ابراهيم درويش لا يملك قارئ مذكرات الدكتور محمد البرادعي، السياسي المصري الان ومدير الوكالة الدولية للطاقة النووية السابق، عن حياته في الوكالة او ما اطلق عليها دبلوماسية الاسلحة النووية الا ان يتعاطف معه عندما يتحدث ويتذكر الفرص الضائعة لانقاذ ارواح وتجنب دمار واهلاك الزرع والضرع. لكن الساسة لا يتعلمون، فمن حرب الى حرب اخرى، ومع ذلك فمذكرات البرادعي التي اختار لها عنوانا مثيرا ‘عصر الخداع’ تعيدنا الى احداث عقدين من الزمان في مواجهة انتشار الاسلحة النووية واقناع الدول التي حاولت امتلاكها بالشفافية وعدم التذرع بالبرامج النووية كغطاء من اجل الحصول على القنبلة النووية والدخول في النادي النووي. ومن هنا فشهادة البرادعي مهمة في سبر ومعرفة ما حدث وقاد لولايات الحروب، في المعركة من اجل منع اسلحة الدمار الشامل، فالحرب على الاخيرة ادت لحرب اكثر دمارا. وفي رواية البرادعي من الداخل صورة عن الخداع الذي لم تلجأ اليه الدول المتهمة او الساعية لامتلاك السلاح النووي بل الدول التي تملك القرار وتعمل على الحد من انتشاره من اجل ‘الحفاظ على السلم العالمي’، فهذه الدول ايضا مارست لعبة خداع ومرواغة وتهديد، واستخدمت لغة التهديد وحاولت استخدام الوكالة الدولية كورقة تين وذريعة من اجل تبرير نواياها وخططها كي تحقق مصالحها السياسية والاستراتيجية. واشترت هذه الدول الاعلام الذي بات يصدر عنها وعما ترويه، اي قارع للحرب وداع لها. واهم ما يحاول البرادعي الذي دخل الوكالة في الثمانينيات من القرن الماضي كخبير قانوني في الوكالة ثم تدرج ليصبح مديرا لها، هو الدفاع عن مصداقية الوكالة التي تعرضت لحرب من الساسة، خاصة الامريكيين للتقليل من اهمية تقاريرها، ومواجهة سياسة الكاوبوي الامريكية التي تعاملت مع الملفات التي عالجهتا الوكالة اثناء ادارة البرادعي للوكالة.
لماذا لا يحاكمون؟ وفي داخل الرواية في ‘عصر الخداع’ تحسر ونقد للدول التي كان يمكنها منذ البداية ان تخرج من الورطة التي وضعت فيها نفسها، وتقدم ما تواجد لها من معلومات وتخرج نظيفة لان الخداع الذي مارسته ادى لمشكلة ثقة مما دعا في النهاية لتكذيب ما تقوله والمطالبة بالمزيد منها. ويقدم البرادعي في عرضه لدور الوكالة كمؤسسة رقابة وتحقيق وتفتيش عن النشاطات النووية صورة عن محدودية الدور الذي تلعبه في قرارات الحرب والسلم، فهي كوكالة تقوم بمتابعة ملفات انتشار الحرب النووية والتأكد من نظافة المشاريع السلمية وعدم تحويلها الى مشاريع تسلح كجزء من التزاماتها نحو السلم العالمي والتأكد من ان الدول الموقعة على معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية لا تدخل في مشاريع غير قانونية. وكقانوني يتساءل الكاتب هنا عن معنى العدالة الدولية، ومسؤولية مشعلي الحرب التي قتلت الملايين وقامت على ادلة كاذبة، فان كان المسؤولون في حروب في مناطق اخرى يقدمون للمحاكمة، فلماذا لا يتم اذا تقديم من ارتكبوا مجازر في العراق لمحاكم الحرب؟ بل لماذا لم يتم التحقيق فيها؟ وتساءل ان كان اللاعبون في الحرب يفكرون ويعودون الى ما فعلوه تقييما. للاسف، لا، ففي ما كتبوه من مذكرات حتى الان يؤكدون ان ما فعلوه كان ‘صحيحا’. ما يثير حزن البرادعي ان وكالته كانت تملك الدليل الذي كان بإمكانه تجنيب العالم حرباً جديدة، لكنها في هذه الحرب، اي العراق، هُمّشت وأُجبرت على التفرج. وما يفرح البرادعي ان اللاعبين في النهاية توصلوا الى ما توصلت اليه الوكالة قبل زمن طويل من أن العراق لم يفعل برنامجه النووي وانه لا يوجد لديه ما يمثل تهديدا لامريكا او لبريطانيا التي زعم رئيس وزرائها في حينه، توني بلير، ان صدام قادر على تجميع اسلحته النووية في مدى 45 دقيقة وتوجيهها نحو لندن. كان بإمكان البرادعي اطلاق اسم ‘عصر الاكاذيب’ بدلا من الخداع لان الحرب على العراق كانت نتاجا من الاكاذيب التي مورست علنا ودون حياء، فـ ‘العار’ الذي يظللنا كلنا من هذه الحرب التي لم ضرورية، جاء نتاجا للاكاذيب كلها. تحولات الرقابة النووية مذكرات البرادعي اذا هي التحولات التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة حول طبيعة انتشار الاسلحة النووية، فهذه التحولات تتلخص في ثلاثة وجوه، الوجه الاول وهو قيام دول موقعة على معاهدة الحد من الاسلحة النووية بانتهاك المعاهدة وعدم الوفاء بالتزاماتها كحالة كوريا الشمالية والعراق وليبيا. اما الوجه الثاني فهو الذي جاء بعد هجمات ايلول (سبتمبر) ومخاوف الدول من محاولة الجماعات الارهابية كالقاعدة امتلاك الاسلحة النووية، اما الوجه الثالث فهو ‘سوق- بازار السلاح النووي’ الذي تم من خلاله بيع الخبرة النووية للدول الطامحة لامتلاك المعرفة النووية للتسلح، وهو ما عبر عنه ‘سوق عبد القدير خان’ فالخبرة النووية لم تعد مجالا للتبادل بين الدول بل تحولت الى ‘اوكازيون’ مما وضع تحديات جديدة على الوكالة. الملفات التي تسيدت فترة البرادعي في الوكالة كانت العراق، وايران وكوريا الشمالية، وهذه الملفات كان للوكالة دور فاعل فيها مع ان السياسة لم تكن لتثق بما توصلت اليه من نتائج وتحقيقات. في الملفات الاخرى، ليبيا، التي اتفقت معها بريطانيا وامريكا على التخلي عن برنامجها النووي، من دون علم الوكالة مما اغضبه بشكل كبير، مع انه فهم تبرير وزير الخارجية في حينه كولن باول من ان السرية جاءت لعدم تيقن المشاركين في المحادثات من تحقق الاتفاق. وهنا ملف اسرائيل التي زارها وتحدث عنها في فصل ‘المعايير المزدوجة’ حيث اشار لزيارته لاسرائيل واجتماعه مع ارييل شارون الذي اكد له انه سيفكر في فكرة شرق اوسط من دون سلاح نووي. طبعا البرادعي يشير الى البساطة التي شاهدها في مكتب شارون الذي كان يتصرف كمزارع ابقار، وطريقة حديثه الهادئة، ويشير الى النقد الذي تعرض اليه من الصحافة العربية التي انتقدته لعدم تفتيش مفاعل ديمونة، وهو هنا يبرر قائلا ان سلطة الوكالة الذرية ليست ملزمة فليست لديها اوامر كي تفرض على الدول، بل تقوم بالتفتيش بناء على دعوة هذه الدول، وساق في هذا الاتجاه المبررات الاسرائيلية عن امتلاك الاسلحة كوسيلة للردع. اما الملف الاخير فهو ما قيل عن امتلاك مصر لمشاريع او تجارب في هذا المجال. يمكن ان نقرأ كتاب البرادعي على انه رحلة المتاعب مع الساسة، خاصة الساسة الامريكيين. ويكشف تعامله مع الادارة الامريكية مزيجا من المواقف التي تنم عن غطرسة، وسوء فهم، وسذاجة، وقلة احترام، وشك منذ البداية، ومحاولة فرض اوامر على الوكالة، واستهداف له، وعليه فالمذكرات هي ‘امريكا – ضد البرادعي’ او العكس. بلير: التالي! يضيء البرادعي مسارب كثيرة في الدبلوماسية التي اخذته الى معظم العواصم العالمية وفي اثنائها قابل زعماء وقادة، فهو يشير مثلا الى لقائه مع ديك تشيني الذي اكد له ان ‘الولايات المتحدة جاهزة للعمل مع مفتشي الامم المتحدة’، ولكنها ‘مستعدة لتكذيب رواية الوكالة من اجل نزع اسلحة العراق’. ويكشف ايضا عن لقاءات مع مسؤولين امريكيين آخرين كوندوليزا رايس ولويس ليبي وبول وولفويتز، وكولن باول، حيث بدا وولفويتز حريصا اثناء النقاش حول طريقة تشكيل المفتشين على تجاوز الامم المتحدة، فيما بدت رايس حريصة على انشاء فريق يعمل في النهاية بأوامر من الخارجية الامريكية، ‘لا نثق الا برجالنا’، فيما كان باول – يذكره دائما بخير على الرغم من خطابه الشهير- من دعاة تشكيل فريق تقليدي من المفتشين. في لقائه مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير حيث ذهب لمقابلته مع هانس بليكس الذي عين مديراً لفريق مفتشي يونمفيوك، واستغرب البرادعي كيف قابل بلير كل واحد على حدة حيث اجتمع مع بليكس اولا، ثم نادى مازحا ‘ التالي’ و ‘كأنني عند طبيب اسنان’. في لقاءاته مع مبارك، قال ان الاخير كانت عنده حزازات مع صدام لان الاخير خدعه، وعلم من مبارك لأول مرة ان صدام يخزن اسلحته في المقابر، وتعلم كما يقول من مبارك فكرة ‘التقية’ حيث قال له ان الشيعة جائز عندهم الحديث بشيء والتصرف بشيء آخر كتقية. موسى كوسا وسيرة القذافيفي لقائه مع الزعيم القذافي الذي جرى في العزيزية وتم في مكتبه المليء بالكتب، لاحظ ان الزعيم لديه افكار كبيرة وانه يريد تحسين البلاد ولديه الرغبة في بناء ليبيا الجديدة، ومع ذلك لم يكن القذافي فاهما السياسة الدولية. في فصله عن ليبيا يرى ان الدولة كانت تحتاج الى خبرات وتصحيح صورتها كما قال لسيف الاسلام نجل الزعيم الليبي، وطلب الليبيون منه المساعدة في مجال دفع المشاريع. ولاحظ ان البلد عانى كثيرا من الحصار الطويل الذي اثر على البنى التحتية، ويقول ان من بين المسؤولين الليبين قلة من عرفت العالم الخارجي، منهم عبدالرحمن شلغم – وزير الخارجية السابق، وموسى كوسا المتخرج من امريكا، والذي يقول انه كتب رسالته للماجستير عن حياة القذافي وآخرين. وفي زيارة له بعد تخلي ليبيا عن مشاريعها النووية لاحظ ان الفندق الذي اقام به كان مليئا برجال الاعمال الذين تدفقوا كالنمل من اجل الحصول على قطعة من نفط البلاد. وكمقارنة بين ليبيا وما حدث لها خلال السنين الماضية يقول ان الشيخ زايد بن نهيان جاء الى ليبيا عام 1970 طالبا قرضا للعلاج، والفرق الان واضح بين ليبيا اليوم والامارات اليوم. بالنسبة لعلاقاته مع المسؤولين الايرانيين يرى انهم كانوا دائما يقولون كثيرا ويفعلون العكس ويماطلون، وعلى الرغم من اعجابه بالرئيس محمد خاتمي الا انه شعر بخداع الاخير له مما غير نظرته نحوه. ويتحدث عن خلافات بينه وبين بليكس على الرغم من ان الاخير كان هو الذي فتح له الطريق للتقدم في الوكالة الدولية، ويكتفي بالتلميح ولكنه لا يدخل كثيرا في اسباب عدم التوافق، ومع ذلك برزت الخلافات بينهما اثناء العمل في الملف العراقي، وفي إحدى المرات اتهم بليكس زميله بالتحيز للعراقيين مما دعا كوفي عنان، الامين العام في حينه، لتذكيرهما بالسبب الذي دعاهم للاجتماع. من بين كل الملفات التي تثير حنقه وحسرته على ما وصلت إليه الأمور هو الملف العراقي، فهو يعترف ان عملية التفتيش في العراق كانت مسرحية هزلية، لان الاطراف التي طالبت العراق بنزع سلاحه كانت قد حزمت امرها باحتلال العراق، ويشير هنا إلى ما كتبه ريتشارد هاس عندما سأل كوندوليزا رايس، عن موقف الادارة من التفتيش وان خطط الحرب جارية فأجابته ‘وفر كلامك لنفسك، لقد اتخذ الرئيس قراره’. وهنا علينا الحديث عن علاقة الوكالة الدولية بالعراق بعد هزيمته في حرب الخليج، وعمليات التفتيش التي قامت بها ‘اونسكوم’ والوكالة الدولية. ويعتقد البرادعي ان الوكالة الدولية قامت بجهد كبير من اجل تدمير ما لدى العراق من برامج ومواد بيولوجية وكيماوية، ومن بين التفاصيل الكثيرة التي يقدمها وآلاف الاطنان التي دمرت والخطط واسماء الباحثين العراقيين والمفاعلات النووية وما الى ذلك، نقرأ في سرد البرادعي صورة أولية عن التصرفات الامريكية، خاصة من جانب ‘اونسكوم’، فهو يرى ان هناك خلافا في اخلاقية التفتيش التي تتبعها الوكالة وتلك التي اتبعتها ‘اونسكوم’، كلمة السر عند الاولى ‘الاحترام’ والاخرى عندها الاهانة والاذلال وقلة الاحترام للعراقيين. ويذكر امثلة كثيرة من هذا القبيل وكيف شاهد علماء عراقيين يبكون من الطريقة التي عاملهم فيها مفتشو الـ ‘اونسكوم’، الذين ظنوا ان لهم الحق بعمل ما يريدون في بلد خرج من هزيمة، ويتذكر في الصحراء اثناء عملية تفتيش كيف صرخ ديفيد كي، الذي عين فيما بعد رئيسا لمجموعة مسح العراق، رافعا يديه بطريقة مليودرامية ‘لنبدأ التحقيق’ بشكل شعر فيه البرادعي وبليكس بالحرج. يرى الكاتب ان المفتشين التابعين لفرق الامم المتحدة كانوا من الخبرات العالية والعلماء لكن ما كان ينقصهم هو كيفية التعامل مع الناس واحترام التقاليد الثقافية وهو هنا يشير الى انهم دخلوا المساجد والكنائس من دون اي دليل، بل لاعتقادهم ان البلد صار ملكهم. وفي مرحلة لاحقة سيطالبون بالدخول الى القصور الرئاسية ويفتشون غرف النوم بحثا عن الاسلحة الفتاكة.
العشاء الاخير يرى البرادعي ان مشكلته كانت دائما مع الاعلام الامريكي ـ اضافة إلى الساسة ـ الذي كان يناقض كلامه، يحرفه، ويختار منه، ويشوهه، وهذا جزء من تعاون الاعلام مع الساسة في التحضير للحرب، وحتى عندما اكد البرادعي في تقريره الاخير قبل الحرب عن وضع العراق، ناقضه بوش وتشيني الذي ذكره بالاسم وقال انه ‘مخطئ’ في تقديره. كل هذا لأن قرار الحرب كان قد اتخذ بعد هجمات ايلول (سبتمبر) حيث ارادت امريكا الانتقام من العرب والمسلمين بضرب دولة عربية مسلمة ـ العراق – واعادة تشكيلها حسب رؤية المحافظين الجدد. وكان هذا الامر واضحا فيما اطلق عليه اصحابه ‘العشاء الاخير’ وهو ما يشير اليه في المقدمة، حيث كان من عادة العراقيين اثناء وجود البرادعي وبليكس دعوتهما للعشاء، في ارقى المطاعم في البلد ـ وكان في هذا العشاء حاضرا من الجانب العراقي عامر السعدي وحسام امين من المسؤولين عن البرامج النووية في البلد مع اخرين، وفي بداية العشاء تحدث بليكس داعيا العراقيين لمساعدة انفسهم كي تساعدهم الوكالة الدولية. ويقول البرادعي ان السعدي، وضع يديه على الطاولة وقال ‘دعونا نكون صرحاء’ ، ‘اولا لا نستطيع مساعدتكم لانه لا يوجد لدينا ما نعطيه’ اما الامر الثاني ‘فلن يكون باستطاعتكم مساعدتنا لان الحرب قادمة، فلا نحن ولا انتم قادرون على وقفها، ومهما فعلنا، فقد تم الاتفاق عليها’. يعود البرادعي لهذا العشاء الذي تم في 9 شباط (فبراير) 2003 لانه يرى فيه المعضلة التي تواجه الوكالة ومحاولات احلال السلام بين اطراف لا تثق ببعضها البعض. كرر السعدي كلامه عندما سلم نفسه للامريكيين حيث كان رقمه 35 على اوراق ‘الشدة’ المعروفة وحرص على دعوة تلفزيون (زي دي اف) الالماني وقال: ‘ليس لدينا اسلحة دمار شامل والزمن سيثبت صحة ما اقول’. كلام السعدي هو ما اكده تقرير الوكالة ان الحديث عن تهديد برامج العراق لاسلحة الدمار الشامل لا اساس له. ارض هارون الرشيدوستظهر الايام صحة ما قالته الوكالة على الرغم من كل الادلة التي سيقت لإثبات التهديد، من مقر الحكومة الامريكية الى مقر الادارة الامريكية، ومن كل وكالات الاستخبارات العالمية، التي لم تكن في الحقيقة تعرف اي شيء عما يجري في العراق، ويشير الى حوار مع الرئيس شيراك – الرئيس الفرنسي ـ الذي قال ان المخابرات لا تعرف شيئا في حضرة مدير مخابراته الذي اخذ ينظر للارض، وينقل عن كولن باول، وزير الخارجية الامريكية الذي القى خطابا امام الامم المتحدة في شباط (فبراير) 2003 وقدم فيه تبرير الحرب، قوله انه قضى اسبوعا في المخابرات الامريكية ـ سي آي ايه – لجمع المعلومات، انه لو اخذ كل ما قاله له المسؤولون هناك على محمل الجد لطال خطابه ساعات وساعات، وحتى تلك المعلومات التي اخذها لم تكن صحيحة، فكل الادلة عن الانانيب، والمختبرات المتحركة لا اصل لها مثلما ثبت ان الكعك الاصفر من النيجر لم يكن صحيحا. الملاحظ ان العالم اجبر على تصديق كذبات كبيرة ‘300 طن من اليورانيوم من النيجر’ وصلت للعراق هكذا من دون ضبطها، كانت هناك عملية خداع كبيرة وعلى قاعدة واسعة اجبر العالم على تصديقها. في هذا السياق يقول ان دومنيك دو فيليبان علق على خطاب كولن باول قائلا للامريكيين: ‘انتم لا تعرفون العراق، هو ارض هارون الرشيد، بإمكانكم تدميره في شهر، ولكن ستحتاجون لجيل من اجل بناء السلام’. وصدقت نبوءة وزير الخارجية الفرنسي في حينه. يقول البرادعي ان العراقيين كان بامكانهم التحرك سريعا، واظهار نوع من الشفافية لكنهم لم يفعلوا ربما لانهم كانوا يريدون الدفاع عن كرامتهم، وان لم يساعد العراقيون انفسهم فان العرب كانوا جزءاً من المشكلة. انتهى مؤتمرهم في شرم الشيخ بخلافات واتهامات كالعادة، وانتهو كما هو الحال من دون رأي او تأثير على الاحداث، بل ان بعض الدول العربية كانت تريد الغزو للتخلص من صدام حسين. المهم انتهت كذبة العراق بإقفال ملف التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل بعدما لم يعثر فريق مسح العراق على شيء، وانفقت الولايات المتحدة 3 مليارات دولار واستأجرت آلاف الخبراء من كل انحاء العالم. ويقول البرادعي ان هذا المبلغ كاف لتغطية ميزانية الوكالة مدة 25 عاما. اي حرب عبثية! لا ينسى البرادعي الحديث عن محاولات واشنطن تعطيل فرصه للفوز بولاية ثانية، والتنصت عليه، ومنحه جائزة نوبل، وهي تفاصيل مهمة في فهم التحديات التي تواجه الوكالة في تعاملها مع المخاطر الناجمة عن التسلح النووي، ومواقف الدول الكبرى. الكاتب سهل ومفيد ولكنه مفيد اكثر للساسة وصناع القرار والخبراء المتخصصين في هذا المجال، والسيرة غير ذاتية لا تظهر الكثير عن شخصية وحياة البرادعي، ولكن التأكيد على اهمية المبدأ والموقف. نعرف من السيرة انه كان معارضا لناصر لخيبة امل القذافي الذي كان هو ناصريا اما غير ذلك فسيرته المصرية غائبة. ربما سيكتبها لاحقا وقد تغيرت الاوضاع في بلده وعاد اليه ويحضر الان للانتخابات القادمة. واختم بهذه القصة الطريفة التي ذكرها البرادعي، حيث كان في زيارة للكونغرس للتحادث مع نوابه واطلاعهم على عمل الوكالة، وما يجري من عمل في العراق، وكان جالسا يتحدث مع هنري هايد، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس، وعندها دخل النائب الديمقراطي البارز، توم لانتوس، حيث اقترح حلا لدفع العلماء العراقيين للتعاون مع مفتشي الامم المتحدة وقال: ‘عندي حل، خذوهم وعائلاتهم في رحلة بحرية (كروز) مدة اسبوعين ومنهم تأخذون كل المعلومات التي تريدون’. يعلق البرادعي قائلا: ‘آمل انه كان يمزح’ ولم ارد عليه. الحادث صورة عن التفكير الامريكي، وعدم معرفته بتعقيدات الوضع والثقافة في العراق، وكيف ان حماية الباحث وعائلته لا تعني تجنب العائلة الممتدة للتنكيل، هذا ان وافق الباحث على التعاون، في خطة التحقيق معه ومع زملائه في خارج العراق.The Age of DeceptionNuclear Diplomacy in Treacherous TimesMohammed ElbradeiBloomsbury -London/2011′ ناقد من اسرة ‘القدس العربي’