ستتأثر بارتفاع اسعار الغذاء وعجز الميزانية وعجز الميزان التجاري وميزان المعاملات الجاريةدبي ـ من أندرو تورشيا: يهدد العنف والاضطرابات في مصر بانزلاق البلاد إلى أزمة عملة وهو ما قد يؤدي إلى تراجع حاد في قيمة الجنيه المصري في الاشهر القليلة المقبلة ويدفع البلاد إلى فرض قيود على رؤوس الأموال.
وحتى قبل الاشتباكات التي اندلعت هذا الشهر بين قوات الأمن والمتظاهرين والتي سقط فيها 36 قتيلا على الأقل منذ يوم السبت الماضي كانت مصر تتجه إلى اضطرابات نقدية فالبنك المركزي يجاهد للحفاظ على استقرار الجنيه باستخدام احتياطياته من النقد الاجنبي التي تتراجع بحدة.
ومن المرجح أن تزيد هذه الاضطرابات – التي تثير الشكوك بشأن قدرة مصر على إدارة الانتخابات البرلمانية المقررة الاسبوع المقبل بسلاسة – من الضغوط على الاحتياطيات وقد تقرب البلاد من أزمة شاملة في الأشهر القليلة المقبلة بدلا من أواخر عام 2012 وهو الموعد الذي تنبأ بعض المحللين من قبل بأن يشهد ذروة الأزمة المتوقعة.
وقال فاروق سوسة كبير الاقتصاديين المختصين بالشرق الأوسط في سيتي غروب ‘حتى قبل هذه الأحداث كنا قلقين للغاية بشأن ميزان المدفوعات وتبدد الاحتياطيات’. وأضاف ‘العنف والضجيج السياسي سيبدد أي ثقة متبقية في الاقتصاد المصري وقد يؤدي في ظل الاوضاع الراهنة لتسارع خروج رؤوس الأموال’. وهبطت احتياطيات مصر الصافية بالعملة الأجنبية من نحو 36 مليار دولار في بداية العام إلى 22.1 مليار في تشرين الأول (أكتوبر) إذ أثار العنف وعدم التيقن السياسي اللذين صاحبا الإطاحة بالرئيس حسني مبارك موجة خروج جماعي للمستثمرين الأجانب والسياح.
وتراجعت الاحتياطيات 1.93 مليار دولار الشهر الماضي وهو أكبر تراجع منذ أبريل نيسان وفقا لبيانات البنك المركزي.
وتمكن البنك المركزي حتى الآن عن طريق امداد السوق بالعملة الأجنبية من الحفاظ على القوة الشرائية للجنيه والحد من الضغوط التضخمية في مواجهة فرار رؤوس الأموال. وأبقى البنك المركزي الجنيه مستقرا بشكل ملحوظ في نطاق بين 5.92 و5.99 جنيه للدولار منذ الإطاحة بمبارك.
لكن الضغوط على الجنيه تتزايد بوضوح وسط تكهنات في السوق بشأن متى ستنفد أموال البنك المركزي التي يستخدمها لمواصلة دفاعه. وتراجع الجنيه امس الثلاثاء إلى أدنى مستوى امام الدولار منذ يناير كانون الثاني 2005 . ويرى رضا أغا الاقتصادي المختص بالشرق الأوسط وشمال افريقيا في بنك ار.
بي.
اس أن الاحتياطيات كافية لتغطية الواردات المصرية لمدة أربعة أشهر ونصف الشهر لكن الاحتياطيات السائلة -وهي العملات والودائع والأوراق المالية التي يمكن تعبئتها بسرعة لحماية الجنيه- تبلغ نحو 16.1 مليار دولار أي ما يغطي الواردات لمدة 3.2 شهر وفقا لحساباته.
وكتب أغا في تقرير الأسبوع الماضي يقول ‘الاحتياطيات المصرية لم تصل بعد إلى المستويات المفزعة لكنها معرضة بشدة لخطر خروج رؤوس الأموال’. ويرى بعض المتعاملين أن السوق قد تشهد حالة فزع -إذ أن التوقعات بانخفاض قيمة العملة تدفع رؤوس الأموال للخروج بما يفوق تحمل البنك المركزي – إذا وصلت الاحتياطيات السائلة إلى ما دون تغطية الواردات لمدة شهرين.
وإذا تسببت الاضطرابات في تسارع تراجع الاحتياطيات عن معدله في أكتوبر نظرا لأن الاضطرابات تؤثر سلبا على إيرادات السياحة وتدفع المستثمرين الأجانب لبيع ما تبقى بحوزتهم من أذون الخزانة المصرية فمن المحتمل أن تحدث الأزمة بعد ثلاثة اشهر أو نحو ذلك.
