محمد‭ ‬علوان‭ ‬في‭ ‬لماذا‭ ‬تكرهين‭ ‬ريمارك؟‭:  ‬سلطة‭ ‬التخييل‭ ‬الروائي‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬سردية‭ ‬التاريخ‭ ‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬الواقع‭ ‬بشخصياته‭ ‬وأمكنته‭ ‬وأزمنته‭ ‬يستيقظ‭ ‬شاخصا‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬المبنى‭ ‬الحكائي‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬لماذا‭ ‬تكرهين‭ ‬ريمارك؟‮»‬‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬2018،‭ ‬إلاّ‭ ‬ان‭ ‬مخيلة‭ ‬المؤلف‭ ‬محمد‭ ‬علوان،‭ ‬تنفرد‭ ‬بسلطة‭ ‬إجراءاتها‭ ‬السردية،‭ ‬وقد‭ ‬أمسك‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬بكل‭ ‬الخيوط‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬لعبة‭ ‬السرد،‭ ‬بذلك‭ ‬تحققت‭ ‬شكلانية‭ ‬البناء‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والواقع‭ ‬المتخيل،‭ ‬بمعنى‭ ‬ان‭ ‬بنية‭ ‬السرد‭ ‬قد‭ ‬استلهمت‭ ‬طاقتها‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬كافة‭ ‬العناصر‭ ‬الروائية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تمتلكه‭ ‬مخيلة‭ ‬المؤلف‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭.‬

ما‭ ‬بعد‭ ‬القص‭ ‬

اعتمد‭ ‬محمد‭ ‬علوان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تختزنه‭ ‬تقنيات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬القص‭ ‬من‭ ‬امكانات‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬خطاب‭ ‬روائي‭ ‬يمنح‭ ‬تقنيات‭ ‬السرد‭ ‬مساحة‭ ‬من‭ ‬الحركة‭ ‬والحضور،‭ ‬وقد‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بتفكيك‭ ‬سرديات‭ ‬التاريخ‭ ‬وذاكرته‭ ‬بسرديات‭ ‬تتحرك‭ ‬من‭ ‬وحي‭ ‬المخيلة،‭ ‬لخلق‭ ‬ذاكرة‭ ‬روائية‭ ‬مضادة،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬تفكيك‭ ‬بنية‭ ‬الزمن‭ ‬الموضوعية‭ ‬لتأخذ‭ ‬شكلا‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬التداعي‭ ‬الحر،‭ ‬عندما‭ ‬تولت‭ ‬شخصيات‭ ‬الرواية‭ ‬الرئيسية‭ ‬مسؤولية‭ ‬القيام‭ ‬بمهمة‭ ‬الصوت‭ ‬السادر،‭ ‬فالزمن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خارجيا‭ ‬انما‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬داخلي‭ ‬ذاتي‭ ‬اكتسب‭ ‬شكله‭ ‬الدرامي‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬الأصوات‭ ‬الساردة‭ ‬له،‭ ‬والتناول‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬الانعكاسي‭ ‬للتاريخ‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬نسف‭ ‬ادعاءات‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الواقعي‭.‬

انفتحت‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬العراقي‭ ‬عندما‭ ‬تعرضت‭ ‬لسلطة‭ ‬القمع‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬دكتاتورية‭ ‬الحزب‭ ‬الواحد‭ ‬أثناء‭ ‬حكم‭ ‬حزب‭ ‬البعث،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬شخصية‭ ‬برهان،‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬يهرب‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬بيروت‭. ‬كما‭ ‬تناولت‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية‭ ‬عبر‭ ‬شخصية‭ ‬رزاق‭ ‬شقيق‭ ‬برهان‭ ‬وثريا،‭ ‬الذي‭ ‬قتل‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحرب،‭ ‬لتصل‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬تناولها‭ ‬للتاريخ‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬من‭ ‬عنف‭ ‬طائفي‭ ‬ومذهبي‭ ‬بعد‭ ‬العام‭ ‬2003‭ ‬وهيمنة‭ ‬الملثمين‭ ‬والميليشيات‭ ‬على‭ ‬الحياة‭. ‬إلاّ‭ ‬ان‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬سلطة‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬وأحداث‭ ‬الرواية،‭ ‬أخذت‭ ‬مسارا‭ ‬معقدا‭ ‬تداخل‭ ‬فيه‭ ‬المتخيل‭ ‬الروائي‭ ‬مع‭ ‬الحدث‭ ‬الواقعي،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬اعتماد‭ ‬المؤلف‭ ‬على‭ ‬تقنية‭ ‬النص‭ ‬داخل‭ ‬النص،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬تضمين‭ ‬الرواية‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬من‭ ‬سيناريوهات‭ ‬أكرم‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن،‭ ‬الصديق‭ ‬الوحيد‭ ‬للشخصية‭ ‬المحورية‭ ‬برهان،‭ ‬متناولا‭ ‬فيها‭ ‬موضوعة‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬فقد‭ ‬ساقه‭ ‬على‭ ‬إثر‭ ‬انفجار‭ ‬سيارة‭ ‬مفخخة،‭ ‬ليقرر‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬ان‭ ‬يتفرغ‭ ‬للكتابة‭ ‬ويسلم‭ ‬مسؤولية‭ ‬إدارة‭ ‬ما‭ ‬ورثه‭ ‬عن‭ ‬والده‭ ‬من‭ ‬عقارات‭ ‬إلى‭ ‬وكلاء‭ ‬يتولون‭ ‬هذه‭ ‬المهمة،‭ ‬فأحدث‭ ‬التوظيف‭ ‬التناصي‭ ‬لتلك‭ ‬السيناريوهات‭ ‬مفارقة‭ ‬تهكمية‭ ‬ساخرة‭ ‬من‭ ‬الحدث‭ ‬الواقعي‭ ‬وتهشميا‭ ‬لرواية‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭.‬

هذا‭ ‬العمل‭ ‬الروائي‭ ‬تمركز‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬فنية‭ ‬تزيح‭ ‬الفجوة‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬الأدب‭ ‬عن‭ ‬التاريخ،‭ ‬بمعنى‭ ‬انها‭ ‬تنسف‭ ‬العلاقة‭ ‬التقليدية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سلطة‭ ‬التهكم‭ ‬بالماضي‭ ‬وإحداث‭ ‬علاقة‭ ‬تضادية‭ ‬تتقصد‭ ‬إحداث‭ ‬قطيعة‭ ‬معه‭ ‬ومع‭ ‬الواقعية‭ ‬باعتبارها‭ ‬أسلوبا‭ ‬وتقنية‭ ‬بنائية‭ ‬في‭ ‬تناول‭ ‬الواقع،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬القائم‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬المتخيل‭ ‬والواقعي،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬مسافة‭ ‬بينهما‭.‬

اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬تقنية‭ ‬النص‭ ‬الضمني‭ ‬منح‭ ‬المبنى‭ ‬الحكائي‭ ‬جنوحا‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬بنيته‭ ‬الشكلية،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬مراهنة‭ ‬تقنية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المؤلف‭ ‬محمد‭ ‬علوان،‭ ‬قصد‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬كسر‭ ‬الرتابة‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬السردي،‭ ‬وهو‭ ‬اختبار‭ ‬ضمن‭ ‬اختبارات‭ ‬أخرى‭ ‬باتت‭ ‬تفرض‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬النتاج‭ ‬الروائي‭ ‬العراقي‭ ‬الحديث‭ ‬تتوخى‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬فنية‭ ‬تعيد‭ ‬صياغة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المؤلف‭ ‬والمتلقي‭ ‬والنص‭ ‬الروائي،‭ ‬وقد‭ ‬بدأنا‭ ‬نشهد‭ ‬محاولات‭ ‬حثيثة‭ ‬لتشكيل‭ ‬هذا‭ ‬المبنى‭ ‬التضادي‭ ‬للبنية‭ ‬التقليدية،‭ ‬مع‭ ‬إقرارنا‭ ‬بان‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الصيرورة،‭ ‬وبلاشك‭ ‬سيفضي‭ ‬إلى‭ ‬تجارب‭ ‬واضحة‭ ‬وربما‭ ‬مهمة‭ .‬

أنسنة‭ ‬المكان‭ ‬

دلالة‭ ‬المكان‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬بقيمته‭ ‬الفيزيائية‭ ‬أو‭ ‬الجغرافية،‭ ‬انما‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬مخزون‭ ‬روحي‭ ‬وإنساني،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تشير‭ ‬إليه‭ ‬الأسطر‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬عندما‭ ‬يصف‭ ‬الراوي‭ ‬العليم‭ ‬البيت‭ ‬الذي‭ ‬تسكنه‭ ‬شخصية‭ ‬باجي‭ ‬ثريا،‭ ‬شقيقة‭ ‬برهان‭ ‬‮«‬ها‭ ‬هي‭ ‬تقف‭ ‬وحيدة‭ ‬الآن،‭ ‬إلاّ‭ ‬مِن‭ ‬روائح‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زاوية‭ ‬من‭ ‬زواياه‭. ‬تضع‭ ‬رأسها‭ ‬على‭ ‬الكتل‭ ‬الصماء‭ ‬للجدران‭ ‬المشبعة‭ ‬بهذه‭ ‬الروائح‮»‬‭.‬

على‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مدينة‭ ‬بيروت‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬مكانا‮»‬‭ ‬بديلا‭ ‬اختاره‭ ‬برهان‭ ‬ليكون‭ ‬ملاذا‭ ‬آمنا‭ ‬له،‭ ‬قد‭ ‬امتلكت‭ ‬تلك‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬تتوهج‭ ‬الروح‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬رغم‭ ‬الطمأنينة‭ ‬التي‭ ‬وجدها‭ ‬فيها‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬باسم‭ ‬مزوَّر‭ ‬حيث‭ ‬استعار‭ ‬اسم‭ ‬صديقه‭ ‬‮«‬أكرم‮»‬‭ ‬ليتمكن‭ ‬من‭ ‬الإفلات‭ ‬والخلاص‭ ‬من‭ ‬متابعة‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬‮«‬ثمة‭ ‬ذاكرة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬داخله،‭ ‬دائما،‭ ‬هي‭ ‬مدينة‭ ‬الثورة،‭ ‬وهي‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬تسعها‭ ‬كل‭ ‬ذاكرات‭ ‬العالم‮»‬‭.‬

هنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬يكتسب‭ ‬المكان‭ ‬دلالته‭ ‬وأهميته‭ ‬لأنه‭ ‬يحدد‭ ‬طبيعة‭ ‬الشخصيات‭ ‬وردود‭ ‬أفعالها‭ ‬وفقا‭ ‬لما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬وتجربة‭ ‬إنسانية‭ ‬وتواصل‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المكان‭ ‬ذاته،‭ ‬فالحي‭ ‬السكني‭ ‬الشعبي‭ ‬المسمى‭ ‬‮«‬قطاع‭ ‬18‮»‬‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الثورة،‭ ‬الذي‭ ‬احتوى‭ ‬الشخصيات‭ ‬الرئيسية‭ (‬برهان‭ ‬وشقيقته‭ ‬ثريا‭ ‬وصديقه‭ ‬أكرم‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭) ‬كان‭ ‬مسرحا‭ ‬لسيرهم‭ ‬الذاتية‭ ‬وتجليات‭ ‬علاقتهم‭ ‬الثنائية‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬تأرجحت‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحضور‭ ‬والغياب‭. ‬والمكان‭ ‬بهذا‭ ‬السياق‭ ‬الدلالي‭ ‬سيفرض‭ ‬اشتغالاته‭ ‬السردية‭ ‬المتواترة‭ ‬وتراسله‭ ‬الرمزي‭ ‬بالقدر‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ ‬مشفَّرا‭ ‬بمحمولات‭ ‬الهوية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬بأبعادها‭ ‬الاجتماعية‭.‬

ثريا‭: ‬‮«‬لست‭ ‬وحدي‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬ضاج‭ ‬بحياة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬كل‭ ‬جدرانه‭ ‬موشومة‭ ‬بذكريات‭ ‬عشرات‭ ‬السنين،‭ ‬فثمة،‭ ‬برهان،‭ ‬الذي‭ ‬هرب‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬ضاق‭ ‬عليه‭ ‬الخناق‭. ‬وثمة،‭ ‬رزاق،‭ ‬الذي‭ ‬هرسته‭ ‬مخالب‭ ‬أشرس‭ ‬حرب،‭ ‬وأطولها،‭ ‬ولم‭ ‬تترك‭ ‬بيتا‭ ‬إلا‭ ‬أقامت‭ ‬فيه‭ ‬مناحة‮»‬‭.‬

تقنية‭ ‬التناص‭ ‬

التناص‭ ‬المتكئ‭ ‬على‭ ‬السيناريوهات‭ ‬السينمائية‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬أكرم‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن،‭ ‬حققت‭ ‬سردية‭ ‬صغرى‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬سرديات‭ ‬التاريخ‭ ‬والواقع،‭ ‬والغاية‭ ‬من‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬التقنية،‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬الترابطات‭ ‬القائمة‭ ‬بينهما،‭ ‬وبناء‭ ‬سرديات‭ ‬جديدة‭ ‬للأحداث،‭ ‬تضع‭ ‬المتلقي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الرفض‭ ‬والتأمل‭ ‬والتأويل،‭ ‬تأخذ‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬عال‭ ‬من‭ ‬القراءة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬تفتح‭ ‬مدارات‭ ‬مغلقة‭ ‬في‭ ‬آفاق‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬يتركب‭ ‬من‭ ‬زمنين‭ ‬روائيين،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬ان‭ ‬الرواية‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬نصا‭ ‬روائيا‭ ‬ضمنيا‭ ‬يتداخل‭ ‬ويتوازى‭ ‬ويتقاطع‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭ ‬الأساسي‭. ‬ومع‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬الفنية‭ ‬المركبة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬والسيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬والمتخيل‭ ‬الروائي‭ ‬نقف‭ ‬أمام‭ ‬فضاء‭ ‬سردي‭ ‬يتواجه‭ ‬فيه‭ ‬الحب‭ ‬والجمال‭ ‬والفن‭ ‬مع‭ ‬الحرب‭ ‬والموت‭ ‬والواقع‭.‬

اعتمد‭ ‬المؤلف‭ ‬محمد‭ ‬علوان‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬عالمه‭ ‬الفني‭ ‬على‭ ‬تقنيات‭ ‬متنوعة‭: ‬الرسائل‭ ‬والأفلام‭ ‬والنصوص‭ ‬القصصية‭ ‬والمذكرات‭ ‬والأغاني،‭ ‬ليقدم‭ ‬لنا‭ ‬عالما‭ ‬روائيا‭ ‬تحتشد‭ ‬فيه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬طاقة‭ ‬هائلة‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬الموت‭ ‬والقهر‭ ‬والقمع‭ ‬والاستلاب،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬المقاومة‭ ‬تستند‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬سلاح‭ ‬سوى‭ ‬الحب‭.‬

إذن‭ ‬هي‭ ‬رواية‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تتصدى‭ ‬لموضوعة‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تطارد‭ ‬الإنسان‭ ‬وترسم‭ ‬مصيره‭ ‬التعس‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬للحب‭ ‬وقت‭ ‬وللموت‭ ‬وقت‮»‬‭ ‬للكاتب‭ ‬الألماني‭ ‬أريش‭ ‬ريمارك،‭ ‬الذي‭ ‬استعار‭ ‬منه‭ ‬المؤلف‭ ‬عنوان‭ ‬روايته‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬وضعه‭ ‬عنوانا‭ ‬لإحدى‭ ‬اللوحات‭ ‬التشكيلية‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬برهان‭ ‬نوري‭ ‬عبد‭ ‬العزيز،‭ ‬فالحب‭ ‬كان‭ ‬الجدار‭ ‬الذي‭ ‬استندت‭ ‬عليه‭ ‬جميع‭ ‬الشخصيات‭ ‬الرئيسية،‭ ‬برهان‭ ‬وثريا‭ ‬وأكرم‭ ‬وهالة‭ ‬وسميرة‭ ‬ورندة‭.‬

محمد‭ ‬علوان‭:‬

‭ ‬‮«‬لماذا‭ ‬تكرهين‭ ‬ريمارك؟‮»‬‭ ‬

دار‭ ‬الحكمة،‭ ‬لندن‭ ‬2018

180‭  ‬صفحة‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية