يراكم محمد الأمين بن الربيع تجربة واعية في الرواية التاريخية. فبعد أربع روايات، لا يزال مشغولاً بتساؤلات عن هذا الماضي الذي لم يكتمل، ويجعل من الكتابة منفذاً، قصد كشف وقائع وأحداث أغفلت عنها مدونات التاريخ. يستعين بالتخييل في افتراض إجابات عن الأسئلة العالقة. صدرت العام الماضي روايته الأحدث «نوبة الغريبة» (دار ضمة ـ الجزائر) وهنا حوار مع المؤلف.
□ في روايتك الأخيرة «نوبة الغريبة» نُصادف شخصية (بركاهم). تلك المرأة المغلوبة على أمرها. التي تتحمل المصائب كلها. لماذا قدر المرأة في الجزائر أن تعيش، دائماً، في العتمة؟
■ موقع المرأة في المجتمع الجزائري ذو أهمية بالغة، لكنها أهمية غير معترف بها، حتى إن كان كل فرد من المجتمع يؤمن بينه وبين نفسه بأن هذا المجتمع لا يمكنه أن يتقدم دون وجود المرأة، إلا أن ذلك غير معلن، كأنما يخشى أن يتصاغر أمامها إن هو اعترف بذلك، كما أن النساء أنفسهن غالبا يفضلن العتمة، ويفضلن أن يكون لهن الدور الخفي، فاليوم لا نمجد المجاهدات والشهيدات قدر تمجيدنا للمجاهدين والشهداء، وإذا حدث ذلك فمنå≈ باب الاستعراض غالبا، ولعله لا يخفى على أحد ما تمثله جميلة بوحيرد ورفيقاتها في النضال ممن ذكرهن التاريخ، وأخريات أغفلتهن كتبه الرسمية، لكن قد يخفى على كثيرين أن جميلة التي احتفى بها الشعراء والمبدعون حتى رفعوها إلى مقام الأسطورة، لا تظهر للعلن ولا يفتقدها أحد، رغم أنها تعيش في مكان ما في الجزائر العاصمة.. في العتمة.
□ الرواية تدور بين حدثين أساسيين: حقبة الاستعمار ثم العشرية السوداء. لماذا هذان الخياران؟
■ الألم محفز للكتابة، وفي وعي الفرد الجزائري تمثل حقبتا الاستعمار والعشرية السوداء ذروة الألم، لارتباطهما بالموت والخراب، ولأن المبدع مهمته تمجيد الحياة، نراه يكتب عن الموت حتى يواجهه، ويعلن عن رفضه لآلته البشرية، ولا يتعلق الأمر بالكتابة المزامنة فقط، فالكتابة فعل امتداد وتراكم للتجارب الإبداعية، وثيماتُها أشبه بالوراثة، لذا ظلت المواضيع المرتبطة بالحقبتين تفرض نفسها داخل المنجز الروائي الجزائري، كأنما يحاول المبدع البحث عن علاج للندبة الغائرة التي تركتها هاتان الحقبتان. وأنا حين كتبت «نوبة الغريبة» وتطرقت من خلالها إلى فترة الاستعمار، ثم بعد ذلك إلى فترة التسعينيات، كنت أؤكد على أن الألم واحد كيفما كان سببه، حتى عند أولئك الذين لم تكن أصواتهم تتجاوز حدود جدران بيوتهم، كما حدث مع نساء عائلة (بركاهم خديم) اللواتي ذبحن على أيدي الإرهاب لا لشيء سوى لأنهن ينتمين والراقصة إلى عائلة واحدة. وقبلهن بسنوات قتلت والدة قاسم الدساس بسلاح المستعمر الفرنسي لأنها تسترت على ولدها القيادي في جبهة التحرير، أيهما أشد إيلاما إذن؟ قد نتساءل ونجد الإجابة لكننا نتردد في ذكرها لأسباب تاريخية.
