واشنطن – رويترز: في نهاية المطاف فاز الرئيس باراك أوباما بفترة رئاسية ثانية بفضل القضية التي كان من المفترض أن تكون سببا لخسارته.. ألا وهي الاقتصاد الأمريكي المتباطئ.لا تزال الولايات المتحدة تسعى جاهدة للتعافي من أشد ركود في 80 عاما، ولا يضيف أصحاب العمل ما يكفي من الوظائف لمواكبة النمو السكاني. وتبخرت تريليونات الدولارات من ثروات الأسر في فقاعة سوق الإسكان بينما تتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.لكن على مر التاريخ منح الناخبون فترة ثانية للرؤساء الذين قادوا نموا اقتصاديا ولو متواضعا خلال سنة الانتخابات. ويبدو أن هذا النمط تكرر مع أوباما. فبالرغم من أن الاقتصاد لا يتقدم بخطى قوية إلا أنه تحسن بشكل مطرد على مدار العام.وقال جون سايدز أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن ‘لم يكن أبدا سيحقق فوزا ساحقا… بل كان دائما يواجه الخسارة في السباق’.وقد أخذ الرئيس الديمقراطي خطوات كبيرة لدعم الاقتصاد، لكن لا يبدو أنها ساعدته كثيرا في أعين الناخبين. وتظهر استطلاعات الرأي انقسامات كبيرة بشأن الفوائد المتحققة من إجراءات التحفيز التي أطلقها عام 2009 وإصلاحات دود-فرانك المالية وخطة إنقاذ صناعة السيارات.لكن هذه الخطوات صنعت فارقا في مكان واحد مهم. فقد اعتمدت الحملة الانتخابية لأوباما في أوهايو بشدة على إنقاذ صناعة السيارات حيث ترتبط وظيفة من كل ثماني وظائف في الولاية بهذه الصناعة.وربما ساعده ذلك على الحد من خسائره هناك بين البيض وهم شريحة من الناخبين فاز رومني بأصواتها بكثافة في أماكن أخرى.ووفقا لاستطلاع رويترز/إبسوس لآراء الناخبين عند خروجهم من مراكز الاقتراع خسر أوباما أصوات البيض في سائر أنحاء البلاد بواقع 21 نقطة مئوية. وفي أوهايو خسر أصواتهم بواقع 12 نقطة فقط.واستفاد أوباما أيضا من حقيقة أن الناخبين يلومون سلفه الجمهوري جورج بوش على الركود. وقد جعل ذلك جزءا محوريا من رسالة حملته، حيث قال إن رومني سيعيد السياسات التي عجلت بالانهيار.وإذا كانت حملة رومني قد أرادت تركيز الانتخابات على القيادة الاقتصادية لأوباما فقد أرادت حملة أوباما أن تجعلها اختيارا بين مرشحين.وبدأت حملة أوباما الهجوم مبكرا بسيل من الدعاية السلبية التي صورت رومني المليونير الذي عمل في السابق في مجال الاستثمار المباشر كصائد للشركات لا يعبأ كثيرا بأحوال عامة الناس.واستدعى ذلك مقارنات بين هذه الهجمات غير المحمودة وبين حملة أوباما التاريخية للفوز بالرئاسة عام 2008 لكنه قلل مصداقية رومني في أعين كثير من الناخبين.وقال جريج فاليير المحلل لدى بوتوماك ريسيرش غروب ‘كثير من البيض من الطبقة الوسطى الذين لا يحملون شهادة جامعية استخلصوا أن رومني ليس واحدا منا’.ولن يثير فوز أوباما الذي جاء بفارق طفيف الخوف في قلوب الجمهوريين الذين احتفظوا بالسيطرة على مجلس النواب. واحتفظ الديمقراطيون بالسيطرة على مجلس الشيوخ لكن ستقل أعداد المعتدلين من كلا الحزبين في الكونجرس.