زهير اندراوس:
الناصرة ـ ‘القدس العربي’ يواصل عدد من المحللين الاسرائيليين نشر المقالات التي تحتوي على سهام نقد لاذعة للمستويين السياسي والامني في الدولة العبرية بسبب مصادقتهما على صفقة التبادل مع حماس، وفي هذا السياق نشر المحلل العسكري، رون بن يشاي، صاحب الباع الطويل في المنظومة الامنية في تل ابيب، مقالا في الموقع الالكتروني لصحيفة ‘يديعوت احرونوت’ تحت عنوان ما بعد كرنفال صفقة الخضوع والاذلال، التي تُعزز برأيه نظرية خيوط العنكبوت، التي كان اطلقها الامين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله، لافتًا الى ان الصفقة كانت حتمية من الناحية السياسية، علاوة على كونها معقولة من منظور المخاطر الامنية المترتبة عليها، ولكن مع ذلك، شدد على ان صفقة التبادل من ناحية الجوهر والمعنى الاستراتيجي تعتبر خضوعًا واذلالا، على حد تعبيره.
واستطرد ان الصفقة تعتبر خضوعا من قبل تل ابيب التي تعرضت لابتزاز من تنظيم ارهابي اسلامي متطرف، تمكن من الكشف عن ما اسماها بالبطن الرخوة للمجتمع الاسرائيلي، وضربها بقسوة وبصبرٍ حتى حقق هدفه، كما ان الدولة العبرية، لم تخضع فقط، بل احتفلت بالاذلال في مهرجان مخز ساعد جيش الاحتلال في اخراجه، ووفقه، فان الخضوع ليس مصطلحًا قاسيًا، وفي بعض الاحيان لا مفر منه في الحرب الطويلة الامد ضد عدو يمتلك العزيمة والحافزية المتعصبة، ولكن الخضوع يبقى محتملا طالما لم ينشئ وضعا لا رجعة عنه، اي طالما ان العملية لا تعرض وجود اسرائيل المادي، كدولة وشعب، للخطر، ويمكن من الحفاظ على القوة والانتعاش تمهيدا للجولة القادمة التي تنطوي على احتمالات كبيرة بالنصر، وبالتالي شدد على ان الصفقة الاخيرة تُصنف على انها من النوع الذي يُمكن تحمله، وذلك لان الجيش وجهاز الامن العام (الشاباك) يملكان القوة لمواجهة تداعياتها، كما انها تمنح تل ابيب الفرصة للحفاظ على قوتها، كما ان الصفقة برأيه تعزز الحافز لدى الجيش، وليس المواطنين فقط، على القتال ومواجهة التحديات، من منطلق ان ما اسماها بالتعهدات المتبادلة ليست كلمة فارغة المضمون في المجتمع اليهودي، وشدد بن يشاي على ان هذه الحقيقة مهمة جدا لمستقبل ولمناعة الدولة العبرية القومية، ولكنها، اضاف، هي جزء من الصورة الشاملة، حيث ان تقدير الوضع بصورة ذكية لما هو متوقع في المستقبل يجب ان يأخذ بالحسبان تأثير الصفقة وابعادها على الجانب الاخر، وليس فقط على حركة حماس، وانما على من وصفهم بالاعداء وهم حسب ترتيبه: ايران، حزب الله، والمتطرفون من فلسطينيي الداخل.
وبرأيه فانه اذا كان الحكم على الصفقة بموجب ردود الفعل، فيمكن الجزم بأنها عززت لدى الجهات المعادية لتل ابيب اليقين بان المجتمع الاسرائيلي يستطيع امتصاص الخسائر الى حد معين، ولكنه بالمقابل، ليس قادرا على مواجهة معضلات حسية ونفسية، لافتا الى ان اي ممارسة للعنف، التي تعجز اسرائيل عن تقديم حل عسكري لها، تخلق في صفوف المجتمع الاسرائيلي شعورا بالعجز والهستيريا، ولذلك فالعنف وسيلة ناجعة تؤدي مع مرور الوقت الى خضوع تكتيكي، وربما استراتيجي للدولة العبرية ولمواطنيها اليهود، على حد تعبيره.
وينتقل المحلل الى النقطة الثانية في تحليله حيث يقول ان الصفقة على ارض الواقع عززت من جديد نظرية خيوط العنكبوت لحسن نصر الله، والتي تشمل في ما تشمل ان المجتمع الاسرائيلي مماثل لخيوط العنكبوت، وبالتالي من السهل تمزيقه بواسطة انزال خسائر واضرار حسية به، من خلال استغلال سلم القيم الانسانية للمجتمع الغربي الذي يجبر اسرائيل على لجم ردها، وبدون المواجهة المباشرة مع فائض القوة العسكرية للجيش، ويضيف بالنسبة لاسرائيل فان انسحابها مما كان يُسمى بالحزام الامني في الجنوب اللبناني كان اثباتًا لهذه النظرية، مشيرا الى ان حماس استخلصت العبر ذاتها من الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة في العام 2005، على حد قوله، وتماشيا مع هذه النظرية، فان جميع عمليات الاسر، يقول المحلل، باتت مربحةً، سواء كان الحديث عن جثث او اسرائيليين على قيد الحياة.
وتأكيدا على ذلك، بحسب الكاتب، فان الانجاز الوحيد لحزب الله في حرب لبنان الثانية كانت صفقة التبادل عام 2008 التي اطلقت فيها اسرائيل سراح المئات، بما في ذلك سمير القنطار، مقابل جثتين لجنديين من جيش الاحتلال.
وبحسب رأيه فان هذا النوع من الصفقات، تعمل على كي الوعي كانجاز وتؤكد للجماهير في الشارع العربي الى اي مدى يصدق الاسلامويون، سنة امْ شيعة، في ادعائهم بان اسرائيل لا تفهم الا لغة القوة. ويخلص المحلل العسكري الى انه بناء على ذلك فمن المفهوم ضمنا لماذا تعزز الصفقة قوة حركة حماس وطريق الكفاح المسلح الذي تتبناه، بشكل مواز لكونها تؤدي الى ضعف الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، لافتًا الى ان نصر حماس يُلزم عباس على التصلب في مواقفه، ويؤكد على الحاجة للدفع باتجاه المصالحة.
بموازاة ذلك، قال المحلل ان الجانب الايجابي في الصفقة يكمن في تحسن العلاقات مع القاهرة، التي اكدت للمصريين والعرب على انها تهتم جدًا بالمصالح الفلسطينية والعربية، كما انها تملك القوة لاخضاع الدولة العبرية في حال استدعت الحاجة ذلك. كما ان ابعاد الاسرى الى قطاع غزة، برأي الكاتب، ايجابية.
وساق بن يشلي قائلا انه يتحتم على الدولة العبرية استخلاص العبر والنتائج من الصفقة فورًا وبدون تأجيل، ذلك ان جميع المعلومات والتقديرات تؤكد ان عملية الاختطاف القادمة ما هي الا مسألة وقت، ويقترح المحلل على صناع القرار في تل ابيب ثلاثة مسارات: تشكيل وتفعيل جهاز استخباري عملاني خاص مهمته الوحيدة تكون معالجة كافة جوانب اطلاق سراح المختطف او المختطفين، بدءا من جمع المعلومات الاستخبارية حول مكان وجوده، مرورا بتوفير امكانيات عملانية لاطلاق سراحه وانتهاءً بالمساندة بالمعلومات والاستشارة في المفاوضات، كما يتحتم على الجيش، بمساعدة اجهزة المخابرات، القيام بعمليات تخلق ضغطًا واوراق مساومة مع المختطفين، وتنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق لردع وتخويف الخاطفين، على حد تعبيره.
وطالب بن يشاي رئيس الوزراء نتنياهو بالالتزام بتصريحاته واخراج تهديداته الى حيز التنفيذ، هو ومن سيليه في رئاسة الوزراء، وهذا الامر يتعلق بتصريحه القائل انه اذا عاد الاسرى الى ممارسة الارهاب فسيتم استهدافهم، اي انه يجب تحويل التصريح الى لغة الافعال، على حد قوله.
وفي نهاية مقاله، انضم المحلل الى الاصوات التي بدأت تعلو داخل الدولة العبرية حول الحملة الاعلامية التي اطلقتها عائلة الجندي بمساعدة احد اكبر مكاتب الدعاية والاستشارات الاستراتيجية في اسرائيل، هذه الحملة، التي ادت في ما ادت، بحسبه، الى رفع ثمن مقايضة شليط، عندها، اذا استوعبت الحكومة النتائج، فلن تكون هناك حاجة لمهرجانات الاذلال المخزية، والتي ساهم الجيش في اخراجها الى حيز التنفيذ، وديوان رئيس الوزراء، فقط في اسرائيل، كتب بن يشاي، يتحول الاذلال الى احتفال، دون الاخذ بعين الاعتبار كيف سيقوم الطرف الثاني بتفسير هذا الامر، والاضرار المترتبة عليه، على حد قوله.