سياسة ترامب زادت الكيانات العراقية المدعومة إيرانيا
واشنطن-“القدس العربي”: تأثرت علاقة واشنطن ببغداد إلى حد كبير بجهود إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، لاحتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، على مدى السنوات الأربع الماضية، وخاصة العقوبات القاسية التي تم فرضها على طهران كجزء من حملة “الضغط الأقصى” على مدى العامين الماضيين.
وتصاعدت التوترات بشكل حاد بعد اغتيال الجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني قرب مطار بغداد، مع إطلاق الميليشيات العراقية الموالية لإيران عشرات الصواريخ على القواعد العسكرية الأمريكية في العراق، مما أدى إلى إصابة أكثر من 100 جندي بإصابات دماغية.
وعلى الرغم من تهديد وزير الخارجية، مايك بومبيو، بإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد، إلا أنه لا توجد خطة نهائية لذلك، وقد وعد ترامب مراراً بإعادة القوات الأمريكية إلى الوطن ولكنها، في الواقع، على الرغم من بعض عمليات الانسحاب، لا تزال عند نفس المستويات التي كانت عليها خلال نهاية إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما.
ولاحظ العديد من المحللين أن العراق كان على وشك هزيمة تنظيم “الدولة” عندما أصبح ترامب رئيساً للولايات المتحدة، ومع مغادرته منصبه، يتجه العراق مرة أخرى نحو مأزق جديد.
وهناك توقعات في واشنطن وبغداد بأن الرئيس المنتخب، جو بايدن، سيتخذ سياسات مماثلة تجاه العراق مثل إدارة ترامب، وتأكيدات غير رسمية بأنه لن يغير بشكل جذري نهج واشنطن تجاه بغداد، ولكن سيتم التكيف مع بعض الحقائق الجديدة على الأرض.
ومن المستبعد أن يدفع بايدن باتجاه عودة تقسيم العراق على أسس طائفية، وهو طرح أصاب العديد من السياسيين في الحكومات العراقية المتعاقبة بالذعر، وكان بايدن قد كتب مقالاً في عام 2006 دعا فيه إلى لا مركزية العراق على أسس عرقية وطائفية، ومنح السنة والشيعة والأكراد مساحة لإدارة شؤونهم الخاصة مع ترك الحكومة المركزية في بغداد لرعاية المصالح المشتركة.
كما أشار العديد من المحللين إلى أن بايدن معروف جيداً لجمع القادة العراقيين، الذين التقوا به عدة مرات، ورأوا أن تعهد بايدن بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران هو أمر إيجابي بالنسبة للعراق، إذا أن سياسة ترامب العدوانية قد أدت في واقع الحال إلى زيادة الدعم للجماعات المدعومة من إيران، والتي بدورها قامت بتصعيد في الساحة الداخلية بهدف الضغط على الإدارة الأمريكية.
وتتشابك العلاقات الأمريكية-العراقية إلى حد كبير مع المسألة الإيرانية، وقد وصلت الأمور في بعض الحالات إلى حد الانزلاق، وعلى سبيل المثال، قُتل أبو مهدي المهندس، نائب قائد الحشد الشعبي، في الغارة التي قتلت الجنرال الإيراني سليماني، ودفع الحادث العلاقات إلى مسار تصادمي، وبالإضافة إلى ذلك، تمتد العقوبات المفروضة على طهران إلى شخصيات عراقية وكيانات محلية موالية إيران.
وأشار محللون إلى أن سياسة إدارة ترامب تجاه العراق كانت تصل إلى حد وصفها بأنها مجرد “ملحق” للسياسة الأمريكية تجاه إيران، وقالوا إن إدارة بايدن قد تكون أكثر انخراطاً.
سياسة بايدن تجاه العراق ستكون مختلفة
ولا يمكن استبعاد إرث بايدن في العراق عند الحديث عن علاقة إدارته المقبلة مع البلاد، إذ أثار تاريخ الرئيس المنتخب مع العراق الكثير من الجدل واللغط، خاصة أثناء حملته الانتخابية، حيث صوت بايدن لصالح قرار أدى إلى الغزو الأمريكي للعراق عندما كان رئيساً لمجلس الشيوخ كما لعب دوراً رئيسياً في سحب 150 ألف جندي أمريكي من العراق في عام 2011 عندما كان نائباً للرئيس السابق أوباما، ولكن العديد من المحللين قالوا إن سياسة بايدن تجاه العراق ستكون مختلفة لما تصوره خلال إدارة أوباما أو قبل ذلك.
وعلى الجانب الآخر، أشار نقاد إلى أن تعيين بايدن لشخصية مثل بريت ماكغورك كمنسق لشؤون الشرق الأوسط ليست علامة جيدة، إذ أن الرجل، وعلى الرغم من خبرته الكبيرة في رئاسات بوش وأوباما وترامب، إلا أن هناك علامات استفهام كبيرة حول مدى صحة نهجه، وعلى سبيل المثال، دعم ماكغورك خلال إدارة بوش وبعد ذلك خلال إدارة أوباما رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي على الرغم من أن سياسته الطائفية لعبت دوراً رئيسياً في صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا، وبشكل عام، لم يساعد دوره في العراق وسوريا على رفاهية الشعوب.
وعلى النقيض من تهديد ترامب بإبعاد السفير الأمريكي عن بغداد سيتطلع بايدن إلى تطبيع العلاقات مع العراق ووضع سياسة أكثر شمولاً تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد محاربة النفوذ، وفقاً لمجموعة مختلفة من المحللين، الذين أشاروا، أيضاً، إلى أنّ من أهم تحديات السياسة الخارجية لبايدن هو المساعدة في حل المشكلات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تهدد العراق.
وعلى حد تعبير بعض الخبراء، فإنه لسوء الحظ، قد تكون أزمة العراق المقبلة هي أول مشكلة جادة في السياسة الخارجية عليه أن يواجهها، وقالوا إن العراق يتجه إلى الانهيار المالي، وفي حالته الهشة، من المرجح أن يؤدي الانهيار الاقتصادي إلى انهيار النظام السياسي، مما يعني دورة جديدة من الحروب الداخلية.
وأشار المحللون إلى أن الفساد، الذي ساد في البلاد على مدار العقدين الماضيين، قد خلق مشكلة ذات رأسين، حيث تدير بعض الأحزاب السياسية وزارة واحدة أو أكثر في ظل حكومة ضعيفة، ولم تكن هذه الإدارة لصالح البلاد بل آلة فساد من المحسوبيات لامتصاص عائدات النفط من الخزينة وتوزيعها على فئات محددة.
وتوقع المحللون أن تبدأ المشكلة بالظهور إذا فشلت الحكومة في دفع رواتب موظفي الدولة، ولذلك يجب أن تسارع إدارة بايدن المقبلة مع المجتمع الدولي لدعم بغداد قبل فوات الآوان، علماً بأنه لا يوجد الكثير من البدائل لوظائف القطاع العام.