وهذه وصفة لمزيد من الخلاف والمواجهات بشأن الضرائب والإنفاق. وسيكون الوصول إلى توافق حتى بشأن التشريعات الروتينية أمرا صعبا.وقال جوليان زلايزر أستاذ التاريخ في جامعة برينستون ‘لن يكون الكونجرس عامرا بكثير من النوايا الطيبة… ستكون صفوف الحزبين أكثر تشددا بعد هذه الانتخابات’.وربما يجعل هذا الاستقطاب الزائد مهمة الحاكم صعبة لكنه جعل السباق الانتخابي أكثر سهولة لأوباما. ففي زمن المشاعر الحزبية القوية تمتع أوباما بدعم أكثر قوة من أعضاء حزبه مقارنة بما حظي به الرئيسان الديمقراطيان السابقان جيمي كارتر وبيل كلينتون.وقال تيلور غريفين الذي قدم المشورة للمرشح الجمهوري جون مكين في حملة 2008 ‘ستقل أعداد أولئك الذين يتحولون من دعم مرشح إلى دعم آخر. هناك تشدد كبير في كلا الجانبين’.وبالنسبة للجمهوريين يثير فوز أوباما بفترة ثانية تساؤلات غير مريحة.ففي ثاني انتخابات على التوالي لم يتمكن المرشح الجمهوري من الفوز بأكثر من صوت واحد من كل ثلاثة أصوات للناخبين من أصول لاتينية. وقد يجد الحزب صعوبة في المنافسة في الانتخابات الوطنية ما لم يكتسب مؤيدين بين هذه الشريحة التي تنمو بوتيرة متسارعة.والآن يقع مركز جاذبية الحزب في مجلس النواب حيث يمثل العديد من الأعضاء مناطق محافظة للغاية. وليس هناك ما يشجعهم على تقديم تنازلات في مسائل مثل إصلاح قوانين الهجرة لأن ذلك قد يثير غضب قاعدتهم المكونة من الناخبين البيض الأكبر سنا.واحتاج رومني للتغلب على شكوك من جانب المحافظين خلال المعركة المضنية للفوز بترشيح الحزب الجمهوري ولم يتمكن من مخاطبة الناخبين المستقلين المتأرجحين قبل الشهر الأخير من الحملة الانتخابية.غير أن جون هوداك زميل معهد بروكينغز يرى إن من المرجح أن يقتنع العديد من أعضاء الحزب بأنه سيكون من الأفضل الدفع بمرشح محافظ بدرجة أكبر في المرة القادمة. ويضيف ‘سيتجه الحزب يمينا… سيقولون انظروا.. لم يكن ينبغي أن ندفع بمرشح معتدل’.خطط لإصلاح الاقتصاد بالفترة الرئاسية الثانيةيواجه الرئيس باراك أوباما الذي أقنع الأمريكيين بمنحه أربع سنوات أخرى في الرئاسة مهمة شاقة لإعادة الاقتصاد الأمريكي إلى النمو السريع.فقد واجهت الولايات المتحدة صعوبة في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي أعلى من اثنين بالمئة منذ الركود الذي حدث في 2007-2009 ومازالت نسبة البطالة 7.9 بالمئة. وهناك نحو 23 مليون أمريكي بين عاطل عن العمل وعامل بدوام جزئي لا يستطيع إيجاد وظيفة بدوام كامل وراغب في العمل لكنه توقف عن البحث.وفيما يلي خطط أوباما الرئيسية للاقتصاد:*الوظائف: قال أوباما إن خطته للوظائف ستعزز الصناعات التحويلية وتساعد الشركات الصغيرة وتحسن جودة التعليم وتقلل اعتماد البلاد على واردات النفط. ويهدف أوباما لخلق مليون فرصة عمل جديدة في الصناعات التحويلية بحلول عام 2016 وأكثر من 600 ألف فرصة عمل في قطاع الغاز الطبيعي بالإضافة إلى تعيين 100 ألف مدرس للرياضيات والعلوم.وتشمل خطة توفير الوظائف مشروعات لإصلاح واستبدال الطرق القديمة والجسور ومدارج المطارات والمدارس. وستستخدم نصف الأموال المتوفرة من إنهاء الحرب في العراق وأفغانستان لتمويل مشروعات البنية التحتية.