□ ما هو سقف الحرية حين نكتب عن العشرية السوداء؟
■ لا تزال العشرية السوداء لغزا غامضا بالنسبة للجزائريين، وحتى الذين عاصروها واكتووا بنارها. يبدو الحديث عنها بالنسبة لهم خوضا في المجهول، ولهذا ما زلنا نكتب عنها بالإصرار نفسه، لعلنا بالكتابة نكشف ما لم يتم كشفه من قبل، فالكتابة وسيلة للتساؤل والكشف والتنفيس عن الألم الجاثم على صدر كل جزائري ما زال مصدوما من تلك الأحداث، التي شهدتها الجزائر، وكان فيها الأخ يقتل أخاه رغم توسلات أمه، ولعل أكثر الأسئلة التي حاولت الرواية وما زالت تحاول الإجابة عنها هي تلك المتعلقة بسبب نشوب موجة العنف، وإدانة من كان وراء نشوبها وإذكائها وأصر على إبقائها مستعرة إلى وقت قريب.
□ كيف تتشكل في ذهنك فكرة رواية؟
■ كل رواية من رواياتي الأربع تأسست فكرتها الأولى انطلاقا من حدث معين، يشعل لديّ الرغبة في تفكيكه وإعادة بنائه سرديا، وغالبا ما تستوقفني الأحداث ذات الطبيعة التاريخية، وتلك التي تغوص في إشكاليات الهوية، وقبل الشروع في كتابة أي رواية آخذ وقتي في التفكير فقط، أردد مقاطع حوارية بيني وبين نفسي، دون تدوينها وأتخيل الشخصيات وأدوارها وأبقى على تلك الحال مدة أسميها مرحلة الاختمار والاقتناع، فإذا وجدت أن هاجس الكتابة يلازمني ويتزايد أشرع في مرحلة التدوين، حتى أضمن ألا أمل من الكتابة إلى غاية إنهاء آخر حدث في الرواية، ثم أعود من جديد لتنقيحها وتعديلها.
الرواية جنس أدبي منفتح على كل المعطيات، لذا ليس من الغريب أن تعالج الموضوعات السياسية وتنتقدها، وتدين الممارسات غير المرغوبة، وقد يلجأ بعض الروائيين إلى لعبة الترميز واستخدام اللغة الإيحائية خوفا من المُساءلة كما فعل إبراهيم سعدي في روايته (الأعظم).
□ ماذا تغير في حياتك منذ أن صرت كاتباً؟
ـ صرت أكثر اهتماما بالمطالعة، خاصة كتب التاريخ والفكر، وأكثر حرصا على متابعة التحولات الطارئة على المجتمع، كما وجدتني أشارك في كثير من الفعاليات الثقافية، كما ازداد إحساسي بالمسؤولية تجاه الأفكار التي أكتبها داخل الروايات.
□ هل تشعر بسعادة أم شقاء حين تكتب؟
■ كلما شرعت في كتابة نص انتابني شعور السعادة وأنا أرى تلك الأفكار التي طال اختمارها تتجسد كلماتٍ، والشخصيات التي تصورتها في مخيلتي تتحرك وتتكلم داخل المتن الروائي، لكن إذا حدث وأنهيت كتابة النص أشعر بالحزن، وهو ناجم عن ذلك التعلق والعاطفة التي أنشأتها مع نصي ومكوناته، ويظل ذلك الشعور يرافقني حتى أطمئن إلى أن النص قد نال حقه من الانتشار والنجاح، حينها فقط أستبدل شعور الشقاء بالسعادة مجددا.
□ في رأيك، ماذا ينتظر قارئ من كاتب؟
■ القارئ ينتظر من الكاتب أن يمتعه ويعرفه على ذاته، من خلال خلق عوالم موازية لواقعه، تشبهه لكنها ليست هي الواقع نفسه الذي يعيشه، لذا قد يتقمص القارئ شخصيةً روائية أو يتفاعل معها سلبا وإيجابا، كما ينتظر القارئ من الكاتب أيضا أن يتحدث بلسانه ويتساءل عن تلك الإشكاليات التي تواجهه، وقد ينتظر منه حلولا في بعض الأحيان، أو على الأقل أملا لينظر إلى واقعه دون خوف أو تشاؤم.
