يتخذ الصراع الاجتماعي والثقافي في كثير من دول العالم طابعا حادا ومتصاعدا، بدون أن يجد معظم المهتمين المفردات والرصيد المعرفي المناسب لوصفه وتحليله. يتحدث عدد من الصحافيين والمثقفين في الدول الغربية عن صراع بين «العالميين» Cosmopolitans والجماعاتيين المحليين Communitarians، وهي تسميات إشكالية، لا تتسم بالدقة على الإطلاق، ولكن استعمالها يعكس حالة الارتباك الثقافي الحالي.
من يُسمّون بالعالميين هم فئات مدينية، تُصنف وفقا لنمط حياتها وثقافتها، أكثر من عملها ونشاطها الاقتصادي. يعيش أفرادها، وفقا للصورة النمطية السائدة عنهم، في المدن الكبرى حول العالم، يتواصلون في ما بينهم بأسلوب شبكي غير ممركز، ويتسمون بانفتاحهم ومهاراتهم المعرفية و«عبر الثقافية»، فضلا عن مرونتهم وفردانيتهم وقدرتهم على الحركة والتأقلم مع الظروف الجديدة. يُتهمون عادة، من قبل اليمين واليسار، بأنهم النخب المستفيدة من العولمة. أما الجماعاتيون المحليون فهم النقيض الثقافي لهذه الفئات، ليسوا بالضرورة عنصريين أو منغلقين، ولكنهم مازالوا مرتبطين بمجتمعاتهم المحلية: بلداتهم وعوائلهم وكنائسهم، وبتقاليد ثقافية واجتماعية أكثر تجانسا. يشعرون بالتهديد من التغيرات المتسارعة التي يعاصرونها. ولا يتعلق موقفهم هذا بشكل لازم بوضعهم المادي، فهم ليسوا جميعا من الفقراء أو الخاسرين من العولمة. النزاع بين الطرفين يدور أساسا حول النظرة للعالم، والتصورات عن الثقافة والأخلاق والجماعة. أما الصراعات حول توزيع الثروة فليست في صدارة هذا المشهد.
للتعبير عن هذا تمت صياغة مفهوم «ما بعد المادية»، الذي يعني ميل الأفراد والمجموعات للسعي لتحصيل قيم أكثر تجريدا من المنافع المادية المباشرة، مثل التعبير عن الذات والسعادة والهوية و«الحياة الصحيّة» وحماية البيئة. يؤكد بعض مفكري النظرية الثقافية، أن هذا التغيير في التطلعات الاجتماعية مرتبط بالأمن النفسي والمادي، الذي حققته مجتمعات الوفرة، أي أن هذه اللامادية هي نتيجة التحديث المادي الناجح، لكن هل هذه التسميات والمفاهيم قادرة فعلا على تفسير الاضطرابات الاجتماعية التي نشهدها؟ وهل يمكننا بالفعل تحديد كتل اجتماعية يمكن وصفها بالمحلية أو العالمية؟ ربما كان تحليل هذا الارتباك المفهومي أداة معقولة للحديث عن الصراعات في عالم اليوم.
جماعاتية الفردانيين
يبدو استخدام مصطلح Communitarianism لوصف النزعات المحلية والجماعاتية المعاصرة غريبا بعض الشيء، فهذا المفهوم برز أساسا في الربع الأخير من القرن الماضي، في سياق الجدل الثقافي الذي أثارته نظرية المفكر الأمريكي جون رولز عن العدالة، وهي النظرية التي انتقدها عدد من المفكرين لفردانيتها المفرطة، معتبرين أن إغفال القيم التي توفرها الروابط والعلاقات الاجتماعية والمجتمع المدني، سيؤدي لحرمان مفهوم العدالة من بعده الاجتماعي، وإضعاف قدرة الأفراد ورغبتهم في المشاركة في القضايا العامة، وشعورهم بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية، إلا أن أغلب الجماعاتيين في ذلك الزمن لم يكونوا معادين للقيم التحررية، بل على النقيض من ذلك، أصبحت أعمال عدد منهم، مثل تشارلز تايلور ومايكل والتزر، من المصادر الفكرية لليبرالية المعاصرة، خاصة في ما يتعلق بالتعددية الثقافية ونظرية الاعتراف الثقافي.
