في حديث خاص بـ “القدس العربي” دعا رئيس لجنة المتابعة العليا، الهيئة التمثيلية العليا داخل أراضي 48 محمد بركة إلى تمثيل الفلسطينيين في إسرائيل في المجلس الوطني الفلسطيني ردا على “صفقة القرن” وتوابعها مشددا على ضرورة جعل الاحتلال مكلفا من خلال المقاومة الشعبية التي تجبره على إعادة حساباته وفيما يلي نص الحوار:
*كيف تعامل الفلسطينيون مع مخطط الضم في رأيك ؟
**هو لم يبدأ مع الضم إنما مع بدء الحديث عن نقل السفارة و”صفقة القرن” وكان موقف القيادة الفلسطينية صائبا وشجاعا وليس مفروغا منه في الإقليم والعالم أن تتحدى الإدارة الأمريكية بهذا الشكل. إلى جانب ذلك تحريك الشارع أو ما تمسكت به القيادة الفلسطينية في كل أدبياتها والتصريحات الصادرة عنها بأنها مع المقاومة الشعبية ظل للأسف في نطاق النوايا. الأداء الدولي والدبلوماسي كان ممتازا لكن على الأرض الأمور لم تتحرك حتى جاء مخطط الضم. عقدت عدة مهرجانات شعبية مهمة وكبيرة من قبل حركة “فتح” وشاركت في مهرجان أريحا لكن هذا الأمر يجب ألا يكون قرارا محسوبا من القيادة إنما ينبغي أن يكون أيضا تعبيرا عن الإرادة الشعبية تتقاطع فيها مع موقف القيادة في إطار الثوابت الفلسطينية.
*تفسيرك لذلك ولو بالتلميح أو الاقتضاب؟
**اكتفي بالقول إنه في هذه المرحلة تواجه المجتمعات العربية وفي كل العالم ظاهرة تفكيك، وكورونا قد تساهم في تعميق التفكيك وزيادة العصبيات المحلية والنزعات المادية والآنية وغيرها، ونلاحظ موضوع الفقر والعنف وتخفيض سقف طموحات الناس، ففي الضفة وغزة هناك محاولات لخفض سقف طموحات الجمهور لمستوى رغيف الخبز. هذه المرحلة تحتاج في كل مجتمع لإعادة التمسك بالثوابت المجتمعية. وإلا كيف نفهم أن السعودية كانت مستعدة لدفع 550 مليار دولار لرئيس الولايات لحماية بحجة أنه يحمي النظام، يحمي النظام السعودي ممن؟ من شعبه؟ مفروض أن تكون السعودية ندا لإيران إما تفاهما أو مواجهة. والمطلوب إقليميا وعلى مستوى الأمة العربية وشعوب العالم العودة لمصالحها الحقيقية في مواجهة طغيان التفكيك من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. والمهمة الأولى أن على الأنظمة أن تتصالح مع شعوبها ثم تمثل مصالحها وتحتكم لإرادتها بمفهوم سيادة ديمقراطية حقيقية وعندئذ لن تكون هناك حاجة لدى الأنظمة لحماية أحد لأن شعوبها تحميها.
*طالما خطر الضم يبقى قائما أي خطوات يحتاج الفلسطينيون للقيام بها؟
**القضية هي الاحتلال وقبل “صفقة القرن” وبدايتها وعد بلفور ثم النكبة ثم النكسة التي قلصت حق تقرير المصير حتى جاءت الخطة الأمريكية هذه لشطب كل الحقوق الفلسطينية. لو فرضنا أن الضم لن يتحقق وقد لا يتحقق فهل تنتهي المشكلة؟ واضح أن هناك أهمية نوعية لإسقاط الضم لأن الضم الحالي سبقته ثلاث عمليات ضم، فقد ضمت إسرائيل في المرة الأولى عندما التهمت مناطق كانت تتبع للدولة الفلسطينية حسب قرار التقسيم، ثم قامت بضم ثان في 1967 حينما ضمت القدس بخلاف الشرعية الدولية ثم جاء ضم الجولان السوري المحتل في 1981 والضم الرابع المطروح اليوم، وهذا يتميز بأنه يجري ضمن مشروع كامل ومعلن للإجهاز على القضية الفلسطينية ولذلك إحباطه أمر مهم لكن لا يجوز لأحد أن يشعر بكونه منتصرا إذا تم وقف الضم.
*أوصلت هذه الرسالة للقيادة الفلسطينية؟
**طبعا في أكثر من مناسبة وموقع وتضمنت كلمتي في مهرجان أريحا التي أشاد بها كثيرون عدة إشارات واضحة بما فيها إشارة حول الانقسام قلت فيها إنه بحال لم تتوفر الإرادة السياسية لدى الفصائل المعنية لوقف الانقسام يجب أن تفرض الإرادة الشعبية وقف الانقسام وهناك من اعتبر ذلك حضا للشعب ليقوم ضد الانقسام وأنا لا أنكر ذلك. أنا على علاقة مع كل الفصائل والقيادات الفلسطينية بدون استثناء.
*وما هو المطلوب إذن؟
**أولا إنهاء الانقسام واستكمال الخطوة المهمة المتمثلة بلقاء العاروري والرجوب التي جسدت فكرة العمل المشترك وهي تشكل أرضية لإنهاء الانقسام وهذا مطلب أصدقاء الشعب الفلسطيني وهم محرجون من الوضع الراهن وبعضهم يكاد يتوسل القيادة الفلسطينية مثل الأمين العام للأمم المتحدة كي تتفق. والأمر الثاني هو المقاومة الشعبية التي يسميها البعض انتفاضة. إسرائيل اليوم في موقف مربك اقتصاديا بموضوع كورونا، الموضوع الاقتصادي يلعب دورا هائلا في حسابات الإسرائيليين وطالما الاحتلال مربح فلن يكون هناك إلحاح يدفع الإسرائيليين لتغيير نمط تفكيرهم تجاه الشعب الفلسطيني ولا أتوقع أن يستيقظ الضمير الإسرائيلي فجأة ويقول إن الفلسطينيين محقون. إنما هناك حاجة لفرض توازن مصالح آخر ليشعر الإسرائيليون بأن هذا الاحتلال مضر. حتى الآن الاحتلال مربح: الاحتلال يعطي الماء في الضفة الغربية والنفط مقابل سواحل غزة لإسرائيل والعمالة الفلسطينية رخيصة متوفرة والضرائب وهناك خمسة ملايين فلسطيني يستهلكون بضائع إسرائيلية بدون تكاليف نقل وكذلك تجبى ضرائب على ما يدخل من واردات من خارج البلاد. هذا احتلال مربح ومثالي. الاستنتاج هو أن يكون الاحتلال مكلفا. أعرف منذ كنت في الكنيست إسرائيل قلقة من حملة المقاطعة الدولية وتخشى التدحرج لما كانت فيه جنوب أفريقيا، وترصد مليارات من أجل مواجهة المقاطعة لأن هذه الخاصرة الرخوة لدى إسرائيل ولذلك لابد من مقاومة شعبية أو سلمية أو انتفاضة.. سمها كما شئت. في ظل الواقع الاقتصادي الذي يواجه مصاعب كبيرة في إسرائيل اليوم نتيجة كورونا من الممكن أنها فرصة لتحويل النقمة الاجتماعية إلى نقمة سياسية داخل المجتمع الإسرائيلي ضد سياسة الاحتلال طالما أن الاحتلال يكون مكلفا.
*وفي هذا هناك دور للقيادة الفلسطينية بالدرجة الأولى؟
**طبعا. هو دور لكل ما يتنفس على الساحة الفلسطينية من قيادات وأحزاب وجمعيات وجاليات وفلسطينيون في الداخل الخ .
*قالت شولميت ألوني وزيرة التعليم الإسرائيلية قبل عشر سنوات إن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة. هذا ما تقصده؟
**هذا تعبير تجيز ألوني لنفسها استخدامه، أما أنا وأنت عندما نقوله فسيتم ربما اتهامنا بالحض على العنف. نعم إسرائيل أثبتت أن أي سلوك سياسي مكلف لها فإنها تتجنبه، وإذا كان الاحتلال مكلفا فإنه سيثير أسئلة كثيرة. وإلا لماذا أصلا بدأت المفاوضات في مدريد ثم في أوسلو بعد انتفاضة الحجر ولماذا حصل الانسحاب بعد الانتفاضة الثانية؟ هو ليس أن إسرائيل لا تفهم سوى لغة القوة إنما أي نظام عندما يكون طغيانه مكلفا فإنه يتراجع عنه.
*ما رأيك بالدعوات لحل السلطة الفلسطينية أو لوقف العلاقات مع إسرائيل كرد على ما يجري؟
**هناك فارق بين الدعوتين. وقف العلاقات مع إسرائيل قد يكون أمرا مستوجبا وسبق أن أعلنت القيادة الفلسطينية في أيار/مايو الماضي عن تحللها من كل الاتفاقات لكن حل السلطة أمر غير معقول فهذه مؤسسات دولة فلسطين. صحيح أن أحيانا يصيبها العوار وأحيانا لا تمارس واجبها كما يجب ولكن هذه مؤسسات دولة أقيمت بالتضحيات والنضال والعمل وليس ممكنا أن نقول تعالوا لنبدأ من الصفر. الأصح هو أن يتم تحويل السلطة الفلسطينية لحكومة دولة فلسطين تحت الاحتلال وقد دعوت قبل أيام لتأسيس مجلس تأسيسي لدولة فلسطين يتحرك عالميا وفق الشرعية الدولية كحكومة وبرلمان دولة وبموازاة ذلك تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالمجلس الوطني الفلسطيني. واليوم أنا لا أنفي أن يكون هناك تمثيل للفلسطينيين في إسرائيل في المجلس الوطني الفلسطيني كونه مجلسا وطنيا لكل الشعب الفلسطيني الذي ننتمي له لا لدولة فلسطين التي نحن لسنا جزءا منها. بعد أن قامت صفقة القرن بإقحام الفلسطينيين في الداخل بحلولها بترحيل منطقة المثلث وطالما يريدون إدخالنا إلى هذا المربع فعلينا اختيار المربع الذي يليق بنا، فنحن جزء من الشعب الفلسطيني.
*هذه قناعة جديدة ومهمة؟
**نعم صحيح.
*وماذا عن وقف العلاقات بالكامل مع إسرائيل فالسلطة الفلسطينية حتى الآن لم تطبق تصريحاتها؟
**القضية الأساسية أن إسرائيل هي التي ألغت الاتفاقات الموقعة عمليا، فأوسلو أكدت الانتقال للحل الدائم بعد خمس سنوات وهذا لم يطبق. كما تأتي الآن وتعلن القدس عاصمة موحدة لها ثم تشرع قانون القومية فما الذي تبقى من أوسلو؟ القيادة الفلسطينية لا تحتاج لتحمل وزر التحلل من الاتفاقات لأنها لم تعد قائمة فقد انتهكت بقرار معلن ومن غير الكياسة السياسية أن تتطوع بعض الأوساط الفلسطينية وتقول إنها تريد التبرؤ من أوسلو لأن إسرائيل هي التي ألغته والفلسطينيون براء من أوسلو لأن إسرائيل ضربت بها عرض الحائط ولم تعد الاتفاقات موجودة.
*مصدر الشر هو الاحتلال كما تقول ولكن بحال تم الضم هل سيبقى مجال لحل الدولتين؟
**إذا تحدثنا عن حل يفرض على إسرائيل بالقوة فهذا ممكن ولكن إذا الحل برضا إسرائيل فحل الدولتين أسهل على إسرائيل من حل الدولة الواحدة القائمة على فكرة لكل شخص صوت. إسرائيل زاوجت بين طرحين لليكود والعمل حول دولة يهودية على قسم من البلاد أو على كل البلاد مع وجود فلسطينيين فيها وهذا من خلال نموذج يقوم على مبدأ أكثر أرض وأقل فلسطينيين تحت سيطرة إسرائيل، وهذا بدأ منذ عقود وتجلى بدعوات موشيه أرنس وشيمون بيريز لتحسين شروط المعيشة والتقاسم الوظيفي وهذا هو روح وعد بلفور بالمناسبة.
*أنت تؤيد إبقاء شعار تسوية الدولتين مطروحا من قبل الفلسطينيين إذن رغم كل ما قلت؟
**ممنوع إسقاطه ولكن يجب وضع هذا التحدي أمام إسرائيل في العالم بالقول إذا كنتم تريدون دولة واحدة فليكن ولكن لا يعقل دولة واحدة مع نظامين مختلفين لأن هذا آبرتهايد ولن يقبله الفلسطينيون ولا العالم.
*ردود الفعل العالمية ضريبة شفوية حسب ما تقوله حتى أوساط إسرائيلية تعقيبا على الضم، فما رأيك؟
**أولا هناك تهتك في السياسة الإسرائيلية بمعنى تغير مفاهيم اليسار واليمين، فإذا كان غانتس يسارا فعلى الدنيا السلام. الحكومة الراهنة هي بطلب أمريكي. بالنسبة للمجتمع الدولي: أنارت الشارات الحمراء لدى نتنياهو عندما هددت أوروبا بأن الضم لن يمر بدون الرد وهذا الرد له تبعات اقتصادية تخشاها إسرائيل التي ترتجف رعبا من عقوبات اقتصادية. كذلك ينبغي الإشادة بدور الأردن الحازم كما جاء على لسان الملك عبد الله الثاني شخصيا وتبعه رئيس حكومته الرزاز وهذا يقلق التيار المركزي الأمني في إسرائيل ويقلق الولايات المتحدة في الحسابات الاستراتيجية.
*رد فعل الفلسطينيين في إسرائيل على صفقة القرن والضم؟
**قمنا بفعاليات احتجاجية ولكنها غير كافية، ولكن خذ بالحسبان الجولات الانتخابية وكورونا وتفشي العنف وهو قضية سياسية لا اجتماعية، فإسرائيل تعطي حصانة للإجرام وهذا جزء من تفكيك المجتمع. أحيانا هناك أمور تفرض نفسها على أجندة مجتمع ونحن مقبلون على كارثة لأن كورونا ستضرب مصالح المواطنين العرب ويمكن تدخل عصابات الإجرام وجماعات السوق السوداء التي ينبغي الابتعاد عنها.
*سبق وشخصت أن إسرائيل تقوم منذ هبة القدس والأقصى عام 2000 بتفتيت الفلسطينيين داخلها بمبدأ “فخار يكسر بعضه” هل هذا ما زال قائما؟
**طبعا. مشاهد هبة القدس عندما دخلنا في صدام عنيف مع المؤسسة الحاكمة، أضاءت خطوط حمراء عندنا وعندها أيضا ومن وقتها جنحت لأسلوب أثبت جدواه في مجتمعات كثيرة: محاولة تفجير المجتمع بالتفتيت من الداخل لا بالقصف من الخارج أي فرق تسد.
*هل رد الفلسطينيون في إسرائيل بخطة استراتيجية على هذا التهديد الاستراتيجي أم فشلنا؟
**هذه منازلة شرسة بين فلسطينيي الداخل وقيادته التي لا تملك إلا خطاب الحق والضمير والانتماء والمصالح أيضا، مقابل مؤسسة إسرائيلية تملك الميزانيات وكل المقدرات والتوظيفات والإعلام وغيره. بالنظر لهذه المعادلة فإن الوضع على الأرض أفضل.
*ولكن مع ذلك هناك ما يمكن للفلسطينيين في الداخل القيام به كموازنة الأقوال بالأفعال والبرلمان بالميدان وبامتلاك خطة حقيقية واستعادة قوة الأحزاب؟
**دائما آمنت وقلت إن عمل النواب العرب في الكنيست لا يسوى شيئا دون العمل الشعبي، وحيث يكون طرحك البرلماني معزولا عن الفعل الشعبي ستفشل والعكس صحيح.
*لأي مدى أنت راض عن النضال الشعبي في الداخل إذن؟ هو ربما مفقود؟
**لا موجود. ربما ليس كافيا ولكن هناك فعاليات على الأرض في قضايا مختلفة من بئر السبع إلى بيت جن. لا تنسى أننا نركض بين عدة جبهات مشتعلة بعدما تعددت مراكز المواجهة وصرنا نشهد مصائب في كل منطقة، لدرجة أن الفعل يأخذ طابع المكان وما حوله، ولكن هذا لا ينفي أن نرى كل السياسات العنصرية الإسرائيلية تجاه الإنسان الفلسطيني وحقوقه وأرضه ووجوده هي قضية واحدة ومتكاملة وتحتاج لرد فعل عام وجماهيري.
*لكن لا توجد خطة بل سلسلة ردود فعل على ممارسات إسرائيلية؟
**طبعا هناك خطة. أنظر كيف عالجنا جائحة كورونا من خلال الهيئة العربية للطوارئ. كذلك أطلقنا خطة استراتيجية لمكافحة العنف والجمهور غير مطلع عليها وكذلك في التربية والتعليم والقدرات البشرية.
*ماذا ينقص نضال فلسطينيي الداخل إذن؟
**أن يكون خصمنا أقل شراسة وأكثر ضعفا.
*هل هناك تخطيط لإحياء الذكرى العشرين لهبة القدس والأقصى بعد ثلاثة شهور بشكل استثنائي؟
**هناك قضايا متراكمة منها تبعات كورونا والعنف وهدم البيوت في النقب وصفقة القرن وهناك حاجة للتشاور وما زال لدينا متسعا من الوقت.
*منذ هبة القدس والأقصى عام 2000 وإسرائيل تعامل الفلسطينيين فيها باعتبارهم يشكلون تهديدا استراتيجيا فما هو الرد الأنسب على ذلك؟
**الكثير من الأوساط الإسرائيلية تتفق أن خطأ إسرائيل الأكبر هو بقاء فلسطينيي الداخل. المشكلة أن إسرائيل ترى بوجودنا مشكلة لا بحقوقنا، والكارثة أن نوهم أنفسنا أن قضيتنا قضية مدنية علما أنها قضية صراع فكري أيديولوجي استراتيجي بيننا وبين الصهيونية كحركة إحلال واقتلاع وهذا لا ينسحب على من تم تهجيرهم فقط بل علينا، وإلا فما السبب أن إسرائيل تمنع عودة اللاجئين في الداخل لقراهم مثلي أنا ابن صفورية المدمرة؟ فعودتنا هذه لن تغير ميزانا ديموغرافيا ولا غيره ولذلك هذه هي المنازلة الحقيقية. ولكن في سياق هذه المنازلة لا يجوز التنازل عن حقوقنا المدنية فهذا مدمر وتافه ويضعف مناعة المجتمع الفلسطيني في الداخل. إسرائيل تتجه نحو المكان الذي يتيح لها العودة لشعار “أرض إسرائيل” الكبرى وحتى الآن لم يتأت هذا الأمر لها. أحيانا يسألون عن أوسلو لماذا لم يتقدم شيء بعد عشرين سنة. الجواب بسيط وهو أن القيادة الفلسطينية رفضت الشروط الإسرائيلية. بالنسبة لنا نحن جزء أصيل من حياة البلد ومن الشعب الفلسطيني وتاريخه ونريد حقوقنا القومية والمدنية المتنوعة كاملة وإسرائيل تحتاج لـ 1000 سنة لتعويض الشعب الفلسطيني بعد جرائمها بحقه وسرقة مقدراته. الرد الأنسب أن نكون مجتمعا موحدا يستند لمشروع سياسي وطني واحد لا بالمفهوم الميكانيكي كما فعلنا في المشتركة وكذلك تعزيز قوة لجنة المتابعة العليا وهذا نسير فيه. كما نجحنا بتوحيد السلطات المحلية في إطار واحد. وهناك من يحاول فرض تمايز معين على الهيئة الوحدوية – لجنة المتابعة العليا – وهذا لن يحدث لأنني مكلف بالتمسك بالقاسم السياسي- الاجتماعي المشترك الذي يجمع المجتمع الفلسطيني لكل التيارات. وهذه المشاريع الوحدوية المستندة إلى مشروع سياسي اجتماعي مشترك هي الضرورة والأداة الأساسية لمواجهة السياسات الإسرائيلية. طبعا من دون التقوقع وإهمال إمكانيات العمل في الشارع اليهودي على أساس ثوابتنا. لا أن نلتقي مع الصهاينة في نصف الطريق فنصبح نصف صهاينة وهم يصبحون نصف قوميين عرب، فمن يريد أن يأتي معي لمساندتنا في حقنا فأهلا وسهلا ومن لا يريد فالله يسهل عليه.
*منذ عام 2000 تراجع العمل اليهودي العربي؟
**تراجع العمل العربي اليهودي بل سقط بعد تفجيرات داخل المدن الإسرائيلية في التسعينيات ثم جاءت التفجيرات وأدت لانكسار حاد ثم جاءت الانتفاضة الثانية 2000 وقضت على ما تبقى منه. لكن خروج قوى السلام اليهودية من الشارع بدأ بعد توقيع أوسلو مباشرة بعدما تشكل وهم بأن السلام يقوم به الساسة ولا حاجة لمنظمات فاعلة فاندثرت تنظيمات ناضلت ضد الاحتلال ومن أجل السلام.