□ في السنوات الأخيرة، تعيش الجزائر زمناً مسيساً. كيف يمكن للرواية أن تتعامل مع هذا الوضع؟
■ الرواية جنس أدبي منفتح على كل المعطيات، لذا ليس من الغريب أن تعالج الموضوعات السياسية وتنتقدها، وتدين الممارسات غير المرغوبة، وقد يلجأ بعض الروائيين إلى لعبة الترميز واستخدام اللغة الإيحائية خوفا من المُساءلة كما فعل إبراهيم سعدي في روايته (الأعظم). وغالبا ما يكون ابتعاد الروائيين عن الكتابة في الموضوعات السياسية ناجما عن خوف غير مبرر، لأن الأدب فعل إنساني لا يمكن أن يرضخ لأي سلطة سوى لسلطة الفكر والإبداع، فإذا ما تم تقييده أفرغ من جمالياته وقيمته، وصار خطابا أجوف لا يعدو أن يكون للتسلية.
□ ماذا بوسع الأدب أن يغير في الجزائر؟
■ لا تزال مرحلة التغيير بعيدة عن قدرة الأدب في الجزائر، ولعل العلة ليست في الأدب نفسه، بل في المتلقي الذي لا يملك الإيمان المطلق بما يقرأ، وينظر إلى الأدب على أنه ترف فكري لا يلبي حاجاته الضرورية، إن التغيير ينطلق من رغبة الفرد في إحداث التغيير، فإذا كانت رواية تتناول في متنها إدانة لقمع الحريات، فهل سنجد أفراد المجتمع ينتصرون للحريات والآراء المختلفة؟ لا أظن، ولذا سننتظر الوقت الذي سيصبح فيه للأدب سلطانه وتأثيره في الأفراد، ذلك الوقت الذي سيتزاحم فيه الناس من أجل اقتناء رواية، وينتظرون الندوات التي تعقد من أجل مناقشتها حتى يبدوا آراءهم فيها، عن المجتمعات المتحضرة هي تلك التي تضع أيديها في أيدي كتابها ومفكريها ليقودوها نحو النور والخلاص، والمجتمعات التي ترشق كتابها باللوم والازدراء تسير بخطوات ثابتة نحو الظلام.
□ هل هناك صلة بين الكتابة والعدالة؟ هل يمكن للكتابة أن تعيد الحق للتاريخ أو لأفراد بعينهم؟
■ لطالما أنصفت الكتابة الإبداعية أشخاصا وأحداثا ظلمتهم الكتب الرسمية والمرويات الشعبية أو تجاهلتهم، وحققت لهم العدالة ولو بعد حين، فالكاتب الذي يرى بعين الحقيقة لا يمكنه إلا أن يحكّم ضميره عند الكتابة، خاصة إذا كان جادا في ما يكتب ومعتدا برأيه لا يجد حرجا في الخروج عن المألوف والشائع، والأمثلة كثيرة في هذا الصدد، وقد أكتفي برواية «شبح الكليدوني» لمحمد مفلاح التي عالج من خلالها مأساة المنفيين الجزائريين في كاليدونيا الجديدة، وقبله أنصف رشيد بوجدرة المجاهد الذي يعاني من التهميش ولم ينل حقه من خلال اتخاذه بطلا في رواية «التفكك». والمبدع يجد في نفسه الرغبة في التغيير لذا يبحث عن تلك الموضوعات الاستثنائية فيعالجها إبداعيا، محققا بذلك التميز من جهة، ويؤدي دوره كفاعل في مجتمعه من جهة ثانية.