محمد الماغوط الجملة المعترضة في الثقافة العربية
عبد الرحمن مجيد الربيعيمحمد الماغوط الجملة المعترضة في الثقافة العربيةلم أشأ الكتابة عن الشاعر محمد الماغوط بعد وفاته مباشرة حيث انبري الذين يعرفون ابداعه او الذين لا يعرفونه في حملة الكتابة عنه، وتلك مسألة ايجابية اذ هي تعني ان الشاعر الاستثناء ما زال يحشد القوم حوله حبا ومتابعة.لم يكن محمد الماغوط صديقي كما هو الشأن مع زكريا تامر صديق الماغوط الأقرب. كما ان الظروف لم تسمح لنا بلقاء رغم تواجدنا قريبين مكانياً. هو في دمشق وانا في بيروت لعدة سنوات، وكان اصدقاؤه اصدقائي خاصة يوسف الخال، انسي الحاج، شوقي ابي شقرا، فؤاد رفقة، كما ان اسمي تواجد علي صفحات مجلة شعر التي ادت قصائده بعيد تواجد اسمه بثلاث او اربع سنوات. اي منذ عام 1962 ـ بالنسبة لي ـ لكن قصائد الماغوط كانت صديقتي منذ بداية الستينات، وقد عرفته وعرفت اسمه ولقبه العجيب الماغوط الذي يحيل الي اكثر من صفة وفعل في بداية الستينات عندما جاء احد الاصدقاء بنسخة من ديوانه المستفز حزن في ضوء القمر عندما عثر عليها في احدي مكتبات بغداد، واذكر ان صديقا اخر جاء بعد فترة قصيرة بمجموعة زكريا تامر القصصية صهيل الجواد الابيض والكتابان صدرا من منشورات مجلة شعر .عندما وصفت ديوان الماغوط بالمستفز فانني لا ابالغ اذ انه صدر في فترة كان فيها الشعر الموزون والمقفي هو المتسيد، وكنا نحن الفتية الحائرين بين الشعر والقصة نجهد من أجل امتلاك القدرة علي الوزن والقافية رغم ضجرنا منهما واحساسنا بأنهما قيدان يكبلان القصيدة، وكنا نذهب الي الشاعر قيس لفتة مراد الذي تمرد علي المدرسة وقيودها قبل ان يكمل الابتدائية ـ شأنه شأن الماغوط وزكريا تامر وقبلهما العقاد الكبير ـ وكان قيس يقوم بتصحيح القصائد فنفرح بها ونعمل علي ايصال العاطفي منها الي المرأة المتمناة ـ لكن ديوان الماغوط قلب كل المعادلات وأعاد كل الحسابات. وفي ليالي الوحشة والحزن والحلم كنا نتجمع في مقهي او بيت احدنا حيث اعتدنا انتظار حفلات ام كلثوم الشهرية او عبد الحليم حافظ او تسجيل لحفل غناء ريفي بأصوات لم يكررها الزمن امثال جبار ونيسة، وداخل حسن، وخضير مقطورة، وسلمان المنكوب (لاحظوا هذا اللقب).وبدلا من كل الطقوس حل الماغوط ضيفا دائما علي موائدنا الفقيرة حيث زجاجة العرق الماستكي اللافح الذي يشعل النار في الاحشاء ونطفئه بأشهر مازة عراقية اسمها الجاجيك وهي خليط من اللبن والخيار (الفقوس) او الخس مع الزيت والثوم.لا يدري الماغوط انه كان شريكنا علي تلك الموائد التي تحولت الي نادي الموظفين بعد ان توظف البعض منا في الادارات الرسمية وصار له الحق بأن يصطحب معه ضيوفه.كان احدنا واسمه ناظم حامد قد سبقنا في نشر بعض القطع النثرية والخواطر في الصحف الاسبوعية مقلدا بهذا اخاه الكبير صبري حامد الذي سيصبح لاحقا مدير المكتبة العامة في الناصرية.ناظم هذا حفظ ديوان الماغوط كاملا عن ظهر قلب كما يقال.وكنا نستحثه عندما تأخذنا الكأس الي عالمها بأن يقرأ لنا فيلبي، ويترنم بصوته المتعب المثقل بدخان السكائر والسعال بإحدي القصائد الماغوطية ونطلب منه المزيد، ولا أبالغ ان قلت بأن ناظم حامد كان يقرأ الديوان كاملا في كل جلسة ليلية. فكأن قصائد الماغوط قرينة الليل ولا علاقة لها بالنهار، اذ نذهب الي قراءات اخري. واشهد هنا ان زكريا تامر قد خلخل قناعات اولئك الفتية القصصية مبكرا بشكل لم يفعله قصاص عربي آخر عدا اسماء قليلة امثال يوسف ادريس (أشير هنا الي الكتابة المهمة التي نشرتها جريدة القدس العربي للناقد صبحي حديدي عن مكانة كل من الماغوط وزكريا تامر في الكتابة العربية الجديدة وان كان الموضوع يتسع لدراسات اخري).رحل ناظم حامد مبكرا اذ لم يجد في حياته ما يحمسه علي علاج السل الذي نخل رئتيه، وتداعت اوراق ذلك الديوان المستفز لكثرة تنقله بين الايدي، كما ان ذلك الجمع من الفتية قد تفرق. كل واحد مضي الي جهته.ورغم ان ديوان الماغوط الثاني غرفة بملايين الجدران وصل الي مكتبات الناصرية واقتناه عدد منا الا انه لم يترك فينا تلك اللسعة التي ذقناها في حزن في ضوء القمر . لا اظن ان احدا قرأ الماغوط ولم يحس بأنه صديقه ولذا بادر الكثيرون للكتابة عنه بعد رحيله.قال مرة جوابا لخليل صويلح: انا بطبيعتي خارج السرب في الشعر والمسرح والحياة، انا جملة معترضة في الثقافة العربية . نعم، هو كذلك. وما احوجنا الي جمل معترضة اخري بعد ان كثرت الجمل المذعنة المنكسة!!كاتب من العراق يقيم في تونس0