*ويبدو أن الحزب الشيوعي الإسرائيلي أيضا تراجع عن العمل العربي – اليهودي؟
**لا. هناك فعاليات وآخرها مظاهرة كبيرة جدا في تل أبيب رغم كورونا، ويحاول الحزب الشيوعي من خلال نضالات عمالية ونقابية في الشارعين اليهودي والعربي. لكن واضح أن هناك ضعفا بكل العمل السياسي ومفهوم اليسار يكاد ينحصر بهوامش ميرتس وفي المشتركة فقط.
*على المستوى الشخصي يلاحظ في السنوات الأخيرة أن أولوياتك ومصطلحاتك وتوجهاتك تتجه نحو اتجاه وطني وقومي أكثر من الشيوعي أو الأممي وأنت قيادي في الحزب الشيوعي؟ هل لديك قناعة جديدة ورؤية متبصرة أكثر للواقع؟
**القناعة الأساسية لم تتغير وتحليلي للمجتمع ما زال بالأدوات العلمية والمادية وقضية الفهم الأممي والمادي للصراع أيضا ولذلك تحدثت عن أرباح الاحتلال والتأثير على الإسرائيليين ولكن بنفس الوقت أقول إن منسوب الأخطار تعاظم والحاجة للرد عليها صارت أكثر إلحاحا بمفردات تناسب هذه الأخطار. في ظل صفقة القرن لا يمكن الحديث وكأنه لا يوجد مخطط ضم ونقل سفارة وتتحدث بلغة السبعينيات والثمانينات. اللغة أداة كفاحية وتعلو وتهبط طبقا للتحديات، اليوم هي أكبر بكثير. لم أكن يوما غير منتم أو غير قومي وغير متمسك بقوميتي وبفلسطينيتي وأيضا لا أنكر انتمائي الأممي.
*أفرهام بورغ قال مرة قبل سنوات في حديث صحافي إن محمد بركة ينافس عزمي بشارة في توجهاته القومية ما رأيك؟
**عزمي بشارة لم يعد ممثلا لشيء هنا فهو يعمل مستشارا في قطر. ما قاله بورغ هو شكل من أشكال الاستشراق المقيت الذي يصنف العرب حسب درجات التطرف والإيجابية. بتواضع محمد بركة لحد بعيد صاغ لغة العمل السياسي والوطني في أراضي 48 ولا أقارن نفسي بأحد.
*بما يتعلق برئاسة المتابعة العليا هل أنت عازم على ترشيح نفسك لدورة إضافية؟
**لا. كنت بلغت بأنني سأتولى رئاسة المتابعة لدورة واحدة التي تنتهي في تشرين الأول/اكتوبر المقبل. طبعا أعلم أن هناك أحاديث فوق وتحت الطاولة بين مكونات المتابعة حول هذا الموضوع. أصغي تماما لزملائي لكنني ملتزم بما قلته في 2015 بعد انتخابي لرئاسة المتابعة.
*كيف تقيم عمل المتابعة؟
**موقع المتابعة بين الناس وبين مركباتها صار أقوى من أي وقت مضى وهذا استمرار لمن سبقوني في رئاستها. القاصي والداني يعلم أن المتابعة العليا في السنوات الخمس الأخيرة موجودة على الخريطة بقوة وتحولت لمرجعية متفق عليها بشكل قاطع كصاحبة القرار والحل والربط بأي قرار يتعلق بالمجتمع الفلسطيني في الداخل.
*وعمل المشتركة في العام الأخير؟
**لا يمكن تقييمها في العام الأخير بسبب توالي الانتخابات، ولكن قبل ذلك كان حضورها جيدا والآن يلاحظ توزيع عمل معقول وهناك تفاوت بنشاط نوابها. ولكن إذا أردت توجيه كلمة لهم فأشدد على ضرورة التعاطي مع هموم الناس اليومية ولكن من المهم الحرص دائما على رؤية السياق السياسي العام في كل تفاصيل الحياة والعمل البرلماني. هناك مؤسسة عنصرية إسرائيلية تعطي وتمنع بناء على أولوياتها هي ولذا لابد من ترشيد الخطاب المطلبي – المدني ووضعه في سياقه السياسي، لأن الطرف الآخر لا يتعامل معنا إلا من خلال السياق السياسي.