وخلافا للحال في بداية فترته الرئاسية الأولى حين وافق الكونجرس تحت قيادة الديمقراطيين على خطة تحفيز اقترحها أوباما بقيمة 840 مليار دولار سيواجه الرئيس صعوبة في إقرار أي خطط إنفاق رئيسية جديدة في مجلس النواب الذي مازال تحت سيطرة الجمهوريين.*السياسة المالية: اقترح أوباما خفض العجز في ميزانية الحكومة بأكثر من أربعة تريليونات دولار خلال السنوات العشرة المقبلة من خلال السماح بانتهاء العمل بالتخفيضات الضريبية الممنوحة للأمريكيين أصحاب الدخل المرتفع في عهد إدارة جورج دبليو بوش وسد الثغرات في النظام الضريبي. والهدف هو معادلة المصروفات بالإيرادات في نهاية المطاف.ويدعم أوباما خفض ضريبة الدخل على الشركات الكبرى إلى 28 بالمئة من 35 بالمئة. وقد اقترح إنهاء قائمة طويلة من الإعفاءات الضريبية للشركات بعضها يتعلق بالمخزونات وبعضها يتعلق بالفائدة على أرباح العمليات الخارجية والقواعد الضريبية التي تستفيد منها شركات النفط والغاز. ويريد أوباما إلغاء الإعفاءات الضريبية للشركات التي تنقل فرص العمل والأرباح إلى خارج البلاد.وستستخدم نصف الأموال المتوفرة من إنهاء الحرب في العراق وأفغانستان لتخفيض العجز.*مجلس الاحتياطي الاتحادي: قد يرغب أوباما في منح بن برنانكي فترة ثالثة في رئاسة الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي) لكن مراقبين يقولون إن برنانكي الأستاذ السابق في جامعة برينستون ربما نال كفايته بعد ثماني سنوات عصيبة في هذا المنصب. وتنتهي فترة برنانكي في 31 من كانون الثاني/يناير 2014.وتعتبر جانيت يلين نائبة رئيس الاحتياطي الاتحادي مرشحة بارزة لخلافة برنانكي وسيكون لديها نفس استعداد برنانكي على الأقل لإبقاء السياسة النقدية ميسرة للغاية حتى تتعافى سوق العمل.*الرقابة المالية: من المرجح أن يستمر أوباما على المسار الذي بدأه في فترته الأولى والذي تضمن إصلاحا واسعا لوول ستريت بعد الأزمة المالية التي اندلعت عام 2008. ومن المنتظر أن تبدأ الهيئات الرقابية تطبيق قانون دود-فرانك للإصلاح المالي.*الإسكان: دعم أوباما جهودا لمساعدة المقترضين المتعثرين على إعادة تمويل قروضهم العقارية والاستفادة من أسعار الفائدة التي بلغت مستويات قياسية منخفضة لكن أعداد مالكي المنازل الأمريكيين الذين استفادوا من هذه الجهود كان أقل من المزمع بكثير.ويخوض أوباما معركة مع إدوارد ديماركو الذي يتولى الرقابة على فاني ماي وفريدي ماك اللتين تسيطر عليهما الحكومة حيث فشل في إقناعه بالسماح لشركتي التمويل العقاري بتخفيض أصل الدين للمقترضين الذين يدينون بمبالغ أكبر من قيمة منازلهم. ومن غير المتوقع حل هذه المواجهة في وقت قريب.يتفق الديمقراطيون والجمهوريون على أنه يتعين الحد من الدور الهائل الذي تلعبه الحكومة في سوق الرهن العقاري من خلال شركتي فاني ماي وفريدي ماك المدعومتين حكوميا. وتشكل شركتا فاني ماي وفريدي نحو 60 بالمئة من سوق الرهن العقاري.