وتخشى السوق الآجلة التي تستخدمها البنوك للتحوط ضد تقلبات العملة من الوصول إلى هذه المرحلة العام المقبل. فالأسعار هناك تشير إلى سعر صرف عند 6.15 جنيه للدولار خلال ثلاثة اشهر وإلى 6.62 جنيه للدولار خلال عام.
وتعكس سوق الاسهم كذلك الحالة القاتمة. فالمؤشر الرئيسي للبورصة الذي نزل 46 بالمئة هذا العام ارتفع 17 بالمئة في أكتوبر تشرين الأول لكنه تخلى عن أغلب هذه المكاسب في الاسبوعين الماضيين.
والمساعدات الدولية لمصر يمكن أن تكسبها وقتا غاليا وتبقيها في حالة جيدة حتى تجرى الانتخابات ويعود الاستقرار السياسي.
لكن مصر رفضت عرضا ببرنامج تمويل بقيمة 3.2 مليار دولار من صندوق النقد الدولي الصيف الماضي فيما يرجع جزئيا بحسب ما قاله مسؤولون في احاديث خاصة إلى الكرامة الوطنية. وقال وزير المالية في ذلك الوقت إن المجلس العسكري الحاكم في مصر لا يريد مراكمة الدين.
لكن التراجع الحاد في الاحتياطات أدى إلى إعادة النظر فقال وزير المالية حازم الببلاوي هذا الأسبوع إن مصر ستطلب رسميا من صندوق النقد البدء في التفاوض على برنامج يشبه الذي رفضته من قبل. وأشار الصندوق إلى أنه لن يفرض شروطا مشددة على القروض.
ولدى الحكومات الغنية في الخليج وفي المجتمع الدولي بشكل عام دوافع سياسية قوية للمحافظة على الاستقرار في مصر فقد تلقت البلاد من حيث المبدأ عروض مساعدات تفوق قيمتها الاجمالية عشرة مليارات دولار من قطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة ومصادر أخرى.
لكن التدفقات الفعلية للمساعدات تصل ببطء فيما يرجع جزئيا بحسب تكهنات المحللين للتوترات السياسية بين الحكومات في مصر ودول الخليج. وتلقت مصر حتى الآن مليار دولار لدعم الميزانية من السعودية وقطر وقالت الإمارات الشهر الماضي انها تعتزم تقديم ثلاثة مليارات دولار لكنها مازالت تناقش آليات التسليم.
ومن ناحية اخرى قد تحد ازمة الديون في منطقة اليورو وتباطؤ الاقتصاد العالمي من قدرة الصندوق والدول الغربية على مساعدة القاهرة. كما ان إراقة الدماء في مصر أو تأجيل الانتخابات قد يجعل من الصعب على الغرب من الناحية السياسية مساعدة الحكومة المصرية.
وقال انجوس بلير مدير البحوث في بلتون فايننشال في القاهرة إن هناك بعض العوامل الايجابية في مصر منها إيرادات قناة السويس وأعداد السياح وتحويلات العاملين بالخارج ساعدت البلاد كثيرا في ظل هذه الظروف.
لكنه قال إن الدولة مهددة على عدة جبهات منها ارتفاع اسعار الغذاء وعجز الميزانية وعجز الميزان التجاري وميزان المعاملات الجارية.
وتابع بلير ‘من الصعب على مصر معالجة كل هذه القضايا في وقت واحد لانها في مناخ عالمي غير موات.. ليس لأن العالم لا يريد مساعدة مصر لكن لأن هناك العديد من المشكلات الاخرى في العالم التي يتعين علاجها الآن’. واي تراجع حاد في قيمة العملة قد يرفع التضخم وهو أحد العوامل التي فجرت الاحتجاجات التي أطاحت بمبارك. وقال سوسة إن البنك المركزي يبدو عازما على الدفاع عن العملة على الاقل حتى نهاية يناير كانون الثاني وهو الموعد المقرر لنهاية انتخابات مجلس الشعب.
وقال بلير إنه إذا استمرت الضغوط على الجنيه في التزايد قد تفرض السلطات قيودا على رأس المال غير ان مسؤولين نفوا أي نية لذلك. وإذا لم ينجح ذلك قد تضطر مصر لترك الجنيه يتهاوى. ويتوقع سيتي جروب ان ينخفض الجنيه ما بين 20 و25 بالمئة في 2012. (رويترز)