بهذا المعنى فالمنظور المعولم الذي يحمله «العالميون» يقوم على كثير من المفاهيم الجماعاتية. فكرة وجود مجموعات هوية تطلب الاعتراف الثقافي، ويحقّ لها أن تنال مجالا حيويا، تنقل فيه تقاليدها وثقافتها عبر الأجيال، أصبحت أساسا لعمل كثير من المؤسسات التي تُعنى بالتنوع. ونشهد آثارها بشكل واضح في التعليم والإعلام والثقافة الشعبية، وبات من المقبول عموما بالنسبة لليبراليين أن الذات الفردية لا يمكن أن تتطور إلا داخل إطار ثقافي واجتماعي يمنحها التقليد والهوية. فصار ما يميزّهم عن الجماعاتية غير التحررية هو رفضهم لوجود إكراه وضغط كبير على الأفراد، ضمن الأطر الاجتماعية والهوياتية، لدرجة تقويض الذات الفردية. وعلى هذا الأساس يرفض تايلور مثلا ختان الإناث، لأن التعددية الثقافية، بحسبه، لا تعني أن كل شيء مباح للجماعة باسم التقليد الثقافي.
يوجد نقد أو اتهام شائع لـ«العالميين» بأنهم متأثرون بفلسفات ما بعد حداثية، تقوم على النسبوية الثقافية ورفض الكونية، وهذا ما يدفعهم إلى «تسامح مبالغ فيه» مع ممارسات مجموعات الهوية غير الغربية.
هنالك إذن توتر بين الفرادنية والجماعاتية في المعسكر المزعوم لـ«العالميين»، وهذا التوتر ليس مقتصرا عليهم، فهو يطبع معظم نواحي الحياة المعاصرة، وسنجده بشكل كبير أيضا لدى من يوصفون بـ«المحليين»، الذين من المفترض أنهم أقرب للتقاليد والأنماط الاجتماعية الراسخة، إلا أنهم في الواقع يشهدون عمليات تذرر اجتماعي كبير، تظهر آثارها في تطور النزعات الهامشية والراديكالية وضد المجتمعية بينهم، مثل التطرف اليمني، وحركات الهوية، والنوادي والتجمعات شبه المغلقة للمستائين اجتماعيا. قد يكون متطرف يميني يميل لحركات الإحياء الوثني، وموسيقى الروك والكانتري القومية، أكثر فردانية بكثير من ناشط بيئي مهووس بمسؤوليته الاجتماعية عن إنقاذ الكوكب.
هنالك إذن أسباب بنيوية عابرة للأيديولوجيات والمعسكرات السياسية، تنتج الأشكال المعاصرة للفردانية والجماعاتية، وبالتالي فمن الصعب تحديد خطوط الانقسام الاجتماعي بناء على هذا العامل.
عالمية النسبويين
يوجد نقد أو اتهام شائع لـ«العالميين» بأنهم متأثرون بفلسفات ما بعد حداثية، تقوم على النسبوية الثقافية ورفض الكونية، وهذا ما يدفعهم إلى «تسامح مبالغ فيه» مع ممارسات مجموعات الهوية غير الغربية. كما أن انتقاد «الرجل الأبيض»، وكونيته القائمة على الاستعمار والهيمنة الثقافية، عنصرٌ أساسي في خطابهم. ولعل الجمع بين النسبوية والمنظور المعولم هو من أكثر التناقضات الثقافية طرافة في عصرنا. إلا أن هذه النسبوية لا تقود، كما يدّعي بعض أنصارها، إلى نزعة عالمية جديدة بدون مركزية غربية، تتمتع فيها الثقافات المختلفة بقيمة متساوية، بل هي، للمفارقة، تنتج نوعا من القيم الكونية، مثل «التسامح» وحقوق المثليين والأقليات والنسوية، تنطلق من «الغرب» إلى بقية العالم. وهي، مثل كل النزعات الكونية، التي نجدها في الأديان والأيديولوجيات الكبرى، ترى أن من حقها فرض نفسها في كل مكان، وتعديل الممارسات الثقافية المحلية لتتوافق معها. نشهد أيضا نوعا من «الاستعلاء بالليبرالية» بين الناشطين الغربيين تجاه عدد من الدول والمجتمعات غير «الغربية»، مثل روسيا والصين وبعض دول أوروبا الشرقية، التي توصف بأنها استبدادية وأبوية. وبغض النظر عن أحقية تلك القيم، وهي تستحق برأينا التعميم والانتشار من حيث المبدأ، فهنالك عدم اتساق منطقي فاضح في خطاب «العالميين». ربما كان الاعتراف بأنهم يحملون لواء المركزية الغربية الجديدة أكثر صدقا وتصالحا مع الذات. إلا أن المركزية الغربية ليست حكرا على هؤلاء، فسياسات «المحليين»، خاصة في شقها الشعبوي، أثبتت أنها قابلة للانتشار عالميا، فنرى نسخا منها في عدد من الدول غير الغربية، من باكستان إلى لبنان وتونس وصولا للبرازيل.
وعلى الرغم من وجود عوامل كثيرة تمنع نشوء أممية شعبوية، فهنالك أنماط واضحة من التضامن وتبادل الخبرات بين الشعبويين حول العالم. تميل الشعبوية للحمائية والحدود المغلقة، إلا أن هاتين السمتين ليستا متناقضتين بشكل جذري مع العولمة، بل هما جانب من جوانبها في فترات الانكماش الاقتصادي وانفجار الفقاعات المالية. كثير من المسؤولين والقوى السياسية في أيامنا يتحدثون بلسان ليبرالي ويقومون بممارسات شعبوية، أو حتى يستنسخون عناصر أساسية من أجندة اليمين، من جديد لا يبدو المعسكران متعارضين لدرجة كبيرة.
أين الصراع؟
هنالك حالة من النقمة ضد أنماط حياة «العالميين»، فهم، فضلا عن انحلالهم وتضييعهم للقيم، قمعيون ويريدون فرض أفكارهم وأنماط حياتهم، كما يرى كثير من «المحليين» والشعبويين، إلا أن الفئات المدينية «الملونة» لا يمكن أن تشكّل بحد ذاتها نقيضا اجتماعيا فعليا لأي طرف، لأنها من عوارض النظام العالمي اقتصاديا واجتماعيا، ونتيجةٌ له وليس سببا، ولا تتمتع فيه بموقع اجتماعي مسيطر. قد يلعب عدد من أفرادها دور المثقفين العضويين للنيوليبرالية، ولكن «الكتلة التاريخية» للمنظومة السائدة لا تقتصر عليهم بالتأكيد. الأزمة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة هي أزمة هيكلية، تتعلق بعوامل أخرى كثيرة غير الثقافة وأنماط الحياة، على رأسها تطورات الاقتصاد المعولم، وما يرتبط به من صراعات سياسية واستراتيجية وأيديولوجية. هي أزمة تنتج عشرات النزاعات المنتشرة على امتداد الجسم الاجتماعي، بما يتجاوز القسمة بين العالميين والمحليين، ويخترق معسكريهما المفترضين. حروب الثقافة والهوية هي جانب واحد من مشهد أكبر، وليست جوهر الصراع نفسه، أما «ما بعد المادية» فقد تكون وهما مريحا للفئات الأكثر حظا، في عالم كان وسيبقى ماديا بشدة.
هذه النزاعات لها اسم عتيق هو «الصراع الطبقي»، الذي يدور على مستوى عالمي، وفي كل مجتمع على حدة في الوقت ذاته. هنالك عمال آسيويون يصنعون الأعلام الملونة التي نراها في «مسيرات الفخر»، وآخرون غربيون ينتجون السلع «الأيكولوجية» و«الإقليمية»، أو ينفّذون على الأقل المرحلة الأخيرة من إنتاجها، بعد أن تكون قد مرّت بمراحل طويلة من العمل شبه المجاني، الذي يقوم به الملايين حول العالم، قبل أن تصل أخيرا إلى الموائد الأخلاقوية التي يتصارع عليها العالميون والمحليون.
٭ كاتب من سوريا