محمد بكري بين الرفيقة مكنسة والأخت نعامة
سمير القريوتيمحمد بكري بين الرفيقة مكنسة والأخت نعامةبراعة محمد بكري الممثل والمخرج القدير امام الكاميرا مشهود لها سواء في التمثيل او في الاخراج، الرأي العام والجمهور المناصر للقضية الفلسطينية في ايطاليا وبالرغم من القحط الجماهيري في التعاطف يذكر جيدا الفلم الوثائقي الرائع لمحمد بكري.. جنين.. جنين والذي ما زال يتنقل هنا في ايطاليا من مكان لمكان بالرغم من حصار رهيب، اعلامي وسياسي، فرض من اوسلو سيئة الذكر وحتي اليوم وتزايد هذا الحصار ليتحول الي خنق وطمس لأي مبادرة اعلامية او حتي دراسية من شأنها ان تلقي الضوء علي هذا الإجرام المتواصل بحق اعدل قضايا التاريخ.هذا الواقع تكرس ايضا بسبب تواطؤ مريب وخطايا ارتكبها ممثل منظمة التحرير السابق في روما الذي تأرجح علي كل المواقف وتزحلق علي كل الفصائل والأحزاب وطار وانخفض الي التقاعد ثم انطلق من منصة الفساد وسقط علي منصب مستشار لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية.. يا للهول مستشار!!.. وسياسي ايضا.. يا للفظاعة، ومرجعية لإيطاليا في رام الله كما صرح لبعض اصدقائه الصحافيين.. سبحان الله، اي انه ألغي القيادة الفلسطينية تماما كما الغي الثورة الفلسطينية في كتاب طريف سخيف او طسخيف وطرخيف بما اننا مع العصرية في الصياغة اللغوية، عن مذكراته، اقسم فيه ان ابوه هو الذي فجر الثورة الفلسطينية قبل ابوعمار وصحبه بكذا عشرات السنين.الجمهور الايطالي في روما، نابولي، كالييري، ميلانو، فيشنزا، بادوفا عايش وعانق محمد بكري في عمل مسرحي هائل، رائع، هادف، راق، مهني، متكامل، متجانس ومؤثر بكل ما تعنيه الكلمة بعيدا عن الانحياز والعواطف: دخل بكري من الباب الجانبي لمسرح فيردي (جوزييه فيردي معلم الموسيقي الجهبذ وبطل عصر النهضة الايطالية) وبيده مكنسة او مقشة طويلة من الخشب والقش، كانت تبدو الي جانبه وكأنها الزوجة او الرفيقة او العشيقة او الخطيبة او كل شيء عدا ان تكون مكنسة. واثق الخطي بقامته الممشوقة صعد الي خشبة المسرح بمناسبة يوم الأرض وكانت وسط المسرح أريكة كبيرة بيضاء اللون، جلس عليها وتحولت الرفيقة مكنسة الي قيثارة وكان المسرح كله يشع بثلاثة ممثلين المكنسة والأريكة وبكري او بكري والرفيقة والأريكة، وصدح بكري وتحرك ساردا رائعة اميل حبيبي المتشائل اجل سعيد المتشائل او بيسووتيميستا وفقا لترجمة وسيم دهمش وايزابيللا كاميرا دافليتو، وعندما قدمت بكري للجمهور بحكم وظيفتي كعريف للحفل التي ورطني فيها يوسف سلمان رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في ايطاليا والطبيب النشط في العمل السياسي اكثر من نشاطه بين المرضي، قلت انه لايوجد فلسطيني علي سطح الكرة الأرضية الا ولديه بعض التفاؤل بالرغم من كل التشاؤم وزاد هذا التفاؤل بعد العمل الكبير الذي نفذه بمهنية ساطعة هذا الممثل والمخرج والانسان القدير محمد بكري ورفيقته مكنسة القش.ودعنا بكري بعد امواج التصفيق من جمهور بالمئات لم نشاهد مثله في صحراء العمل السياسي برعاية المستشار السياسي المرجعي ابن مفجر ثورتنا الذي كوش علي العمل الفلسطيني في ايطاليا بلاد السباغيتي والأطباء التيوس ( كما كان يقول وهو الذي لم يكمل الثانوية العامة وقدم نفسه مرة علي انه بروفسور جامعة ) لأكثر من ربع قرن من الزمن دون نتيجة تذكر سوي حكيت اليوم مع ابوعمار وحاكاني اليوم ابو اللطف وحاكاني وحاكيته وليك والله ما لاقيته.. !!!… بكري امامه جولة طويلة من جنوب بلاد الأطباء التيوس حتي شمالها مرورا بوسطها لذا ودع الجميع بما فيهم سفير فلسطين الجديد وهو طبيب ماهر ولكنه خريج اسبانيا والحمدلله وليس ايطاليا اي انه جاء من بلد الأطباء الشاطرين خاصة في جراحة العيون ليري بأم عينه الفلسطينية الاسبانية كم عليه ان يتعب لترميم اثار واضرار البروفسور طرخيف.في حي سان لورينزو رمز المقاومة في العاصمة روما والذي قصف وتم دكه من احبائنا واسياد قادتنا الأمريكان والانكليز وتشيطنت فيه عصابات النازية والفاشية ضد الفدائيين الايطاليين، وجهت لنا دعوة كقيادة ( استر يا رب ) للجالية الفلسطينية في روما ولبعض اصدقائنا لوداع بكري بمناسبة عودته الي ربوع الوطن علي باستمرار جراء خيبتنا العربية حتي في البزنس.وكان الموعد في مطعم بيتزا اسمه فوق تحت او باللغة السليمة رأسا علي عقب .. كنا حوالي 30 وجاء بكري مع الدكتور يوسف الذي يتأخر حتي لو ركب صاروخا علي كل موعد لأنه ينشغل بعشرين مسألة في اللحظة الواحدة وعفينا بكري من مراسم الاعتذار لأنه مع يوسف فقط.كان بكري حزينا متأثرا وحاول ان يمزح ويلقي بعض القفشات وحدقنا في يوسف اللئيم.. ماذا فعلت يا دكتور؟! ويوسف سلمان متهم دائما حتي لو ثبتت براءته مع سابق عمد واصرار، لكنه رد حزينا اكثر من بكري و حك الله ما الي دخل (ترجمة مجانية.. قسما بالله لا علاقة لي ) اتركو ابوصالح اي بكري ان يحدثكم.بكري بصوته المسرحي الرنان ووسط صخب زبائن البيتزيريا من شقروات وسمروات موظفات وطالبات وضجيج الشباب والكهول، صاح ليسمعنا: تلك الشرطية اللئيمة.. نعم تلك الشرطية البدينة ذات السحنة المتشددة، كادت ان تفقدني الطائرة الي كالياري. خضت معها مفاوضات بشتي اللغات لكن لاجدوي.. رفضت ادخالها وأمرتني بالعودة الي بوابة الأمن في قاعة المسافرين لفحصها. شرحت لها وافهمتها ولكن لا جدوي ارجع او اطلع ولكثرة ما طلعت روح محمد بكري امام صف المسافرين وبقاء 15 دقيقة فقط لركوب الطائرة جاءت فتاة شابة حضرت مسرحية المتشائل في روما وقالت للشرطية: انه ممثل شهير ياسيدتي وهو لايعمل بدونها وامس كنا بالمئات نستمتع بعرضهما معا… لا فائدة تلك الكرة من الشحم وسماجة التقيد بالاوامر لكسب اليورو وأكل اللحم، رفضت رفضا قاطعا دخول مكنسة ابو صالح واضطر رغما عنه ان يتركها بعد عيش مشترك لم يتفارقا فيه لأكثر من 12 سنة بالكامل.بكري قال انه بكي وعندما اعتلي خشبة المسرح في كل العروض التي جرت بعد الفعلة الشنيعة لأبنة الشرطة الإيطالية تلك، تحدث عن الرفيقة مكنسة للجميع ووسط الدموع… احد زملائي في ادارة الجالية، تنحنح علي مقعده ووجه كلامه الي بكري: علينا باستعادة المكنسة مهما كلف الأمر واستدار نحوي ونحو زميل لي ونحو يوسف لأنه المسؤول عن خطف الشرطية الإيطالية للرفيقة مكنسة، كونه ترك بكري عند البوابة، كمن يطلب النجدة فقلت له هون عليك سوف نستعيدها مهما طال الزمن وزدت الطين بلة مثل كتائب ابو الطبيخ بالتهديد والوعيد لتخليص المكنسة من السجن وقلت اننا سوف نستخدم كل طاقاتنا في سبيل ذلك لكن ممثلنا الكبير لم يكن مقتنعا بهذه التطمينات الفارغة لأنه لا توجد بين يديه ورقة اثبات واحدة بملكية الرفيقة المخطوفة وهنا ادلي الجميع دلوهم بين مختلف اشكال البيتزا التي قلبت شهيتنا رأسا علي عقب حتي ان عماد مقاول المعارض والفعاليات التنظيمية التهم وردة حمراء من يد بائع بنغالي اقتحم طاولتنا لبيع اشيائه الصغيره وعدة دمي لأنه كان يعتقد انها بندورة مع البيتزا ولاندري ان كان من شدة الجوع ام لحزنه علي اختطاف الرفيقة.