ينجو من مجزرة صبرا وشاتيلا ليعيش ذاكرة الموت فهل كتبت له النجاة؟
حاورته بين لندن وكامبردج لينا ابوبكر:
كان طفلا في الخامسة من العمر، شهد موت أهله وذبح الأبرياء في مخيم مغدور ومحاصر بالموت من كل الجهات.. سكنته أوجاعه كأنها قدره، ورافقته ذاكرته إلي أقصي جغرافيات السفر، انتقم من حقده بحقد أشد إيلاما، وقد نجا من موته ليقع في ذاكرته.
كيف تعايش معها وعاشت به؟ كيف تغلب علي ما اشتعل في رأسه من شيب؟ وما علق بنقمته من ظلال؟ محمد أبو ردينة يبوح لـ “القدس العربي” بأحزانه، فرحه، أخطائه، كوابيسه.. ويخاطب فلسطين عبر ما تغلغل في ذاكرته الأتية من يأس. متي تكون ذاكرتك ظلك الذي يلاحقك ومتي تكون ظلك الذي يسبقك؟
ـ ذاكرتي أمامي وورائي، لا تغادرني لحظة، أي حدث عسكري يستجد تمثل أحداث المجزرة امام ناظري، الملابس العسكرية بالذات تستفز ذاكرتي بشكل خاص ومرعب، فلقد كانوا بزيهم العسكري يذبحون أهل المخيم… من أشد قساوة في ذاكرتك: ظل النهار أم ظل الليل؟
ـ ظل الليل، فلقد دججوا المخيم بقنابل ضوئية ليستطيعوا الفتك بالضحايا… في منتصف الليل كان الذبح لأجل هذا يرعبني بشدة لأنه يستحضر مأساتي.
ـ لو سألتك أن تعود طفلا لمدة خمس ثوان. ماذا يتراءي إليك؟ سواد حالك ورهيب… سواد… سواد نعم سواد. كيف تعاملت مع متطلبات طفولتك، تحديدا ما هي دماك وألعابك التي لهوت بها آنذاك؟
ـ لقد سمعت صوت الجريمة بعد حدوثها. نعم سمعت صوت المجزرة، وأحسست برعب وانا أري العساكر أمامي واوامر الجندي اليهودي في المدينة الرياضية، أحسست برعب خانق لا يوصف لا يمكن وصفه، وهناك منظر لا يفارقني عداك عن مشهد رؤيتي لجثة اختي الحامل وقد بقر بطنها وجثة أبي، فلقد رأيت رجلا ميتا وهو يعض علي لسانه، فأحسست بمدي الخوف الذي أصاب هذا الرجل، فبدأت ألهو بالبارود والخناجر، ثم اشتريت وأنا في سن الثانية عشرة بارودة حقيقية خبأتها في البيت وكنت أضمها إليّ ليلا.. لا تعرفين مدي الرعب المتواصل، صوت الجريمة يلاحقني ليلا، كنا أنا وأختي التي تكبرني ببضعة أعوام وحدنا، نعيش مع المجزرة… ذاكرة المجزرة. ما هي الفترة الزمنية التي استغرقتها لتسكن وتعود إلي عمرك الطبيعي بعيد الجريمة؟
ـ لم أعرف معني الهدوء ولا الطمأنينة ولا السكينة منذ المجزرة ولا مرة في عمري جربت الأمان، عشت عمري مذعورا، مسكونا بالمجزرة بفظائع القتل والجثث المقطعة، وأكثر من ذلك فإن أية مشكلة صغيرة تواجهني مهما بلغ حجمها حتي لو كانت ضياع قلم مني أو عرقلة بسيطة بحجر في الطريق فإنني أرجع للمجزرة مباشرة. كيف تبكي؟ متي؟ حدثني عن طقوس بكائك؟ وحدثني عن فرحك؟
ـ بفرح لما بشوف صحابي بالمدرسة بفرح كتير.. كنت متفوقا في المراحل الدراسية؟
ـ نعم دائما حزت درجات متقدمة.. وكذلك فإن تلك المراحل مرتبطة بطفولتي التي عشتها بشكلها المفترض، أما بكائي فأبكي لما أفشل، طول حياتي فشلت. فشلت من الأساس والأساس كان المجزرة التي دمرت حياتي جعلتني أعيش الذل والمهانة والحرمان وظروف الاستغلال الحقيرة التي تعرضنا لها أنا وأختي.. لا يمكن لأحد في هذا العالم تصور ما عانيناه، ما مررنا به.. يا الله.. يا الله.. (يبكي بحرقة). هل تعرضتما للاغتصاب؟
ـ سئلت هذا السؤال في جريدة السفير مرة.
