محمد أيت حمو الباحث في الدراسات الرشدية: اذا سلكت الى الاصلاح مسلكه فأنت بالكفر متهم!

حجم الخط
0

أجرى الحوار: يونس الأحمدي ـ رشيد ابن السيد: 1 ـ ينصب انشغالك الأكاديمي على الفلسفة والفكر الإسلامي أساسا، دعنا نسألكم في البداية ماذا يعني لكم ذلك؟ وما هي دوافعه؟ يعني لي ذلك الكثير:

أولا: الاستعانة بعلوم الحكمة والمشاركة في علوم الملة، الاستفادة من القديم والجديد، والجمع بين الأصالة والمعاصرة، والمواءمة بين التراث والحداثة. يعني لي الجمع المتوازن بين علوم الأنا وعلوم الآخر، والانفتاح على الآخر المخالف والمغاير لي دينيا وثقافيا ولغويا وجغرافيا. داخل الأنا هناك الآخر، وفي طيات الأنا يوجد الآخر، والغيرية تعمل في طيات الأنية تماما مثلما يعمل الاختلاف في طيات التشابه والتطابق. فجدل الأنا والآخر يطرح علاقة الخصوصية والمحلية بالكونية والعالمية التي لا ينبغي أن تكون علاقة تقليد وانغلاق وتقوقع تماما مثلما لا ينبغي أن تكون علاقة ذوبان وتغريب وتبعية. ثانيا: الاستفادة من الكوني والعالمي لتلقيح وإخصاب الفكر الإسلامي بمكتسبات العصر، وجعل هذا الفكر يتوافق مع مثل الديموقراطية وقيم الحرية والعدل والمساواة والحريات العامة، والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، التي هي ‘مناخ الوقت L’air de temps’ حسب التعبير الفرنسي، والأوكسجين الذي بدونه ‘سنتوقف عن أن نكون’. فهذه القيم هي قيم كونية لا تتعارض مع تأويلات جديدة في الفكر الإسلامي للنص الديني باعتباره نصا مفتوحا باستمرار. ثالثا: تحقيق ‘المجتمع المفتوح’ الذي يسوده الحوار والاختلاف والانفتاح والتسامح والتعدد ومناهضة ثقافة اللاقراءة والغرور والتعصب، والعمل على تحقيق إسلام عقلاني معتدل ومتسامح يرفع لواء الحوار، ليس فيه موطئ قدم لـ’النوابت’ بالمعنى الذي يعطيه الفارابي وليس الباجوي لكلمة النوابت، أي لا مكان فيه من جهة أولى، للعلمانية المتطرفة التي تتطاول وتتجرأ على الدين وتغفل بعدا من أهم أبعاد الإنسان، ولا مكان فيه من جهة ثانية للتطرف والتعصب الديني الذي يصدق على أصحابه قول الشاعر العراقي المعروف معروف الرصافي: إذا سلكت إلى الإصلاح مسلكه فأنت في رأيهم بالكفر متهم 2 ـ الدين والسياسة والتصوف هي القضايا التي شكلت مدار الحديث في كتابيكم، وهي من الإشكالات المتعلقة بالمجال العملي في الفلسفة الإسلامية، هل تعتقدون أن البحث في الفلسفة الإسلامية مطالب بالانتقال من الميثافيزيقا إلى الممارسة؟ من العقل النظري إلى العقل العملي؟

إن العقل واحد له وظائف ومستويات، أهمها الوظيفة النظرية والوظيفة العملية. وتبعا لذلك لا يمكن الحديث عن القطيعة بين العقلين، ما دام أن العقل العملي هو أفق بالنسبة للعقل النظري، وامتداد إبستيمولوجي له. فالعقل النظري يقوم على التحليل، بينما يقوم العقل العملي على المسلمات. فالعقل العملي لا يستغني عن العقل النظري، والعمل يحتاج إلى النظر. والفلسفة الإسلامية لم تحتج إلى كل هذه المدة الفاصلة لتنتقل إلى الممارسة والعمل، بل ولت وجهها شطر هذا الأمر مع الفلاسفة القدماء أنفسهم كالغزالي وابن خلدون. 3 ـ تذهبون في دراستكم الأولى عن ابن خلدون إلى ضرورة تجسير العلاقة بين الفلسفة والتصوف، ما الذي يبرر في تصوركم الحاجة إلى هذا الحوار والوصل لاسيما وأن الحداثة ارتبطت في التقليد الفكري العربي المعاصر بالمرجعية العقلانية الرشدية التي تقود إلى القطيعة والفصل بينها؟ وفي هذا الإطار كيف تقيمون اهتمام الدارسين العرب بالتجربة الصوفية في الإسلام؟

دعني في البداية أشير إلى أن مسيرة التجديد في فكر الحداثة لم تتوقف يوما مادام الإنسان الذي يلجأ إلى عقله دون سواه يقرر مصيره بنفسه، حيث أصبحت مدرسة الحداثة حالة ثقافية مستديمة يمكن رصدها في فلسفة كل زمان ومكان. أضف إلى ذلك أن مفهوم الحداثة كما شاع توظيفه خلال القرن العشرين قد تقادم، ولم يعد يتلاءم ومتطلبات العصر الحالي، الأمر الذي استلزم انبثاق مدرسة جديدة، هي ما بعد الحداثة، التي أسست لها مدرسة فرانكفورت بقيادة أدورنو وهوركهايمر وماركوز وهابرماس وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين الألمان. فأصبحنا أمام الحداثة العقلانية النقدية التي يضعها محمد اركون مقابل الحداثة المتوحشة.

وتبعا لذلك، فما يبرر ضرورة تجسير العلاقة بين الفلسفة والتصوف، أو هذه الحاجة إلى هذا الحوار والوصل هو الإنصات لما بعد الحداثة التي أعادت الاعتبار للعقلانية الحوارية والتواصلية والجدلية، والإنصات للمنسي والمقصي، وفي مقدمته الأديان والأساطير والأحلام والأوهام، والدفاع عن عقلانية متسامحة ومنفتحة وخصبة وملقحة ومخصبة. فليس بالعقل وحده يحيى الإنسان. أما ارتباط الحداثة في التقليد الفكري العربي المعاصر بالمرجعية العقلانية الرشدية، فهو ارتباط يخلو من العلمية والدقة الأكاديميين، ويخضع لهموم إيديولوجية نتفهمها ولا نتبناها. فالدراسات الرشدية المعاصرة قراءات إيديولوجية تقوم بلي عنق ابن رشد الذي ينتمي إلى الأفق أو الإبيستيمي الوسطوي غير المستسيغ لحرية العقيدة والفكر والمواطنة والتسامح والعقلانية وأولوية الذات على الموضوع. فقد ظل ابن رشد حبيس الأطر الاجتماعية لمعرفة عصره، والتي كان من المتعذر عليه القفز عليها، وذلك باعتراف بعض الباحثين المعاصرين الذين ينحون منحى رشديا مثل محمد المصباحي الذي يتحدث بجرأة الأسد عن عوائق الحداثة في فلسفة ابن رشد في كتاباته المتأخرة دون المتقدمة. أما عن تقييمنا لاهتمام الدارسين العرب بالتجربة الصوفية في الإسلام فهو تقييم إيجابي يشدد على أهمية وجدية هذه الدراسات التي اشتغلت على هذا الموضوع، إن تحقيقا أو دراسة أو تأويلا. فالتصوف في الإسلام يمتاز بنزعة إنسانية عالمية منفتحة على سائر الأديان والأجناس على حد قول الفيلسوف الوجودي عبد الرحمان بدوي. يفتح آفاقا رحبة، وفضاءات واسعة للبشرية جميعا على المستقبل، ويخترق الأزمنة والأمكنة مطلا على ما بعد الحداثة، وخاصة مع متصوف في مستوى ابن عربي.4 ـ كيف يمكن أن نفهم نقد ابن خلدون للفلسفة مع العلم أن الصنائع والعلوم العقلية شروط ضرورية لقيام العمران البشري؟ إن لابن خلدون قدما راسخة في الفلسفة، فهو فيلسوف كبير بمقدار نقده للفلسفة. إن الفلسفة عند القدماء مباحث متعددة، وليست مبحثا واحدا. ونقد ابن خلدون للفلسفة هو نقد لمبحث بعينه واحد ووحيد، وهو مبحث الالهيات أو الميثافيزيقا. ونقد هذا المبحث ليس قدحا في العقل، بل انتصار له، ووضع حدود له، وانتشاله من براثن الظنون والتخمينات والأوهام والبنايات الميثافيزيقية الشاهقة التي شيدها الفلاسفة، ناهيك عن الكواكب والنجوم والسماوات الحية والعاقلة، فقد أعجب الفلاسفة المسلمون بالصحيح والخاطئ في الفلسفة اليونانية، وابتعدوا عن المعطيات الدينية والعلمية، فقالوا بعقول الأفلاك وحيوانية السماء… . مما دفع بابن خلدون إلى الاستعاضة عن عجز العقل في الإلهيات بقوته في الفيزيقا والحسي والوضعي. إنه كانط العالم العربي الإسلامي. لأنه وضع الحدود لقدرة العقل في الإلهيات على طريقة كانط الذي ميز بين النومين والفينومين، وجعل معرفتنا حكرا على الفينومين دون النومين. فحدود المنطق هي حدود العالم. والعلوم الإلهية تند عن مسالك المنطق وتدق عن مدارك العقل وتخريجاته. أما علم العمران فهو علم للاجتماع البشري، وأبعد ما يكون عن الميثافيزيقا. وابن خلدون كان برغماتيا في تعامله مع الفلسفة. ووضعيا مع الميثافيزيقا مع إيمان كلي بها.5 ـ هل يمكن أن نعتبر موقف ابن خلدون النقدي للفلسفة استمرارا للحوار بين الغزالي وابن رشد أو بالأحرى هل كان الدافع لدى ابن خلدون هو الرد على الموقف الرشدي وتجاوزه؟

بطبعية الحال، فإن ابن خلدون ليس نسخة للغزالي، بل له ملامحه المغربية وخصوصياته المميزة له عن الغزالي رغم سيره على خطى هذا الأخير. فهو يستأنف ويتجاوز النقد المشرقي للفلسفة، إنه يقف على قمة الفكر الفلسفي الإسلامي، ويمثل أوجه ومنتهاه. وتبعا لذلك فإن ابن خلدون تجاوز الغزالي وابن رشد، وانتبه إلى ما لم ينتبه إليه هذان العملاقان، بحكم الجغرافيا والتاريخ والكرونولوجيا، والمتاح للاحق مقارنة مع السابق. فتجاوز الموقف الرشدي، وانفتح على الكلام والتصوف وتحرر من الوصاية الأرسطية، وتقديس نصوص الأوائل. 6 ـ عدا الأطروحة التي تؤكدون فيها أن ابن خلدون ينطلق من نفس المسلمات التي ينطلق منها الغزالي، ما الذي يميز نقد ابن خلدون للفلسفة عن نظيره لدى الغزالي؟ أم هو إعادة إنتاج لنفس الموقف؟

دعني أقول في البداية إن الغزالي لم يبتعد عن الفلسفة، حتى وهو ينتقدها. فبعض الفقهاء لا يرون في المؤلفات الغزالية غير أقوال الصابئة والفلاسفة. وهو ـ حسب الطرطوشي ـ رجل ‘جاهل’ و’ضال’ و’كافر’ أو يكاد! فالمؤلفات الغزالية فيها مستويان أو طبقتان: المستوى الأول ظاهري يوجهه للعامة، والمستوى الثاني خفي لا يفهمه إلا الخاصة الذين لهم دربة في التأمل الكلامي والفلسفي والمناقشات التجريدية الدقيقة. وإلا فكيف يمكن تفسير كتابته للكتب التي يسميها بـ’المضنون بها على غير أهلها’. فهو عاشق للفلسفة وكاره للفلاسفة. وإذا كان الغزالي قد انتقد الفلاسفة في ‘المنقذ من الضلال’، فإن هذا العداء للفلاسفة تقل حرارته في كتاب ‘ميزان العمل’ الذي يتحدث فيه بكلام ودي عن الفلاسفة. ولذلك، فما يميز نقد ابن خلدون للفلسفة عن نظيره لدى الغزالي هو تماسكه وانسجامه وعدم تناقضه، فهو لم يسقط في شرك ما انتقده لدى الفلاسفة، كما فعل الغزالي الذي رفض بعض أطروحات الفلاسفة، ثم عاد ليتبناها لاحقا من حيث يدري أو لا يدري. الأمر الذي أظهره في صورة رجل ولاج خراج، لا يعطي بيد إلا ليأخذ بيد أخرى. ينتقد الفلاسفة هنا في هذه المسائل قبل أن يتبناها بعينها وبقضها وقضيضها هناك! أضف إلى ذلك أن نقد ابن خلدون للفلسفة لم يطل فيه أنفاسه، ويصنف فيه كتبا خاصة بعينها، كما فعل الغزالي الذي كتب في هذا النقد كتاب ‘تهافت الفلاسفة’، دون أن ننسى كتاب’مقاصد الفلاسفة’ الذي يبدو فيه خبيرا بصناعة الفلسفة. هذا إلى جانب التعامل البرغماتي لابن خلدون مع الفلسفة التي يعترف ببعض فوائدها، ويشترط بعض الاشتراطات قبل الانكباب على دراستها.7 ـ لو انتقلنا معكم إلى الدراسة الثانية حول الفارابي، بداية ما الذي قادكم من ابن خلدون إلى الفارابي؟ ما الخيط الرابط بين المؤلفين؟

الانتقال من ابن خلدون إلى الفارابي ليس انتقالا عشوائيا أو اعتباطيا، بل يخضع لمنهج صارم ودقيق، ورؤية واضحة وشاملة. فأنا باحث في الفلسفة الإسلامية، وهو ما يفرض علي امتلاك ناصية هذه الفلسفة ممثلة في كل رموزها بالمعنى الدقيق بدءا بالكندي وانتهاء بابن خلدون آخر فلاسفة الإسلام. مع الانفتاح على الفلسفة بمعناها الواسع الذي يشمل علماء الكلام ومتصوفته. وهنا أستحضر مدرسة مصطفى عبد الرازق التي التفتت إلى الفقه وأصوله وعلم الكلام، وغيرها من العلوم النقلية التي أدت إلى ازدهار عقلانية إسلامية أصيلة. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن الخيط الرابط بين الكتابين هو انشغالي بمبحث فلسفة الدين ذلك أن الانتقال من ابن خلدون إلى الفارابي يحدده العنوان الذي حددت به كل كتاب على حدة. وأقصد هنا لفظة ‘الدين’ في عنوان كتاب الفارابي والتصوف الذي هو إحدى تجليات هذا الدين في عنوان كتاب ابن خلدون. فالدين هو الخيط الرابط بين ابن خلدون والفارابي، بين كتاب الملة وكتاب شفاء السائل. دون أن ننسى السياسة التي هي الخيط الرابط الآخر بين العملاقين ابن خلدون والفارابي. فالسياسة عند القدماء مرتبطة بالدين أو بالفضيلة. فهناك جدلية بين الدين الفاضل والرئيس الفاضل والمدينة الفاضلة والسعادة الحقيقية. وقد اشتهر الفارابي بالمدينة الفاضلة تماما مثلما اشتهر ابن خلدون بعلم العمران. فغاية المرام عند الفارابي من الدين هي عينها غاية المرام من الفلسفة، وهي عينها غاية المرام من السياسة، وهي تحقيق السعادة الإنسانية. وقد عمل الفارابي جاهدا على نزع فتيل النزاع وسوء الفهم بين الدين والفلسفة والسياسة، مميزا بين الملة الفاضلة وهي الأديان السماوية، والملة غير الفاضلة وهي الأديان الوثنية.8 ـ في الفصل الأول الذي خصصتموه للعلاقة بين الفلسفة والدين عند الفارابي من خلال كتاب الملة، أثرتم الانتباه إلى ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي غياب الاهتمام الفلسفي بالدين من قبل فلاسفة الإسلام في مقابل هيمنة الفقهاء على المسألة، هل هناك إمكانية لتأسيس مبحث خاص بفلسفة الدين في الفلسفة العربية المعاصرة؟ أعتقد أن الفلسفة الإسلامية يمكن أن تساهم في إغناء وإثراء فلسفة الدين في العصر الحاضر، رغم بعض مظاهر القصور لدى بعض فلاسفة الإسلام الذين رفضوا الانفتاح على علم الكلام والتصوف. وأعتقد أن هناك بعض المشاريع الفلسفية الجدية لتي انخرطت في هذا الاتجاه، بعضها معروف، وبعضها الآخر ما زال مغمورا. ومع ذلك، فإن تأسيس مبحث فلسفة الدين في الفلسفة العربية المعاصرة سيكون أغنى وأثرى بانفتاحه على الثيولوجيا والتصوف وغيرها من التجليات الثقافية الأخرى للوحي الإلهي. ويحضرني هنا ما يسمى اليوم بعلم الكلام الجديد الذي يؤكد على الأبعاد الأخلاقية والتاريخية والاجتماعية للدين.9 ـ في رأيكم، ما هي الدلالات النظرية والرهانات العملية لنقل الفكر السياسي من التأسيس البرهاني إلى التأسيس الحجاجي؟ الدلالات النظرية والرهانات العملية لنقل الفكر السياسي من التأسيس البرهاني إلى التأسيس الحجاجي، تتمثل من جهة أولى في كون مجال السياسة هو مجال مصالح مادية محضة، لهذا ينبغي أن تسود فيه أسس تنتمي لهذا المجال. وهذا يعني تمييز ما هو سياسي عن ما هو أخلاقي. دون أن يعني هذا أننا ضد الأخلاق. فالفعل السياسي يستند إلى ضوابط محددة ومعينة تندرج في إطار مؤسسة معينة تتحمل مسؤولية فرضها على الجميع، في حين أن الضوابط الأخلاقية تعتمد بالدرجة الأولى على الضمير والثقة؛ وهذا ما يسمى في الفكر السياسي والفلسفي بالمستوى الأفقي، بمعنى أن الناس في مستوى واحد يسيرون في اتجاه واحد، مما يتناقض مع الاتجاه القديم الذي يقول بالمستوى العمودي أي يقوم على التراتبية. ومن جهة ثانية في كون السياسة تنتمي إلى منطق الحجاج لا إلى منطق البرهان الذي يقصي كل وجهات النظر المخالفة والمغايرة. فالسياسة ترتبط بأمتن الروابط بالأساليب الحوارية والجدلية والسفسطائية والخطابية والشعرية. إذ يرتد أصل منطق الحجاج إلى المنطق الأرسطي، وقد تم إهمال الحجاج في الفلسفة الحديثة ليتم إعادة الاعتبار إليه في الفلسفة المعاصرة، خصوصا مع فلسفة هابرماس HABERMAS . ولعل إعادة الاعتبار للحجاج في الفلسفة المعاصرة تقف وراءه عدة عوامل تمثلت في تلك التحولات التي عاشتها أوربا في مختلف المجالات، نذكر منها التقدم الحاصل في مجالات السوسيولوجيا المهتمة بالجماهير، والسيكولوجيا التي تهتم بالنفس والناس والتأثير فيهم، وجعلهم يعملون وفق مبادئ معينة، إضافة إلى تطور اللسانيات. وكل هذا يضيف إلى مبحث الحجاج معناه القديم عند أرسطو ليصبح بذلك الحجاج مبحثا قديما وجديدا في الآن عينه لما أضيف إليه من تعديلات جعلته في صياغة جديدة، كما نجد مع بيرلمان Perelman الذي قدم لنا المبحث في صيغة جديدة جعلته شاملا وجامعا لمختلف مواضيعه التي كانت مشتتة ومتضمنة في مباحث عديدة، نذكر منها مبحث الجدل، الخطابة، الشعر، السفسطة، الأورغانون. 10 ـ فيم تتجلى راهنية الفلسفة السياسية لدى الفارابي في ظل الأوضاع الراهنة للعالم العربي والإسلامي؟ وهل ترتقي مساهمة الفارابي السياسية إلى درجة التأسيس للتجديد السياسي؟

أعتقد أن ماكيافيل يشكل قطيعة مع الفكر الفلسفي السياسي القديم، سواء تعلق الأمر بالفلسفة السياسية اليونانية، أو بالفلسفة السياسية الإسلامية. ومن هذه الزاوية الجديدة للفلسفة السياسية الحديثة ـ لا الفلسفة السياسية المعاصرة ـ قد لا نجد راهنية للفارابي باعتباره أعظم رموز الفلسفة السياسية في الإسلام إبداعا واقتباسا من الفلسفة اليونانية. ولكن مع ذلك، نقول من زاوية الفلسفة السياسية المعاصرة بأن مساهمة الفارابي السياسية قد ترتقي إلى درجة التأسيس للتجديد السياسي، إذا أخذنا بعين الاعتبار بعض المشاريع الفلسفية السياسية المعاصرة الكبرى، مثل مشروع ستراوس الذي يبتغي إعادة الاعتبار للدين، دون أن يجد غضاضة أو حرجا في الاستنجاد بأخلاق وسياسة الماضي لإخصاب أخلاق وسياسة الحاضر للخروج من عنق زجاجة الحداثة السياسية الراهنة، والاستغاثة بتاريخ الفلسفة ممثلا في أهم رموزه كسقراط وأفلاطون وأرسطو والفارابي وابن رشد، وابن ميمون. وهذا يعني أن القديم قد يتضمن من الآفاق ما يجعل الجديد يستدعيه ليمد له يد المساعدة والمؤازرة لحل أزمته وتصحيح اعوجاجه وتقويم منآده.

أما في ما يتعلق بالأوضاع الراهنة للعالم العربي والإسلامي، فدعني أقول بأننا قد تجرعنا من الاستبداد والديكتاتورية ما يكفي من الذل والهوان، وهو شر البلية وأصل الشرور والأدواء التي ألمت بالعالم العربي الإسلامي. فالعدالة والديمقراطية هي فيصل التفرقة بين الشرق والغرب / الانحطاط والتقدم/ الأنظمة السياسية المستبدة والأنظمة السياسية الديمقراطية. ويحضرني هنا بعض مفكري عصر النهضة الذين لم يترددوا في تسديد سهام نقدهم اللاذع للمؤسسة السياسية بالشرق الإسلامي التي لا يخافون في مؤاخذتها لومة لائم، واختاروا تبني النظام الدستوري باعتباره خشبة خلاص من براثن الضعف والوهن الذي يدب في الأوصال. فالديمقراطية ليست لعبة بورجوازية كما اعتقد الماركسيون أمس، وليست رجسا من عمل الشيطان كما يعتقد بعض الإسلاميين المتشددين اليوم. بل هي المبتدأ والمنتهى، وأعز ما يطلب. فما علينا إلا أن نختار صعود الجبال، حتى لا نظل في الحضيض، وفاقا مع قول شاعر الحب والثورة أبب القاسم الشابي: ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية