محلل إسرائيلي: من الصعب التخيل أن المحكمة الخاصة بقضية مقتل الحريري لم تحصل على مساعدة من تل أبيب

حجم الخط
0

الناصرة ـ ‘القدس العربي’ من زهير أندراوس: يُعتبر الصحافي جدعون ليفي، من صحيفة ‘هآرتس’ من أبرز الصحافيين الإسرائيليين الذين يُغردون خارج سرب الإجماع القومي الصهيوني، فقد كشف مؤخرا مقال النقاب عن أن الرقابة العسكرية حظرت قبل عدة سنوات نشر تحقيق أعده عدد من الصحافيين حول الفظائع التي ارتكبها رئيس الموساد السابق ضد المدنيين اللبنانيين عندما تولى قيادة الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان في الثمانينيات من القرن الماضي.

واعتبر الصحافي انه إذا سمحت الرقابة العسكرية بنشر التحقيقات التي تؤكد أن هواية مائير داغان تتمثل في قطع رأس الفلسطيني وعزله عن جسده، فإنه يمكن الافتراض أن ما يحظر الرقيب نشره هو أكثر فظاعة من ذلك، على حد تعبيره، مع ذلك، فإن العديد من الصحافيين الإسرائيليين، المختصين في الشؤون الأمنية نشروا المقالات التي تُلمح إلى دور رئيس الموساد السابق في لبنان، وتثر الأسئلة حول إمكانية أن تكون الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية قد ساهمت في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، وأنها قدمت معلومات للمحكمة الخاصة بالتحقيق في اغتياله، ففي مقال نشر في صحيفة ‘هآرتس’ العبرية، ناقش المحلل الإسرائيلي للشؤون الأمنية، أمير أورن، تجربة رئيس الموساد السابق، مئير داغان في لبنان، وأشار في هذا الإطار إلى طرق التعامل المختلفة التي يستخدمها الموساد والاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تجاه حزب الله، ولفت المحلل في مقاله إلى ثلاث وقائع منفصلة، محملاً القارئ مسؤولية ربط بعضها ببعض.

الواقعة الأولى عام 1981 حين كان الكولونيل داغان يتولى قيادة منطقة جنوب لبنان، وكانت يومها منظمة خرافية تعلن مسؤوليتها عن وضع عبوات ناسفة في صور وصيدا خلال مناسبات تجمع فلسطينيين ومقاومين بوجود مدنيين. الواقعة الثانية عام 2002 عندما وصف الكولونيل المتقاعد داغان حزب الله برأس حربة الإرهاب الإيراني، وأضاف أن للحزب صلات بتنظيم القاعدة.

وطالب داغان بمواجهة الإرهاب من دون أي تساهل وبأسرع وقت ممكن، على حد تعبيره. أما الواقعة الثالثة، فجرت عام 2003 حين تولى داغان رئاسة الموساد الإسرائيلي. واغتيل يومها محمد المصري المشتبه في انتمائه إلى تنظيم القاعدة في انفجار سيارة مفخخة في صيدا، وأعلنت منظمة مجهولة مسؤوليتها عن الاغتيال. وخلص أورن إلى القول: عندما يوجد داغان في مكان ما تظهر منظمات مجهولة تفجر باسمها عبوات تقتل عرباً تكرههم إسرائيل. وبالتالي فإن قدرة مدير الموساد الإسرائيلي السابق، على تنفيذ عمليات اغتيال في دول أخرى، وخصوصاً في لبنان، من خلال زرع عبوات ناسفة تعلن منظمات إسلامية مجهولة مسؤوليتها عنها، مثبتة من خلال الوقائع التي ذكرها الكاتب الإسرائيلي، الذي لفت أيضا إلى أنه كان يتمتع بقوة وسلطة تأتيه من المسؤول المباشر عنه، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، أرييل شارون.

من ناحية أخرى، يُمكن القول إن إسرائيل اعترفت بتقديم معلومات تتعلق بالتحقيقات إلى المحكمة الخاصة بلبنان، والدليل على ذلك وصل من المؤسسة السياسية الرسمية في الدولة العبرية، فقد قال وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2010، خلال مؤتمر صحافي عقده مع نظيره الإيطالي، رداً على سؤال يتعلق بالصراعات اللبنانية الداخلية: إن خطوتنا الأولى كانت، كما رأيتم، المساعي لحل مشكلة الغجر، وطبعاً نحن نعتقد أن موقفنا وتعاوننا مع المجتمع الدولي بالنسبة إلى التحقيقات في قضية الحريري كانت فعلاً منفتحة جداً وبكل إخلاص. وزاد ليبرمان قائلاً: نحن نعتقد أن رسالة المجتمع الدولي بالغة الأهمية لتحصين الدولة اللبنانية ولمواجهة ابتزاز حزب الله. إنه ابتزاز واضح للمجتمع الدولي بأسره، وعلينا أن نحارب هذا الابتزاز المبني على أنه يمكن وقف التحقيق الدولي بواسطة التهديدات، على حد قوله.