اخوتنا البنغال بعرض الدمي الملونة والورد زادوها حبتين، وفي فترة من الراحة مارسها معظم الجالسين تحت سياط قانون حظر التدخين نصب الضيوف الكرام مخيم لاجئين فلسطيني خارج المطعم للتدخين بما فيهم بكري الذي طارده بنغالي بطريقة ملفتة، وعندما عاد جمع اللاجئين المستدامين وتغيب بكري انتظرناه لنعرف ان كان قد استخدم مكنسة ثانية في العروض الأخري ولكنه امتنع عن الرد مثل بداية الحديث وظهر فجأة جاء بيده الهاتف وجلس في مكانه واذا بالبنغالي قد انزل الضربة القاضية بنا حين اقنعه بشراء دمية لنعامة ترقص بالبطارية.النعامة وردية اللون ووجهها ساخر فعلا وبعد ان شغلها الرفيق البنغالي البائع، وضعها امام الجميع وسارع العباقرة لتشغيلها بعده لكنها تجمدت بين يوسف وبكري واضطررنا لمناداة البائع خوفا من الضحك علينا مرة اخري وتحت الشمس، وجاء الينا ونظر فينا كمن يحزن علي قلة ذكائنا او لتياستنا بما اننا في بلد الأطباء التيوس وشغل النعامة مرة اخري وقال هيك وهيك وبالعربي كمان وكانت رقصة النعامة ممتعة. طبعا بكري اخذ ينظر الي النعامة ولكنها لا تدفن رأسها انما ترقص وبطريقة عجيبة وبعد ان تأكد انها هدية صالحة لاحدي الحفيدات وضعها فرحا داخل علبتها استعدادا لوضعها في حقيبته.السؤال الذي طرحه الجميع عليه هو: تري ماذا ستفعل غدا في المطار لو صادروا النعامة بعد المكنسة؟ تري ما هو مصير النعامة الراقصة في مطار تل ابيب ان نجحت في مغادرة روما، الجميع اتفق علي ابلاغنا بمصير النعامة التي قد تحل مكان المكنسة في عروض بكري القادمة.بكري روي لنا مدي النجاح الذي لاقته مسرحية المتشائل ورائعة اميل حبيبي في كل المدن التي عرضت فيها وحدثنا عن نجاحه ايضا في التوفيق بين ابناء جاليتنا المنقسمة في نابولي في كلماته وتعبيرات وجهه لمسنا تدفق العروبة من شرايينه والالتزام بقضيته بشكل صادق لا غبار عليه وأسعدنا لاجتماعه قبل المجيء الي المطعم مع اكبر مخرجين ايطاليين معاصرين هما الأخوان تافياني حيث استغرق الحديث معهما اكثر من ثلاث ساعات عن هموم العمل السينمائي وعن الهم الفلسطيني والعربي لا سيما وانهما قد قدما للتو فلما روائيا عالميا عن مأساة الأرمن قبل الحرب العالمية الثانية.مسرحية بكري المتشائل كانت انجح فعالية فلسطينية في السنين العشر الأخيرة علي الاطلاق، لقد كسر بكري حاجز اللامبالاة بل كنس بمكنسته الرفيقة قلة الاكتراث بقضيتنا ونظف همم الفلسطينيين بها مناديا اياهم للعمل وطلب من كل المناصرين لقضيتنا عدم الاستمرار بالتصرف كالنعامات اي دفن الرؤوس لتجنب اتخاذ الموقف مما يجري في بلادنا من العراق مرورا بلبنان وفلسطين وانتهاء بدارفور وافغانستان، نعم وضع النعامة لترقص امام الجميع.. لتتحرك بدلا من ان تخفي رأسها في الرمال وتتجاهل ما يجري امامها. شكرا لمحمد بكري الانسان الملتزم والقدير.0