الأمريكي ماركوري كوهن، فقد شارك ترامب في سلوك لا يُطاق خلال السنوات الثلاث من رئاسته.
وقد حدد المحقق الخاص روبرت مولر عشرة أسباب مختلفة لعرقلة العدالة، ولكنه في خطوة مفرطة في الحذر، لم يختتم تحقيقاته باستنتاجات صارخة تدعو لعزل ترامب، ولكنه ركل الكرة في مرمى الكونغرس، وحسب رأي العديد من المحللين، فقد كانت هناك حاجة لاستدعاء شهود في تحقيق مولر، وكان يمكن إثارة سوء المعاملة المالية، وكان يمكن لرئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي عدم تجاهل بعض الشكاوي بسبب الحجة المتوقعة من الطرف الأخر بأنه لا يمكن شرح كل شيء فيما يتعلق بالأمن القومي.
ومن المثير للاهتمام، أن العديد من السياسيين، بمن فيهم السيناتور الجمهوري جون كينيدي (لويزيانا) قالوا إنهم يعتقدون أن تسعة من كل عشرة أعضاء في مجلس الشيوخ سيخبروك بأنهم لم يقرأوا نص جلسات مجلس النواب، والعاشر “يكذب عليك”.
وبالنسبة للمراقبين، هذا بيان مذهل للغاية بشأن محاكمة عزل رئيس للولايات المتحدة، وقالوا إن من المثير للغضب تجاهل الأدلة والحقائق، ولكن الشيء المثير حقاً للاهتمام هو هدوء أعضاء مجلس الشيوخ خلال ستة أيام بينما يرفع مدراء مجلس النواب قضيتهم.
هذا الهدوء يعني أن أعضاء مجلس الشيوخ، وغالبيتهم من الجمهوريين، لن يغيروا رأيهم في تأييد ترامب، وكأنهم جنود مشاة، وبالنسبة إلى الديمقراطيين، هناك غياب تام للضمير من الجانب الجمهوري، وبالتالي حالة من انعدام النزاهة.
وفي الواقع، ينظر العديد من المحامين في النقابة الوطنية الأمريكية إلى محاكمة الإقالة هذه كأزمة دستورية، وهناك اعتقاد أن مجلس النواب لم يكن لديه أي خيار عقب اندلاع فضيحة اوكرانيا إلا المساءلة من أجل الدستور والتاريخ، بغض النظر عن أخذ الانتباه بعيداً عن مشاكل هامة مثل الرعاية الصحية والتعليم والعنصرية، في حين حاول فريق الدفاع عن ترامب النقاش بإن المساءلة هي محاولة للتراجع عن نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2016.
الديمقراطيون من جانبهم، استغلوا النقاش في محاكمة عزل ترامب لرسم صورة مظلمة لرئيس يضع مصالحه الخاصة فوق مصالح البلاد، وخيانة مكتبه في هذه العملية، وعلى سبيل المثال، قال النائب آدم شيف (كاليفورنيا) إن ترامب أساء سلطته كقائد أعلى وكبير للدبلوماسيين لإفادة نفسه، وخان مصالح الشعب الأمريكي عندما فعل ذلك”.
وحث مديرو المساءلة الديقراطية مجلس الشيوخ على اتخاذ خطوة أكثر تشدداً، وإقالة ترامب من منصبه، وقال النائب جيرود نادلر، رئيس اللجنة القضائية بمجلس النواب، إن الدستور ليس معاهدة انتحارية، وأضاف أن الدستور لا يترك الرؤساء الذين يسيئون استخدام سلطتهم بطرق غير متوقعة تهدد المن والديمقراطية.
الأيام المقبلة ستشهد معركة صاخبة بين فريق الدفاع عن ترامب ومدراء المساءلة، لكن الطرف الديمقراطي استخدم وقته في مجلس الشيوخ لمكافحة خط الهجوم بشكل استباقي، بما في ذلك الزعم بأن ترامب لم يهاجم بايدن، على وجه التحديد، ولكنه كان يسعى فقط إلى القضاء على الفساد عموما، من أجل حماية دافع الضريبة الأمريكي.
وكجزء من هذا الجهد، أبرز المدعون الديمقراطيون محاولات ترامب لإضفاء المصداقية على الادعاءات التي لا أساس لها أن أوكرانيا، وليس أوكرانيا، قد تدخلت في انتخابات عام 2016 ولا بأس من التذكير أن ترامب قد خسر التصويت الشعبي للفوز بالبيت الأبيض، وسعى إلى التقليل من دور روسيا في هذه العملية.