وهناك دليل آخر للتدخل الإسرائيلي في التحقيقات الدولية، فالمحلل الإسرائيلي للشؤون الإستراتيجية والأمنية، يوسي ميلمان، صاحب الباع الطويل في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نشر مقالاً في صحيفة (هآرتس) العبرية في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2010 تحت عنوان: التنصت على هواتفهم: هكذا حصلت العملية، أكد فيه على أن الاستخبارات الإسرائيلية قدمت معلومات تقنية مهمة إلى المحكمة الخاصة بلبنان، إذ جاء في المقال: إن الموارد المالية للجنة التحقيق كانت محدودة نسبياً، ومن الصعب تخيل أنها لم تحصل على مساعدة أجهزة الاستخبارات. أما الدول التي لديها وكالات تجسس تتمتع بالتكنولوجيا المتطورة، فعددها محدود، وهي تضم إضافة إلى وكالة الأمن الوطني الأمريكي، الاستخبارات الفرنسية والبريطانية، ومن دون أدنى شك الاستخبارات الإسرائيلية.

كما أن القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي بثت برنامجاً خاصاً عن داغان وصفته فيه بـالمسؤول الإسرائيلي الذي تمكن من استعادة قوة إسرائيل الرادعة بوجه جيرانها. ونقلت عن شارون وصفه داغان بالاختصاصي بفصل رؤوس العرب عن أجسادهم، إذ أن داغان، بحسب المصادر الأجنبية، يتحمل مسؤولية جرائم الاغتيال التالية: اغتيال المسؤول المالي في حركة حماس عام 2004 في سورية عز الدين خليل بواسطة سيارة مفخخة، واغتيال القائد العسكري في حزب الله عماد مغنية عام 2008 بواسطة سيارة مفخخة. وخلال العام نفسه اغتيال العميد في الجيش السوري محمد سليمان، الذي كانت إسرائيل تشتبه في أنه المسؤول عن نقل الأسلحة بين حزب الله وسورية، ونحو عام بعد ذلك، اغتيال عالم نووي إيراني بواسطة دراجة نارية مفخخة انفجرت أمام منزله.

وفي 16 شباط (فبراير) من العام 2005، بعد يومين على اغتيال الحريري، نشرت صحيفة ‘هآرتس’ مقالاً بعنوان: من علينا اغتياله هذا الصباح؟ بقلم يوسي ملمان جاء فيه: تعمق التقارب بين شارون وداغان وتحول إلى علاقة مهنية متينة مبنية على احترام متبادل. وكان داغان قد ترأس وحدة باراك المدرعة خلال حرب لبنان عام 1982 وعين بعد ذلك مسؤول وحدة التواصل في لبنان. وعلم داغان من خلال هذه الوظيفة بالعمليات الخاصة التي تقوم بها الوحدة 504 في جهاز الاستخبارات العسكري الإسرائيلي في لبنان. لكنه شعر بالغيرة من هذه الوحدة، فأنشأ وحدة خاصة تتبع لوحدة التواصل في لبنان.

وقامت هذه الوحدة بتجنيد عملاء وبجمع المعلومات الاستخبارية. وكما كانت الحال أيام رامون، أيْ وحدة الاغتيالات الإسرائيلية المسماة ريمون، ومعناها بالعربية (قنبلة أوْ رمان) في غزة، كذلك في لبنان أصبح اسمه مرتبطاً بمكافحة الإرهاب وبالاغتيالات، على حد وصف المحلل ملمان، علاوة على ذلك، نشر المحلل للشؤون العسكرية في صحيفة ‘هآرتس’ عماوس هارئيل، في الثالث من حزيران (يونيو) من العام 2009 في الصحيفة مقالاً جاء فيه ربط بين انتحار ضابط إسرائيلي في الوحدة 8200 التي تعد نخبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وما ورد في مقال دير شبيغل الألمانية في 23 أيار (مايو) من العام 2009 الذي تضمن معلومات تبين لاحقاً أنها مطابقة للمعلومات الواردة في قرار الاتهام الصادر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في 2011. وتضمن مقال هارئيل كذلك جملة من الأسئلة عن سرية عمل الاستخبارات الإسرائيلية والغموض الإسرائيلي بشأن تمكن السلطات اللبنانية من القبض على عملاء لإسرائيل في لبنان، وخصوصاً الضباط العسكريين من بينهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية