تونس – «القدس العربي»: برزت في السنوات الأخيرة في تونس ظاهرة سياسية جديدة تتعلق بوجود «أحزب انتخابية» تضم مكونات سياسية متناقضة، يجمعها هوس السلطة وتفرّقها الميول والانتماءات المختلفة، وتسقط بعد أول اختبار سياسي.
ويأتي «نداء تونس» في مقدمة هذه الأحزاب، حيث نجح هذا الحزب بتركيبته التي تجمع بين النظام القديم واليسار والوسط والمستقلين، بالفوز في المركز الأول في الانتخابات البرلمانية السابقة بواقع 86 مقعداً، إلا أنه تشظى بعد الانتخابات إلى 6 أجزاء، بسبب الخلاف على السلطة، وانتهى به الأمر إلى الحصول على 3 مقاعد فقط في الانتخابات الأخيرة.
ويرى المؤرخ والمحلل السياسي د. عبد اللطيف الحنّاشي أن «لعنة» حزب نداء تونس قد تصيب الأحزاب المنشقة عنه، والتي تضم –بدورها- خليطاً غير متجانس قد يعجل باندثارها خلال السنوات القليلة المقبلة، مشيراً إلى أن هذا الأمر ينسحب أيضاً على الائتلافات الانتخابية (كائتلاف الكرامة مثلاً) التي «لا تمتلك أرضية سياسية وفكرية واضحة، وإنما التقت حول مجموعة من الأفكار ضد الممارسات السابقة، وبالتالي هم التقوا انتخابياً فقط وسيكون هناك اختلافات كبيرة بينهم مستقبلاً، وقد بدأ هذا الأمر فعلاً بين بعض الأطراف الفائزة في الانتخابات، فهناك اختلاف حالياً حول رئاسة الكتل البرلمانية، وقد يعزز هذا الأمر السياحة الحزبية التي برزت بشكل كبير في البرلمان السابق، فهناك من سيلتحق بكتل أخرى، لأنه مقتنع بذلك، وهناك من سيتم استقطابه عبر المال».
ويضيف لـ«القدس العربي»: «هذه الظاهرة يجب أن تتم معالجتها بالتعاون بين رئيس الجمهورية والبرلمان والأطراف السياسية الكبرى. ونأمل أن يصادق رئيس الجمهورية الحالي على قانون الانتخابات المعدّل، لأنه سيساهم في تنظيم الحياة السياسية بشكل كبير، وخاصة فيما يتعلق بالعتبة الانتخابية (الحد الأدنى من الأصوات التي تمكن من المشاركة في البرلمان) واستبعاد النواب الذين تلاحقهم قضايا فساد وحق عام وغيرها، فضلاً عن ضرورة معالجة موضوع النسبية (أكبر البقايا) والذي تسبب بالتشتت داخل البرلمان الحالي. كما أن البرلمان الحالي مطالب بالمصادقة على قانون للأحزاب يقطع مع التشريعات الماضية التي تسببت في الفوضى الحزبية التي تعيشها البلاد».
ويوضح أكثر بقوله: «هناك أحزاب ومستقلون حصلوا على مقاعد من أكبر البقايا. يعني بعض النواب لم يحصل سوى على 200 أو 300 صوت. هل هذه الأطراف تمثل الشعب التونسي حقيقة؟ ربما كان من الجيد اعتماد موضوع التمثيل النسبي في المرحلة الأولى من الانتقال الديمقراطي، ولكن بعد تسع سنوات من الانتقال الديمقراطي وتأسيس أغلب المؤسسات الدستورية، أعتقد أنه يجب التخلي عن موضوع النسبية حتى تُبنى الحياة السياسية على قاعدة جيدة. وهذا سيؤدي لوجود ثلاثة أو أربعة أقطاب سياسية كبرى في البلاد، وهو ما يعزّز التجربة الديمقراطية ويمتّنها ويطورها، وهو ما يمنع حدوث تناقضات غير معقولة تعرقل مثلاً تشكيل الحكومة بسبب اعتراض أطراف لا تحظى بأي تمثيل حقيقي داخل البرلمان. بمعن أنه علينا مراجعة القوانين السابقة بشكل جذري في المرحلة المقبلة، حتى تستجيب للمرحلة التي نعيشها حالياً».
ويضم البرلمان الحالي سبع كتل أساسية، تتصدرها حركة النهضة التي من المرجّح أن تحافظ على عدد نوابها (52)، إلا أن هذا الأمر قد لا ينطبق على أطراف سياسية أخرى كقلب تونس مثلاً الذي سرت شائعات في وقت سابق عن وجود استقالات داخل كتلته النيابية بسبب رفضه المشاركة في الحكم، فضلاً عن حزب رئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد، (تحيا تونس)، والذي جمّد –حتى الآن- عضوية 31 من قياداته السياسية، بسبب خلافات تتعلق بالمشاركة في الحكومة المقبلة.
ويفسّر الباحث والمحلل السياسي د. رياض الشعيبي تنامي ظاهرة الأحزاب الانتخابية في تونس إلى «تراجع المدارس السياسية في البلاد، فمثلاً حركة النهضة التي تمثل الإسلام السياسي والجبهة الشعبية التي تمثل اليسار الأيديولوجي وحركة الشعب التي تمثل التيار القومي، كل هذه الأطراف السياسية – بصفة عامة- هي بصدد التراجع مقابل أحزاب أخرى هي أقرب للتكتلات الانتخابية منها للمدارس السياسية والفكرية، مثل قلب تونس وتحيا تونس، وأعتقد أننا سنواجه مشكلة حقيقية في البرلمان الجديد فيما يتعلق بهذه الحزبين اللذين لا أعتقد أنهما سيقبلان البقاء في المعارضة وسيبذلان أقصى ما يمكن من الجهد حتى يكونا جزءاً من الحكومة (الشرط الوحيد لاستمرارهما داخل الساحة السياسية)، لأن بقاءهما في المعارضة يعني اندثارهما حتماً، لأنهما لا يمتلكان رؤية سياسية أو أرضية فكرية يمكن أن يقفا عليها، بل هما أشبه بالتكتلات الانتخابية التي تجتمع من أجل الوصول للحكم، وإذا فشلت في ذلك فإنها ستندثر، وهذا ما حصل مع نداء تونس سابقاً».
ويضيف لـ«القدس العربي»: «المشكلة هو أن التوجه الآن في تونس هو نحو هذه ظاهرة الأحزاب الانتخابية وليس العكس. والسبب هو – كما ذكرت- التراجع الكبير للمدارس السياسية والتشكلات الحزبية القائمة على أفكار وخيارات أيديولوجية، مقابل صعود ما يسميه البعض «الأحزاب البراغماتية» والتي هي في الحقيقة ائتلافات انتخابية وليست أحزاباً بأتم معنى الكلمة، فنحن الآن أمام بعض الأطراف يدخلون الانتخابات كائتلاف انتخابي، وإذا فازوا في الانتخابات يستمرون في الحكم، وإذا فشلوا يندثرون ويفسحون المجال لظهور ائتلافات وتكتلات انتخابية جديدة».
وشهدت الانتخابات البرلمانية الأخيرة مفاجآت من العيار الثقيل تمثلت بغياب أطراف سياسية كبرى كانت حاضرة بقوة في البرلمان الماضي، مثل حزب نداء تونس الذي حصل على ثلاثة مقاعد فقد وائتلاف الجبهة الشعبية الذي حصل على مقعد وحيد (بعد تفككه) وحزب الاتحاد الوطني الحر الذي لم يحظ بأي مقعد، فضلاً عن حزب آفاق تونس، الذي اكتفى بمقعدين فقط.