ـ اعتبر هذه إجابة.. إن كان يعذبك الحديث في الأمر فمن حقك تجنب الخوض فيه.
ـ لقد حاول ابن الجيران اغتصابي كنت طفلا في الثامنة من العمر، وكان يبلغ 19 ـ 20عاما.. لكنني قاومته.. كانت الظروف تضعني في مواقف أتمني بها أن أموت، فكم بدوت عاجزا عن صنع شيء أنجو به أنا وأختي من أي استغلال او اعتداء نتعرض إليه، حاولت الانتحار مرارا، الهروب، الموت.. تنقلنا بين اكثر من 15 بيتا، تعرضنا في كل مرة إلي صنوف من الذل والمهانة والتحقير والوحدة والضياع والعجز ومحاولات متكررة للاعتداء علينا فليس لدينا أحد.. ماذا أكثر من ذلك؟
ـ لم نجد بعد المجزرة ولا خلالها من يأخذنا في حضنه، من يشبعنا حنانا حتي امي وقد نجت من القتل لكنها فقدت عقلها شيئا فشيئا أصيبت بشلل دماغي وبنوبات هلوسة هستيرية.. كم ذقنا المر خلال مرضها والعذاب.. يا الله شو احكيلك شو أحكيلك… شو بدك أحكي شو؟ أخبرني أيهما أكثر أمنا النجاة من المذبحة أم النجاة من الذاكرة؟
النجاة من الذاكرة، لأن الذاكرة هي المذبحة بذاتها، الذاكرة كل شيء لأن المذبحة حدثت مرة ولكن الذاكرة رافقتني مدي العمر، دائما دائما أعيش المجزرة ألف مرة في اليوم. لو عرضت عليك أقراصا او طريقة ما لا أدري تساعدك في فقدان ذاكرتك، هل توافق؟
لا مؤكد لا أوافق، لقد أصبحت ذاكرتي جزءا مني، بل لقد أصبحت ُذاكرتي بكل ما تحمله من معاناة هائلة تفوق تصور البشر، لا أتصور نفسي بدون ذاكرتي، فقد أصبحنا واحدا لا ننفصل، المجزرة لا تفارقني لقد أصبحت مثل اسمي. متي تخونك ذاكرتك؟
ـ ولا مرة! وإذا نسيت مرة فإنني أفكر بذاكرتي، انا سجين ذاكرتي، فالميت يموت ويرتاح والسجين يطلق قيده وانا أبقي بين الموت والأسر في كل لحظة، أنا مشدود لذاكرتي لذاك الحدث التاريخي الذي يشكل أكبر ما عانيته في حياتي علي الإطلاق. تفكر بخيانة ألمك، ذاكرتك، بلادك، ومتي تحس بحميمية دافئة اتجاه ألمك الذي هو ذاكرتك؟
ـ حاولت أن اخون ألمي لكنني تألمت أكثر فيما بعد، وحاولت ان أخون ذاكرتي ان لا أكون وفيا لها وأبعد عنها أهجرها لكنها كانت أقوي مني ولم تخني لحظة، أما بلادي لا طبعا إلا أنني أحس أني تورطت بشكل أو بآخر مع الإعلام الإسرائيلي تحديدا، لقد قتلني الماضي، واختلفت مع اختي نوال التي كانت تريد أن أرحل من المخيم، فلقد كنا نعيش في مخيم لا تتوافر فيه أبسط وسائل الحياة لا ماء ولا كهرباء وامن ولا صحة.. كنا نعيش مع موتانا، حرمت أختي نفسها من كل شيء لأجلي، وكان