عبد يغوث تحولت صورة ‘البطل’ في الثقافة الإنسانية من ‘نصف إله ونصف بشر’ إلى ‘إنسان خارق’ وأصبغت عليه مسحة ‘الملاك’ و’الشهيد’ مرورا بـ ‘النبي’ و’المخلص’ و’المستنير’ و’القديس’ و’الثائر الشعبي’ و’الرجل الوطني’ إلى أن وصلت اليوم في زمن ‘التحولات الكبرى’ و ‘السماوات المفتوحة’ و ‘فضاء الانترنت’ إلى ‘إنسان الشارع’. هذا الإنسان ليس بالضرورة أن يكون ‘خارقا’ أو أن يقوم بعمل ‘ضخم وهائل’ أو بـ ‘تحول جذري’ في مسيرة شعب ما، إذ يبدو أن كل هذه الأمور ملتبسة وغامضة ولم تعد المسألة بحاجة إلى كل هذا ‘الكلام الكبير’ بل إلى ‘قربان بشري’ – رغم أن البشرية نفسها تحولت منذ وعيها المبكر من ‘قربان البشر’ إلى ‘قربان الحيوان’- قربان يتقرب به إنسان محبط إلى ‘الجموع’ هذه المرة لا إلى ‘إله’ أو ‘صنم’ أو إلى ‘طقس قبلي’، إنسان ضاقت به سبل الحياة فرأى أن الموت حرقا هو ‘الخبز والكرامة’ معا. هذا البطل هو محمد البوعزيزي.. بطل الزمن العربي الجديد وأيقونته. لم يدر في خلد البوعزيزي – طيّب الله ثراه – باحتجاجه الشخصي على وضعه الشخصي أنه سيصبح ‘بطلا’ غير شخصي لتونس. كانت لحظة تنفيس عارمة عن ألمه الشخصي، لم يكن كـ ‘الثوار الكبار’ معنيا بـ ‘الأكثرية’ ولا بـ ‘الأقلية’ ولا بـ ‘القطيع’ ولا بـ ‘العمال’ ولا بـ ‘الديمقراطية الغربية’ طبعا التي أكل عليها الغرب وشرب ويسوّقها إلى الشرق سلعة بائرة وما إلى ذلك من ‘شعارات’ بهت أكثرها عبر الزمن لأنها ـ ربما – كانت في عمقها أكثر ترفا ونزقا وتنظيرا مما يحتمله الناس وأكثر مما يحتمله محمد البوعزيزي نفسه.
البوعزيزي كان معنيا بكرامته الفردية لا بكرامة الجموع ومن عُني بكرامته الشخصية هو في الحقيقة معني بكرامة الجميع على النقيض تماما – ويا للمفارقة ـ من ‘النخب’ سواء أكانت سياسية أو ثقافية أو اجتماعية التي تطرح همها الأول ‘كرامة الشعب والأمة’ في الوقت الذي انتهى المطاف بأغلبها إلى الشخصي البحت.
إن ما فعله محمد باحتجاجه الشخصي البحت على وضعه المُزري لم يؤذ به أحدا سوى جسده المنهك من جر عربة خضار ليل نهار، في الوقت الذي آذت فيه ‘ثورات’ عديدة من لا ناقة له فيها ولا جمل وغالبا ما كانت الشعوب – ويا للمفارقة مرة أخرى – هي من تدفع الثمن حين تنقلب هذه ‘الثورات’ على ذاتها وتختلط الحسابات، أما البوعزيزي فلم تكن لديه حسابات إلا حسابات ميزانه الذي يزن به الخضار للناس. حقا إن البشرية بحاجة ماسة دائما إلى ‘منقذ’ ولكن المنقذ هذه المرة ليس بالضرورة ‘زعيما روحيا’ أو ‘شخصية كارزمية’ أو من صفوف ‘النُخب’. المنقذ هذه المرة من الشارع، الشارع الذي يمشي فيه الجميع، الشارع وحده من الآن فصاعدا من سيصنع المرحلة القادمة لهذا الوطن، الشارع الذي أضاف إلى بيانات الساسة غربا وشرقا مفردة جديدة تدعى ‘شعب’ فطالبوا فجأة بـ ‘احترام إرادة الشعب’ وأجبرهم على إعادة ترتيب أوراقهم التي ذرتها رياح ‘الجماهير الغاضبة’، نعم الشارع لكن هذه المرة أيضا ليس من ‘المحيط إلى الخليج’ بل من محمد البوعزيزي إلى محمد الدرة ومن محمد الدرة إلى محمد البوعزيزي رحمهما الله.
الشارع بطل هذا الزمن!’ شاعر من عُمان