محمد بركة ينعي المناضل الفلسطيني سميح عبد الفتاح ويستذكر بصيرته وخفة ظله

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: نعى رئيس “لجنة المتابعة العليا” داخل أراضي 48 محمد بركة المناضل الوطني الفلسطيني سميح عبد الفتاح (أبو هشام)، الذي رحل بعد صراع مع المرض، وشيع في بلدته حوسان قضاء بيت لحم في الضفة الغربية.

واستهل بركة بيان النعي بالقول: “ودّعنا اليوم في قرية حوسان في قضاء بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة الأخ والصديق المناضل الكبير أبو هشام، سميح عبد الفتاح”.  وعلى المستوى الشخصي يضيف بركة: “تعرّفت على أبي هشام في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وتوطدت علاقتنا بعد عودته للوطن في 1994 وعرفت فيه وعنه الإنسان الفلسطيني المناضل الملتزم، منذ عمله لجانب القائد الشهيد صلاح خلف، أبو إياد، وحتى أقعده المرض”.

“نشأت بيني وبين أبي هشام علاقات خاصة جداً، توطدت مع الوقت إلى علاقة عائلية، فبيته في رام الله كان وجهتنا الأولى هناك، وعندما كان يتاح له أن يزورنا كانت بيوتنا بمثابة بيت له”.

واستذكر بركة في بيانه تفاصيل إضافية عن بدايات العلاقة مع الراحل عبد الفتاح الذي كان مكلّفاً بملف فلسطينيي الداخل من قبل الرئيس الراحل ياسر عرفات: “بعد عودته إلى الوطن، شغل أبو هشام مسؤوليات عديدة وحساسة منها الأمني ومنها السياسي، وقد كلّفه القائد الرمز الرئيس الشهيد ياسر عرفات، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، بالعلاقة مع أبناء شعبنا في الداخل، ثم تولى مسؤولية مستشار الأمن القومي الفلسطيني في بدايات رئاسة الرئيس محمود عباس، أبو مازن. حمل أبو هشام موقفه وموقف القائد الرمز أبو عمار، في رؤية المكانة والدور السياسي والديمقراطي الهامّين لجماهير شعبنا الفلسطيني في الداخل، وكان يكنّ التقدير البالغ والعظيم لمسيرتنا وتجربتنا السياسية والوطنية منذ النكبة، ولدور الحزب الشيوعي في صيانة وحماية مشروع البقاء في الوطن”.

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid0kNDWLiud4WxT4PFcG4wLsKuTkzSq4K2SRx63Pk166eeSntvtZZdLMi4bP946fAZQl&id=100066810079046

موضحاً أنه من خلال تكليف أبو عمار، تعرّف أبو هشام على قيادات شعبنا في الداخل من كل التيارات، وعلى سبيل التندر عندما كان يقول إنه يمثل القيادة الفلسطينية في العلاقة مع شعبنا في الداخل، كنا نؤكد أنه هو من يمثل شعبنا في الداخل في القيادة الفلسطينية.

ويقول بركة، في بيان النعي، إن “أبو هشام” كان يتمتع بذكاء متقد وبذاكرة موسوعية وبروح دعابة لاذعة، وكان قادراً على التهكم على كل شيء، من نفسه إلى قضية شعبه، وكل من عرفه يحمل مخزوناً طريفاً من نكاته.

كما يقول بركة إن “أبو هشام” كان دبلوماسياً غير اعتيادي، حيث تحوّلت سفارة فلسطين في براغ، في فترة عمله هناك، لمركز فعل سياسي ووطني متشعب، دولياً وعربياً وفلسطينياً، وكانت السفارة مركزاً للقاءات هامة، ومنها انطلقت جهود المصالحة الفلسطينية واستعادة وحدة “منظمة التحرير الفلسطينية” في 1987، من خلال إعلان اتفاق براغ، الذي كان لرفيقنا القائد الراحل توفيق طوبي دور بارز في إتمامه وإنجاحه. كانت علاقات سميح عبد الفتاح، أبو هشام، مع القيادات التي سبقتنا في الحزب والجبهة ومعنا لاحقاً، علاقة خاصة ووطيدة وحميمية واستندت إلى توافق سياسي كبير وواسع، وإلى تقدير كبير.

بين البصر والبصيرة

يشار إلى أن الراحل “أبو هشام” قد عانى في مرحلة من حياته ضعفاً في بصره، بيد أن بصيرته ظلت حتى رحيله متوهجة. ويتطرق بركة لذلك بالقول: “كان أبو هشام ضعيف النظر بسبب تعذيب لاقاه في سجون إحدى الدول العربية، وحتى هذه الإعاقة لم تنجُ من تهكمه على نفسه، إلا إنه كان قوي البصيرة إلى حدود لم نكن نستوعبها أحياناً. في السنوات الأخيرة عانى أبو هشام من أمراض كثيرة، فتكت بجسمه إلى درجة كبيرة، وكانت رفيقة دربه أختنا أم هشام، تلازمه وتعتني به بتفانٍ وإخلاص لا ينقطعان. اليوم مع رحيله، لا أريد أن أتذكره على الحال التي شاهدته بها آخر مرة، إنما سأظلّ أذكره أخاً وصديقاً وفياً ومناضلاً فلسطينياً صادقاً لا تلين له قناة، وصاحب قوة ملاحظة عجيبة، وقدرة على التحليل واستخلاص النتائج الدقيقة من خلال قراءة واعية وناضجة، وصاحب نكتة ذكية ولاسعة عندما يقتضي الأمر”.

ويخلص بركة للقول: “أذكر مدى اعتزاز أبي هشام بولديه الغاليين، هشام وضرار في مراحل نشأتهما الأولى، وكانا حاضرين على الدوام في أحاديثه. رحمك الله يا أخانا الحبيب أبو هشام وخالص التعازي لزوجته أختنا د. جيهان، أم هشام، ولولديه هشام وضرار، ولجميع أفراد العائلة في حوسان وفي عموم فلسطين والأردن والشتات، وإلى محبيه ورفاق دربه في حركة فتح وفي عموم أبناء شعبنا الفلسطيني”.

نائلة زياد: قصير القامة سيجارته طويلة

في تعقيبها على بيان بركة تقول نائلة زياد، أرملة الشاعر والقيادي الفلسطيني الراحل توفيق زياد، رئيس بلدية الناصرة، إن “أبو هشام” رجل دمث الأخلاق طيب المعشر سريع البديهة والنكتة حاضرة دائماً، عرفته في بدايات السبعينات، التقيته مع زوجي توفيق زيّاد في براغ.. ومن نكاته اللطيفة على نفسه: كان أبو هشام قصير القامة، وكان يدخن نوعاً من الدخان على ما أذكر اسمه (إيف)، وهي سيجارة طويلة وجميلة المنظر، فكان يقول هي طويلة، وأنا قصير، لذا أحبها. وفيما بعد التقيته مع زوجته أم هشام عدة مرات في عمان ورام الله. الرحمة لروحه لتبقى ذكراه طيبة”.

وفي سياق الحديث عن كون الراحل “أبو هشام” صاحب نكتة كان محمد بركة النائب في الكنيست عن “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” وزميله النائب السابق عن “التجمع الوطني الديمقراطي” واصل طه قد زارا مقر الرئاسة في رام الله خلال فبراير/شباط 2006، وكان كاتب هذه السطور برفقتهما، وفي الطريق لمكتب الرئيس بادر الراحل “أبو هشام” لمصافحة الزائرين طالباً من بركة التحدث مع الرئيس للاستفسار عن سبب وقفه عن العمل، ظاناً أن أحدهم قد وشى به طالباً إعادته للعمل. وخلال اللقاء طرح بركة الموضوع على الرئيس أبو مازن، الذي قال بين الجد والمزح إن “أبو هشام” قد ضعف بصره، فردّ بركة على الفور بالقول “لكنه يحتفظ ببصيرة متقدة”، وعندها وعد أبو مازن بالنظر مجدداً بالمسألة. وفي طريق الخروج دخل بركة على “أبو هشام”، الذي كان ما زال في مكتب داخل المقاطعة، ونقل له جواب الرئيس كاملاً، بما في ذلك إشارته إلى أن “أبو هشام” يعاني من ضعف البصر، فرد بسرعة بديهة: “وهل طلبت منه أن يعيّنني قناصّاً؟ أرغب بالعودة للعمل كما كنت”.

كما عقب على بيان بركة المعلق المحلل السياسي ابن الخليل عادل شديد بالقول: “لم أعرف فلسطينياً واحداً من الذين عادوا للوطن بعد اتفاقية أوسلو منتمياً وذكياً ومخلصاً وصادقاً وجريئاً بمستوى الأخ الصديق أبو هشام، رحيلك أحزنني كثيراً، ولكن لا اعتراض على حكم الله، رحمة الله عليك أبا هشام وعظم الله أجر شعبنا”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية