تونس- “القدس العربي”: كشفت الأزمة التي يعيشها العالم حاليا بسبب وباء كورونا، أزمات بنيوية واجتماعية كبرى داخل الدول الغربية المتقدمة، حيث شهدنا حالة من الجشع والتفكك داخل هذه المجتمعات التي كانت تتميز بالتنظيم الكبير (من الخارج على الأقل) واحترام حقوق الإنسان، لكن يبدو أنها تخلت عن ذلك بعدما تحوّل الأمر إلى أزمة “وجودية” بالنسبة لهذه الدول.
وبدأ الأمر كجزء من حالة عامة يشهدها العالم، وخاصة فيما يتعلق بالإقبال الكبير على شراء المواد الاستهلاكية وتخزينها واحتكارها، لكن تحول لاحقا من مجرد حالة اجتماعية ضيقة إلى “سياسة دولة”، حيث شهدنا لجوء دول غربية إلى “السطو” على مساعدات طبية مرسلة إلى دول أخرى، في انتهاك واضح للقانون الدولي، فضلا عن تخلي هذه الدول عن مبادىء حقوق الإنسان التي طالما دعت دول العالم الثالث للالتزام بها.
ويقول البروفيسور في علم الاجتماع، طلال مصطفى لـ”القدس العربي”: “العالم ما بعد أزمة كورونا سيكون مختلفا كليا عما قبلها، فبعد عامين من الآن (العمر المحتمل لأزمة كورونا) ستشهد معظم دول العالم اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة، كما سيتم إعادة النظر في مؤسسات الدولة، وخاصة أنظمة الصحة والتعليم. فهذا الفيروس كشف عن ثغرات كبيرة تسببت بتصدع المجتمعات الغربية، رغم تقدمها الكبير قياسا ببلدان العالم الثالث، حيث تبين أن المؤسسات الصحية عموما غير كافية أو غير مؤهلة لمواجهة الأزمات، وهذا ما تسبب بصراع خفي (أو معلن أحيانا) بين الدول الأوروبية خاصة، فإيطاليا مثلا استنجدت بالصين لمساعدتها في أزمتها الصحية، بعدما اتهمت الاتحاد الأوروبي بالتقاعس عن مساعدتها”.
وأضاف “كما أن تصريح وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير حول احتمال اللجوء إلى تأميم الشركات الفرنسية لمواجهة كورونا، يستدعى الوقوف أمامه طويلا، فإذا طُبّق هذا الأمر سيكون لدينا تغيير جذري في شكل الدولة، أي أنه سيكون هناك تدخل للدولة لإعادة التوازن بين المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية وضمان عدم حدوث انهيار في المستقبل، والناس بالطبع سيوافقون على هذا الأمر، لأنهم خائفون حاليا وسيقبلون بأي إجراء، فإنقاذ أرواحهم هو أهم لديهم من التوجه الاقتصادي للبلاد. ويجب ألا ننسى أن وجود الدولة بالنسبة للأوروبيين يكمن في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، والمتمثلة في الأمن والنظام والرفاهية الاقتصادية والعدالة، وهذه الأمور لا يمكن أن تتحقق في ظل وجود هذا الفيروس، ومن الطبيعي أن يكون لدينا نمط جديد لتدخل الدولة”.
وكان لومير أكد لوسائل إعلام محلية أن مكافحة فيروس كورونا “ستكون طويلة الأمد وعنيفة وهذه الحرب ستحرّك كل جهودنا”، مشيرا إلى أن الحكومة “لن تتردد في استخدام كافة الوسائل المتاحة لحماية الشركات الفرنسية الكبرى، وذلك قد يتم عبر المساهمة في رأس المال أو شراء أسهم. والتأميم أيضا إذا لزم الأمر”.
من جانب آخر، يشير مصطفى إلى أن التنافس والتسابق الدولي حاليا للحصول على الأدوية والمعدات الطبية “لا يقتصر على الدول فيما بينها، وإنما ستجده أيضا بين المدن والمناطق داخل الدولة الواحدة، فكل مدينة تعمل حاليا من أجل حماية سكانها من الوباء، عبر تخزين المواد الأساسية والطبية، وكل هذه الأمور تؤدي إلى نوع من المنافسة أو “السطو” على المعدات الطبية والتقنيات الجديدة لمكافحة الوباء وانتشار العدوى”.
ويضيف “أعتقد أن الاستراتيجية الأساسية لكافة الدول الغربية الآن هي إيقاف انتشار الفيروس وليس التخلص منه بشكل كلي، لأن العلاج لا يتم قبل إيجاد لقاح وهذا ربما يحتاج لأكثر من عام. لذلك فإن عدم كفاية المعدات المعدات الطبية وعدم توفرها والخوف والهلع من إمكانية نفادها، خلق تنافسا بين هذه الدول التي كانت حتى وقت قريب تشهد تعاونا كبيرا في المجال السياسي والعسكري ومكافحة الإرهاب”.
ويتابع مصطفى “بعد انتهاء الأزمة، يفترض أن يكون هناك إعادة نظر في بعض القضايا، من بينها بنية الدولة، فالدول الرأسمالية هي دول رفاهية – رغم أنها رفاهية فقط لعدد قليل من المواطنين- الآن تبين أن هناك شيئا أهم من الرفاهية هو الأمن الصحي (على المستوى الوطني والعالمي). وكما أوجدوا مشروعا بعنوان “محاربة الإرهاب العالمي” قد يكون هناك مشروع صحي تكنولوجي عالمي.
ويقول البروفيسور إدريس لكريني، مدير مختبر الدراسات الدولية حول إدارة الأزمات في جامعة القاضي عياض المغربية “أعتقد أن الكوارث والأزمات -على خطورتها وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة- تشكل محطة لقياس مدى تحضر المجتمعات واستعدادها لمواجهة الأزمات والكوارث، وكذلك هي محطة لقياس مدى تحضر الدول وإيمانها بالقيم والمبادىء التي طالما دافعت عنها في المحافل الدولية في أوقات السلم. فنحن اليوم أمام كارثة من نوع جديد تعيشها أغلب دول العالم، ويتعلق الأمر بوباء تبيّن أنه أضحى يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين وللعلاقات بين الدول والتي بُنيت أساسا في فترة ما بعد الحرب الباردة. والكثير من المؤشرات تبين أن الدول بدأت الآن بالانكفاء على نفسها واللجوء نحو المقاربات السيادية على حساب المشترك الإنساني والدولي، وأيضا على حساب الالتزامات التي تفرضها عليها الاتفاقيات الدولية، سواء في المجالات الحقوقية والاقتصادية أو الدبلوماسية والسياسية”.
ويضيف لـ”القدس العربي”: “نستحضر هنا الارتباكات التي كانت واضحة في تعاطي الاتحاد الأوروبي مع الأزمة. فهناك تعاطٍ أحادي لكل دولة مع أزمتها على حدا في ظل غياب تنسيق تام بين مكونات الاتحاد. يعني هناك بروز للسلوكيات المنحرفة وهي سلوكيات غير دبلوماسية وفيها خرق لمبادىء القانون الدولي، ويتعلق الأمر بالقرصنة وغيرها، وغيرها من الوقائع التي تبرز لنا أن الكثير من هذه الدول التي ظلت تدافع عن حقوق الإنسان واحترام القوانين، أصبحت هي التي تخرقها بصورة واضحة، فلذلك أعتقد أنه رغم صعوبة الوضع والإشكالات الإنسانية والنفسية التي تطرحها الكارثة اليوم داخل مجموعة من الدول الأكثر تضررا كالولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، فهي لا يمكن أن تشكل مبررا لخرق المواثيق الدولية، وإلا فلماذا كانت هذه الدول في السابق توجه نقدا لاذعا للدول الفقيرة فيما يتعلق بتجاوزات حقوق الإنسان؟”.
ويتابع لكريني بقوله “تؤكد لنا هذه الأزمة التي يعيشها العالم اليوم أن قضايا حقوق الإنسان تشكل في كثير من الأحيان مدخلا لتصفية الحسابات مع بعض الدول ويتم التعاطي معها بمقاربتين: فعندما يتعلق الأمر بدول أخرى فنحن نتحدث عن خرق فاضح، وعندما يتعلق الأمر بدول ديمقراطية متقدمة فهذا أمر آخر! ربما تريد هذه الدول أن تقنعنا أنها تعيش على إيقاع أعلى وتلغي القوانين والمواثيق الدولية المتعارف عليها، وهذه إشكالية كبيرة وعار سيلاحق هذه الدولة بعد مرور هذه الأزمة”.
الجشع يلازم الأزمات
وفيما يتعلق بعملية القرصنة لبعض الدول على المعدات الطبية، يقول لكريني “الجشع والاحتكار يلازمان الأزمات والكوارث، ليس على المستوى الدولي فقط بل حتى على المستوى الداخلي، فهناك تجار أزمات يبرزون بصورة قوية خلال هذه الأزمات التي تقتضي استحضار الإنسانية والمواطنة على المستوى الداخلي. وهذه السلوكيات على المستوى الدولي، هي ليست جديدة، فالكثير من الدول استغلت أزمات سياسية وعسكرية لتزيد في الطين بلة عبر تصدير الأسلحة أو استحضار هاجس الربح، ونفس الأمر المتعلق بالنقاشات الجارية حول اللقاحات أو الأدوية المتعلقة بمواجهة هذا الوباء”.
ويضيف “اليوم برز بعض تجار الأزمات على المستوى الدولي، والذين يستحضرون الهاجس الربحي على حساب المعاناة الإنسانية، رغم أن الوضع يستدعي التعاون والتنسيق الدولي، فالجائحة تستهدف البشرية جمعاء ولا يمكن لأي دولة – مهما امتلكت من إمكانيات- أن تقضي عليها بمفردها. كما برزت تحت وطأة الكارثة مجموعة من التصريحات والسلوكيات داخل البلدان الغربية، تنم عن عدم الاكتراث بالمواثيق الدولية المتصلة بحقوق الإنسان، من بينها تصريحات طبيب فرنسي بإمكانية إجراء تجارب لقاحات على مواطنين أفارقة. هذه التصريحات والسلوكيات تبرز لنا أن الكثير من الدول المتقدمة تفوقت على الدول الفقيرة في الخرق الفاضح لحقوق الإنسان”.
وكان الدكتور جان بول ميرا، رئيس قسم العناية المركزة بمستشفى “كوشن” في باريس، دعا لإجراء دراسات واختبارات للقاح ضد فيروس كورونا في بعض الدول الأفريقية. وهو ما تسبب بموجة استنكار كبيرة داخل الدول الأفريقية، فيما أعلن محامون مغربيون مقاضاته بتهمة “التشهير والعنصرية”.