المهتمون حولنا بالامر كثرا يبحثون عن شهود عيان يقصون لهم حكاية المجزرة وكان هذا معبرا للخروج من دائرة الموت من المخيم المحيط بي كليا طوال الوقت، كانت لحظة ضعف لحظة انتقام سلبي من الموت أحسست أني بردت، نعم حسيت ببرودة برودة مطلقة. ثم وبعد وقت طويل أدركت أني رحت لبعيد في ما صرحت به عبر وسائل الإعلام الغربي. لقد حاول البعض (حسب ما اطلعت عليه) أن يحصر قضيتك في الوضع المالي، أو أن يركز علي الانحراف عن وجهة القضية الأساسية كجريمة صهيونية بالدرجة الأولي إلي مسارات أخري تتعلق مثلا بإدانتك للإرهاب حسب مفهومهم وبالمناداة بالسلام أيضا من منظورهم، ومحاولة توجيه أحقادك بعيدا عما يرتكبون! فهل تعتبر ورطتك تلك إجبارية أم إرادية؟ وهل تخشي اسرائيل وانت تعبر عن ورطتك؟
ـ لا أخشاها، وورطتي بدأت إرادية، لكن أصبحت إجبارية فيما بعد، فهم يقيدونك بطبيعة ما هو مسموح إليك للتصريح به، نعم إنهم يوجهون الحوار إلي غاياتهم وأغراضهم كليا، وهذا لم اعد أطيقه أبدا فمثلا في لقاء مع إحدي المجلات اليهودية أمس سألوني عن العملية الأخيرة في اسرائيل فقلت ان اسرائيل دولة عسكرية وقوبلت بالمقاطعة الحادة ومناهضة رأيي.. وسئلت في قناة أخري عن نفس الموضوع ومنظوري إليه فأعربت عن سعادتي لما قامت به الفصائل الفلسطينية لأنها وجهت صواريخها إلي عسكريين وليس مدنيين. هل تنتمي إلي جمعية معينة.. إلي تنظيم إلي جهة ما؟
ـ أقسم بالله وبهذا الشهر الفضيل لا أنتمي إلي احد وكل ما اقوم به نشاط خاص، وقد سألني مرة صحافي أردني عن هذا ولكن لا، هذا كله نابع من جهد شخصي بحت، فأنا أؤمن بثقافتي ووعيي فأنا أكبر من عمري كثيرا بحكم ما واجهته. يعني هذا الاهتمام الكبير من قبل الصحافة العالمية والحضور والتواجد المستمر والاستهلاك المتكرر لمعاناتك أعتقد أنه تم توظيفه من قبل الأغلب بشكل سلبي، وكأن المجرم يعرف كيف يعيد استهلاك ضحاياه بطريقة محنكة يلمع بها جريمته ويذيل عنها آثامها… ألم تر أنه كان عليك أن تحسن تقدير الأمور وتكون أكثر دقة في حمل رسالة الألم والذاكرة يا محمد؟
ـ طبعا طبعا، أنا أندم كثيرا ولكن يا عمي هاي أنا بعترف بخطئي وأنا معكم هنا من هذا المنبر كي تساعدوني في تجاوز تلك المرحلة، والمضي قدما في خط أكثر وعيا واستفادة من تجربتي مع الصحافة.. أريد أن أتحدث بلسان حالي لا بلسان حال الآخرين. هل عرض عليك الاسرائيليون تعاونا ما خاصة وأنك تقيم في لبنان البلد الذين يكنون له الحقد والموت؟
