محمد الغزي
لا شاهد للشاعر سوى قصيدته، إذ هي دليله، وصندوقه الأسود، مثلما هي سرّ معرفته المخاتلة بالعالم، ودافعه للتلذذ بمغامرة الكشف عن ما تستبطنه اللغة، وعن ما يتخفّى في خيبته الوجودية من حمولات نفسية وذهنية، يستغورها في عالمٍ غامرٍ بالحروب والمنافي والأحزان الوطنية، فلم يعد للقصيدة سوى أن تكون نصّه الشهي، وقلقه الذي يمنحه أسئلته الفائقة، وأوهامه المؤجلة، والإزاحات تدفع بالشاعر إلى كتابة مراثيه الشخصية، واستقصاء سرائر ذلك المخفي.
الشاعر الغريب كما يصف محمد الغزي نفسه، مُصاب بهواجس الاغتراب، مفجوع بالبحث عن المعنى، والانكشاف على ما تصنعه اللغة من علامات وإيحاءات، واستدعاءات يبادلها قسوة الوجع في ذلك الاغتراب، فتحضر بوصفها استعارة كبرى في المواجهة، وفي التحريض على التمرد عبر كتابتها، والسكنى فيها على طريقة هولدرين، فهذه اللغة هي الحقل المُفخخ دائما، والمسحور دائما، والواهب دائما.
محمد الغزي الراحل إلى الموت، كان يدرك قسوة الاغتراب الوجودي، إذ يعيشه مسكونا بالخيبة والفقد، مدفوعا إلى شغف البحث عن اطمئنانات ولو خادعة، تتسع بين يديه، كلما اتسعت الاستعارات، وكلما أضناه النفي والطرد، فتحضر القصيدة وكأنها مطهره، حاملة ذاكرة الأسى ورؤيا الغائب، والإيروس الخفي الذي يُحرّضه على المكوث التعويضي/ اللذوي في اللغة، وعبر ما ينبجس فيها من إشارات حميمة بحسيتها، أو بمنزعها الصوفي، تجعله ينزاح إلى تمثيلها السيميائي كإحالات إلى «الوطن/ أو المرأة/ الحبيبة، أو المدينة البعيدة، أو مكتبة الأب، حتى تبدو تلك الأشياء المُستعادة لا شأن لها في الحضور الشعري سوى مواجهة الموت، الذي يعرفه الشاعر، يراه وهو يزحف إليه، فيتلمسه أو يستدعيه عبر لغةٍ غارقة في رومانسيتها السوداء، تتمثلها صور الذات المكسورة، وفقد الحبيبة، والأصدقاء، والخيبة في البلاد، والنفي في المدن البعيدة.
أحسب أن قراءة تجربة شاعر مثل محمد الغزي تتجاوز أسئلة النقد النمطي، إلى البحث في أسئلة الحياة، إذ يكون هذا التجاوز دافعا للكشف عن علاقة الشاعر العربي بهواجس الاقتلاع والطرد والقلق، والوجع واللانتماء، وبالذاكرة التي تساكنها أرواح مدنه القديمة، ويوميات الآباء الذي آمنوا بأن الحياة قدر، فصنعوا لها أسفارا وحقولا ومكتبات وتعاويذ، وعاشوا عاشقين دون أن تغويهم المهاجر، أو تطاردهم أشباح الحداثة، وما بعدها، أو إكراهات المبشرين والمستشرقين والفقهاء، والأسئلة الفاجعة التي أخذت الشاعر المعاصر إلى القلق والنفي والعزل..
الشاعر الذي ظل رائيا
قد تبدو تجربة الشاعر محمد الغزي أكثر إثارة، في اللغة وفي الحياة، إذ عاش تجربة «جيله الشعري» الصاخب، في أسئلته، وفي تمرده على أنموذج القصيدة الأبوية، مثلما عاش انهيارات الخيبة العربية بعد خذلان حزيران/يونيو، والحروب في بيروت والخليج، وغزو الكويت، ليجد نفسه أمام خيبة الخذلان، والهروب إلى منافٍ مجاورة، وإلى حيوات أكثر اغترابا، عاش فيها تحولات الواقع وفدائحه، مثلما عاش تحولات اللغة، عبر تمثلات التورية في – الاستعارة، المجاز، الكناية – وعبر وظائف إكراهية في التجريب، وفي صياغة العالم عبر القصيدة، وفي تمثيل علاقته داخل بنيات مجاورة استغرقته بالتصوّف والأسطوري واليومي، وهي تشكّلات جعلت من قصيدته أكثر نزوعا للمخاتلة في التجريب، حيث اتساع أفق التعريف بالقصيدة الجديدة، بوصفها مكشوفة على تحولات فارقة، يحضر فيها الذاتي والوجودي المهجوس بتحولات كبرى ومفارقة، وبأسئلة لم تكن مألوفة، لكنها أخذت تشغله كثيرا، وتصدمه أكثر، عاش معها اندحارات ومكبوتات ومنافٍ أفقدته علاقته الآمنة بالمكان، ليجد في المهجر مجالا لإعادة ترميم «بيته الشعري» واختبار لغة أخرى، لغة مواربة، يتوارى خلفها لاستكناه وجعه الشخصي/ وجعه الوطني، حتى بدت قصيدته وكأنها تشبهه، وتناظره في التحول الوجودي والكينوني والاستعاري، فهي قصيدة كثيفة، لامعة، غامرة باستعارات قلقة، تشي جملتها بروح الشاعر اللائبة، الباحثة عن معنى، فبقدر ما يحضر فيها التاريخ والطفولة، يحضر فيها وعي الشاعر الحاد لـ«الزمن الشعري» حيث أسئلة الوجود، وحيث «إيقاعه» الذي لا يعني الشكل حسب، بل يعني وعي القصيدة بوصفها وجودا حيّا، نابضا، غاويا، يحتفي بسيرته، وأيامه، مثلما يحتفي بتلك القصيدة، التي ظلت رغم غنائيتها غامرة بهواجسه، وهو يستعيد العالم عبر لغتها، بوصفها وجوده الحقيقي..
قصائده في «كتاب الماء وكتاب الجمر» الصاخبة باندفاعات خطواته المبكرة، شاعرا مغامرا، يتوق إلى المغايرة، والى تعرية العالم، فيحتفي بالنقائض، وكأنه يحتفي الحياة ذاتها، إذ يجعل الماء نظير الجمر، والحكاية نظير التاريخ، والأسطورة نظير المدينة/ القيروان، مؤكدا أن هذه النقائض هي ما يُعرّي روح الشاعر اللائبة، تلك التي تدفعه إلى استحضار الماء كناية عن الخلق، والجمر كناية عن الوجود، وعن شغف البحث فيه، والحكاية كناية عن ما تصنعه للتاريخ من سرديات ماكرة، تشتبك فيها روح المدينة بأساطيرها وتفاصيلها وأشيائها ويومياتها، وشغوف صوفييها، فيصطنع للقصيدة فضاء يتسع مع استعاراته وشيفراته، إذ يخترق من خلالها الحُجب، متوهما الاحتفاء بالوضوح والطبيعة عبر التفاصيل والأسماء، وكأنه رائيها وصانع لياليها وكاشف أسرارها، مثلما يكون حامل شيفراتها بوصفه الصوفي الذي يرى الموت، يخاطبه، يستمهله، يشاطره التحسس بهواجسه، إذ يتشهى إشباعات لم تنفذ.
في قصائده الأخيرة بدءا من «كالليل استضيء بنجومي» و»ثمة ضوء آخر» و«استجب أن دعتك الجبال» يكشف عن طاقة مقموعة في ذلك «المخفي» وعن وعي فاجع بالتحولات العميقة، حيث خمود روح، وحضور شعرية الخبرة بوصفها رؤية متعالية ومفارقة، تحفر في التاريخ والذاكرة، بحثا عن ما يشبهه، حيث اللغة النافرة، التي يشتبك فيها الوجودي والصوفي والتأملي، وكأنه يتقصّد عبر هذا الاشتباك توسيع لحظة «الاستعادة» ليحضر الغائب/ المدينة/ الراحلين، بوصفهم كناية عن بحثه عن عشبة خلوده، وعن ضوئه الخالق، وعن أجداده الذين يحضرون لـ«الدعوة» ليشاطروه هواجس توقه إلى التعويض والامتلاء، وبما يسبغ على شعرية الاستدعاء تلوينات تجعله يكتب نصه، وكأنه يصنع من خلاله مصدا» لمواجهة الموت/ الفقد/ الإحساس بأن العالم لم يعد آمنا.
«إني أوحشني سيري منفرداً،
فأمسكني من يمناي ولا تتركني،
أقطع هذا الدرب الموحش وحدي»
هذا المدخل الشعري يكشف عن «الكينونة» المهجوسة بالنهاية، والباحثة عما ينفيها، فيوحي الشاعر عبر الاستدعاء إلى استحضار الدليل، أو ما ينقذه من الوحشة والغياب، وهي إحالات استعارية تستبطن الإحساس بالخواء والعطب والخسران، وأن لا شيء سوى «اللغة» تهبه التطهير، والألفة، وأحسب أن استعارته لقناع المعتمد بن عباد أحد ملوك طوائف الأندلس هي تمثيل شخصي لهذا الصراع العميق بين الوجود وغيابه، أو بين الذات وفقدها، فتتحول المأساة في التاريخ إلى مأساة شخصية، والفقد إلى خرق وجودي يستنزفه بالغربة والفقد، فيجد في شعرية الاستدعاء محاولة في أنسنة الغياب والطبيعة، ومشاطرة كائناتها وحدته وغربته وخساراته..
يا ابن ماء السماء،
سدى يتلفت قلبك قبل الرحيل،
سدى تتفلت عينك/ أنت الغريب هنا،
والذي كنت تحسبه وطناً قد غداً كفناً،
فعلام إذن تتلفت؟
لا شيء غير قوافل غرثى تخوض في ظلمات القرى،
غير رايات أهلك تحت الحوافر،
غير المقابر في كل أرض…
الغواية وشعرية الاستدعاء
في صيغة فعل الأمر «استجب» تبدو شعرية الاستدعاء أكثر تحفّزا للحضور، ليس بدافعها القسري، بل بما تحمله من إغواء يدفعه إلى استجلاب ما يشبه تمثيل اللذة المفقودة، حيث تُحيل مفردة «الجبال» إلى شيفرة رمزية، تستبطن شيفرة استدعاء «الموتى» العالقين بذاكرة الشاعر، فيستحضرهم للتوهم بترميم العالم، لكنه ينزاح عن غرضه ليبدو ترميما لذاته المكشوفة على الخسارات، إذ تتحول الوظائف الطبيعية إلى وظائف تمثيلية تتبدّى من خلالها سمات تحولاته الوجودية، حيث «الإصغاء» يقوده إلى استجلاب أصوات خبيئة، وحيث أصوات الطبيعة تناظر الأصوات التي تمور داخله.
أرهف سمعك للبحر الليلة:
ثمة قارات تنبثق الآن من الماء،
وغابات وأوابد…
أرهف سمعك للموجة،
وطيور ومجرات وبراكين.
تتحول لعبة الاستدعاء إلى غواية، عبر استدعاء ما هو غائب- الحبيبة/ الوطن/ الأصدقاء الميتين- حيث تتكثف الصور عبر وجه الحبيبة، وهو يبدو عاريا، مُرفّا في الظلمة، لا قناع له، يستدعيه كضدٍ لوجعه الشخصي، وفقده الشخصي الذي ينفتح على سلسلة من الفقدانات- الأصدقاء، البلاد، التاريخ- نافيا عنها النسيان، متلذذا باستيهام التذكّر، كصيغة لاستدعاء الحاضر/ ذاته بصفة الغائب/ الحبيبة كما يقول الصوفيون، وبهذا الاستدعاء/ الاستكناه ينحّل التاريخ أمام الشاعر، فيبدو قناع «بن عباد» وكأنه خدعة، لأن ما يعيشه الشاعر من فقدٍ في اغترابه هو أشد قسوة ووجعا من غربة ذلك الملك الأندلسي، وأن الحبيبة «الميتة» تنسل من ذلك التاريخ، لتصنع وجودا يشعّ بالمعنى والامتلاء، لمواجهة خيبته الشخصية.
لن أتذكر من هذا العالم،
وأنا أشيح بروحي عنه،
إلا وجهك/ وهو يرف مثل النجم في ليل شديد الظلمة،
إلا عينيك وهما تنشران كل هذا الضوء،
وتتدلى الأقمار كالمصابيح.
كاتب عراقي