ـ أبدا لا لا طبعا لا. هل تعرف عدوك؟
ـ بعرف عدوي منيح. عداوتك الأشد، نقمتك، سخطك علي من يقع أكثر: أداة الجريمة أم من خطط إليها؟
ـ لولا الأداة لما عرف المجرم كيف ينفذ جريمته.. إيلي حبيقة عدوي، كان حاقدا علي الفلسطينيين، يكرهنا، تريديني ان ألوم شارون الغريب وهذا العربي مثلي مثله يبشّع في القتل والدبح.. يا ويلي. وشارون؟ تلك النية المبيتة في الأصل، الشراهة المتوحشة بالتخطيط لارتكاب مذبحة كهذه.. شارون أين هو من نقمتك واحقادك وقد كنت ضمن أولئك الذين طالبوا بمحاكمته؟
ـ طبعا شارون عدوي ولكن حقدي أشد علي إيلي حبيقة.. ويغيظني ما صرح به أبو إياد حول المقاتلين المزعومين الذين خلفتهم فتح وراءها بعد مغادرة بيروت، فلقد كان هذا سبب اقتحام المخيم ومحاصرته وتحويله لمذبح جحيمي. ما سبب عدم الثبات في مواقفك، التردد، المصادمة؟ هل هي تبعات ما عانيت؟
صحيح أنا عنيف جدا متردد ما عندي ثبات في مواقفي. في الحرب الأخيرة علي لبنان كيف كان شعورك اتجاه الهجمة الشرسة علي الأبرياء وتشريدهم من بيوتهم تحت ذرائع واهية؟
تألمت كثيرا وأحسست ان المجزرة تعود ثانية الي. تعتبر وجعك غايتك أم وسيلتك؟ وهل يميزك ألمك؟
هل تدين إليه بهذا التميز؟ متي يدنو بك من الناس ومتي يبعدهم عنك؟
ـ وجعي غايتي، هدفي، لم أستغل وجعي من اجل شيء ما، لأنه رسالتي، أحب أن يميزني المي لأنه فعلا كذلك ولولاه لما كنت انا محمد أبو ردينة، لذا بحب يميزني ألمي ولا أتنازل عنه، أحمله معي في كل مكان أسافر إليه مصر النرويج السويد لندن، أصلا أسافر بسببه لأتحدث عن المجزرة وأقول ما جري، ولكن هو نفس الالم الذي يجعل البعض من الناس يتجنبونني، وبعضهم يتعاطفون، ولكن ألمي حرمني ان أكون واحدا كسائر البشر أشارك الناس حياة اجتماعية وطبيعية. تسكنك رغبة حثيثة وحرقة متفاقمة لسرد ما حدث، هل تنشد خلاصا ما؟ أم هو الحفاظ علي نقطة تماس حية مع الذاكرة خشية فقد مثلا؟ أم معايشة بطولية للتضحية أم نقمة أم صرخة أم تطهر من ذاكرة آثمة حملتك مآسيها؟
ـ هي كل ما قلت، فانا حقيقة أعيش تناقضا كبيرا أجمع به في حياتي كل شيء. أنت دائما علي صلة مع الخبر السياسي.. حدثتني عن متابعتك لـ الجزيرة، عن تقديرك لصراحة وجرأة عبد الباري عطوان في أطروحاته وتحليلاته الدقيقة، هل يغدو الخبر السياسي رغيفك اليومي وقوت ذاكرتك الآتية؟
ـ نعم نعم بالضبط، هيك، أنا لولا وجود المجزرة في حياتي لعشت حياة اخري ولكن المجزرة جعلتني دائما في صلب الخبر، ألاحقه أتقصاه وأسعي لإبداء رأيي فيه، وأنا من كنت خبرا سياسيا يوما ما… كان عبد الباري عطوان يبهرني بتحليلاته، كنت وما زلت أتابعه بشغف وأحترمه كثيرا. هل راودك شعور في يوم من الايام ان قضيتك الشخصية أكثر أهمية من قضية فلسطين؟
ـ كثيرا ما راودني.. أنظر لمأساتي علي انها الدمار، لقد تدمرت كليا وحياتي كلها فشل سببه ذبح اهلي وحرماني.. اليتم الفقر القهر. كيف كانت ردة فعلك عندما شاهدت هدي غالية علي شاشات التلفزة تصرخ وتندب أهلها المذبوحين علي شاطئ غزة؟
ـ بسرعة رهيبة ورعب أشد رهبة أطفات التلفاز، خفت ان أعود لمشهد الفقد الذي عشته، ورغم هروبي هذا فلقد تذكرت فعلا مأساتي، فهي كما اخبرتك حياتي. تعتقد أن القاتل بشر؟
ـ نعم بشر ولكن ليس في قلبه رحمة. قاتل أهلك رأيته؟ تحفظ شكله أم ترسم أنت صورته؟
ـ لو رأيته لقتلته، يا ريت أرسم له صورة. ما هي الرجولة من وجهة نظرك؟ هل تؤثر بك الأشياء الصغيرة العابرة أم تتلاشي أمام ما واجهت؟
ـ الرجولة هي القسوة، الحقد، هذه هي الرجولة التي احتجتها لما كنت طفلا وكانت اختي بحاجة إلي كي أساعدها وعجزت، أنا حساس كثيرا تجاه الامور ولكنني أناني أكثر تجاه ألمي. كيف تصف علاقتك بأختك؟ وبالمرأة عموما؟ كيف أثرت فيك المجزرة كرجل فيما بعد؟
ـ أنا وأختي عشنا المأساة معا، تحملت من أجلي الكثير وحرمت نفسها من الكثير لأجلي، والآن جاء دوري لأعوضها وأبحث لها عن بر أمان وأوفر لها حياة كريمة تصونها وتسعدها، أما المرأة فللأسف أنني لا أحس بمشاعر الحب او العاطفة الرومانسية تجاهها، أدرك انها امرأة طبعا كمرأة ولكن كحب فأراه بعيدا لأنني مشغول عنه بمشاعر أخري علي النقيض منه للحياة عموما. يعني ماذا تكن للرجل، للطفل، للأسرة، كيف تحضر في وعيك وتطلعاتك؟
ـ أحس أحيانا أنني أكره الآخر، تنتابني حسرة فظيعة تضعني دائما في موضع مقارنة نفسي بالآخرين، بظروفهم بما توافر لهم وما حرمت أنا منه، موضع مساءلة، نقمة، حقد، تجنب للاختلاط كي لا تغمرني حسراتي وتقتلني، لا أريد أن تكون عندي أسرة فانا أخشي ان تتعرض أسرتي لما تعرضت إليه أسرة أبي، قدري كفلسطيني يصيبني باليأس، يحرمني من أن تكون عندي تطلعات طبيعية وفطرية في تكوين أسرة، وضعي المادي والاجتماعي دائما يشكل عائقا صعبا، كان ابي يتمني ان يوفر لنا حياة جميلة ومميزة واظن القدر سبقه إلي توفير حياة لنا اكثر تميزا! وتفهمين طبعا أي تميز اقصد.
أشعر بالحقد تجاه أي طفل منعم محاط بأسرة، أعرف أن هذا قد يفاجئك ولكنها الحقيقة المرة التي أواجهها دائما. لماذا لا توظف ألمك إيجابيا، لماذا يغمرك بالسلبية تجاه الآخرين، أعني بإمكانك ان تستبدل الحقد بالرحمة، فكونك ضحية يتطلب منك التمتع بقدر كبير من التعاطف معهم؟
ـ لم تجربي معني الظلم، معني الهوان الذي جربته. ألمك كان في سبيل قضية شريفة وعادلة وإنسانية، لذا فباعتقادي انه يكتسب صفة قدسية ترتقي به.. هناك أناس يتألمون ويتعذبون في سبيل قضايا رخيصة لا تستحق آلامهم ألا يشكل إليك هذا نوعا من التعزية، من تخفيف وطأة الكارثة؟
ـ أحيانا أحاول.. ولكنني صريح معك. أقدر هذا لك وأحترمه وأراه طبيعيا إلي حد ما، ولكن ألم تر مختصا سيكولوجيا تواظب علي زيارته عله يساعدك في تصحيح مسار ألمك نحو الإيجابية؟
ـ نعم ولكن لم يجد نفعا. أحلامك كيف تعيشها؟
ـ أحلامي هي واقعي، احلم بالمجزرة، كابوس حياتي. كيف تخفف من القسوة التي تعتريك؟ هل تمارس فنا معينا؟
ـ الرياضة. ما هو الضياع لديك؟ والإحساس بالراحة متي تعثر عليه؟
ـ حياتي هي الضياع، المخيم والمجزرة هما البداية والنهاية لحياتي، راحتي تكمن في اللحظة التي اتحدث بها وابوح ولكنها راحة كلها مأساة، إذن لا اعثر علي راحتي أبدا. المخيم: ملجأ تحت الأرض أم مقبرة فوق التراب؟
المخيم مجزرة تحت التراب. تحب المخيم محمد، تشتاقه؟
ـ أحبه كثيرا لأنه أهلي، ذكرياتي معهم، قدري لأن المجزرة حصلت فيه وربطني بها كقدر، أحن لحيطانه لأن أبي قتل وهو يلتصق بها. المكان كحيز للجريمة يرتبط بحقدك ام غفرانك؟
ـ بنقمة رهيبة. المكان كحيز للخيانة يدين إليك بغدر ام بثأر؟
ـ الغدر. بم تؤمن بم تجحد؟
ـ كنت أكره القدر ومررت بلحظات يأس عارمة ألحدت بها بكل شيء ولكن الحمد لله رجعت إلي ربي وأؤمن ان القدر الشرير ليس من عند الله. أي صمت يرعبك وأيه يجذبك الي طمأنينة؟
ـ الصمت هو الرعب بالنسبة لي لم يكن يوما علامة للإحساس بأمان، وأكثر صمت يرعبني هو صمت الاطفال لانه مرتبط بذاكرتي بالامهات اللواتي كن يقتلن اطفالهن خنقا كي لا يستدل الجنود من بكائهم علي مكان وجود العوائل. أي صوت تحمله في أصداء بوحك؟ وأي صورة ترافقك في رحلة لا تأخذ معك عينيك بها، بما ان العين ذاكرة؟
ـ صوت الرصاص، والصورة هي المجزرة، المخيم، لان كل رحلاتي في سبيل المجرزة، لذا فإن عينيّ دائما معي وذاكرتي. كيف تصف علاقتك بالموت؟
ـ علاقة تمرد وخوف وانا أتمرد علي الحياة أيضا أريد ان أفعل شيئا قبل الموت، أريد تغيير ما تركته المجزرة من آثار ونتائج. لوطلبت منك إحياء ميت: من تختار ولماذا؟
أبي، كي اخبره عن غيابه وماذا حصل معنا…. يبكي بألم عطيك فأسا وألبوم صور ورصاصة ولوح شوكولا كيف توظفها؟
الفأس للانتقام، البوم الصور أضع صور المجزرة والمدرسة، الرصاصة لصدر عدوي إيلي حبيقة، الشوكولا لن آكلها… ماذا تبقي لك من فلسطين؟
يأسي. كلمتك الأخيرة لمن؟
ـ لشعبي الفلسطيني… واصل الحياة بشرف أيها الشعب، تحدي مأساتك، قدرك، وأقول لهم امد يدي إليكم، هيا لنرفع رأس الوطن عاليا.