محمد حديد في مذكراتي: الصراع من أجل الديمقراطية في العراق :
عندما سرت شائعات عن أكلة لحوم البشر بسبب مجاعة الموصل.. وأعضاء الأهالي لم يحملوا تمثال موسولينيقاسم كان طيبا ومتواضعا وبعيدا عن اللؤم قضت عليه فرديته وميكافيليته.. وسي آي إيه تآمرت عليهمحمد حديد في مذكراتي: الصراع من أجل الديمقراطية في العراق :عرض وتقديم: ابراهيم درويش السياسي العراقي محمد حديد (1907 ـ 1999) شخصية سياسية معروفة ارتبطت اساسا بالحركة السياسية التي ولدت من النقاشات الطلابية في الجامعة الامريكية ـ بيروت بين عدد من الطلاب العراقيين واخذت شكلها في ثلاثينات القرن الماضي وبرزت كحركة اجتماعية وسياسية اتخذت الطابع السري ولكنها تحولت الي حزب سياسي شارك في احداث العراق في فترة ما بين الحربين العالميتين. ومحمد حديد علي خلاف الكثير من السياسيين العراقيين جاء للسياسة من التجارة وظل في افكاره هادئا يدعو الي تطبيق افكاره خاصة تلك التي تتعلق بالاقتصاد والتي تعلمها في مدرسة لندن للاقتصاد التي درس فيها في العشرينيات من القرن الماضي وفيها تعلم علي يد عدد من الاقتصاديين البريطانيين المعروفين، وكانت المدرسة معروفة بولاء او هوية اساتذتها اليسارية. كرس محمد حديد كل حياته السياسية لقضايا الاقتصاد والمال والصناعة. وما يميزه انه كان مبرزا في دراسته سواء في المدارس في العراق او بيروت او في بريطانيا التي حاز منها علي شهادته الجامعية بدرجة شرف. ويجمع كل اصدقائه وحتي منافسيه علي انه كان رجلا ذا اخلاقية عالية وهي ميزة لا تتوفر في العاملين في الحقل السياسي. ويبدو ان تكوين حديد الاسري يفسر هذا، حيث جاء من عائلة تجار معروفة في مدينة الموصل ولهذا لم يكن بحاجة لمصانعة اصحاب الرئاسة لتحقيق بعض المطالب له او يتزلف لهذا او ذاك. ومحمد حديد الذي ينتمي الي عائلة ثرية حمل افكارا اشتراكية تقدمية ولكن طبيعته لم تكن تتناسب مع العمل الراديكالي والحماسي، فاعتناقه للفكر الاشتراكي يتناسب مع بحثه عن وسائل لمواجهة المشاكل الاجتماعية والبحث عن حلول اقتصادية فاعلة تواجه الدولة الوليدة، ومن هنا اهتم اثناء عمله بوزارة المالية بالعمل علي اعداد البيانات الاحصائية والتي صدرت متواضعة ثم اصبحت تقليدا. ويبدو ان هذا يعود للارضية الفكرية التي تلقاها اثناء دراسته في جامعة لندن علي يد عدد من اساتذة الاقتصاد المعروفين مثل كليمنت اتلي، وهارولد لاسكي، وريتشارد تاوني لورد روبنز، كما اطلع علي آراء الاقتصادي المعروف جون مينارد كينز الذي تنسب اليه مدرسة في الاقتصاد صارت تعرف بالكينزية وافكار فرديتش هايك التي تعارضت مع فكرة دولة الرفاه وزيادة الطلب التي تبنتها الحكومة علي حساب افكار هايك. ويمكن القول ان دراسته في الجامعة الامريكية في بيروت جعلته علي اطلاع وتفاعل مع الافكار العربية المعادية للاستعمار، فيما تعرف في بريطانيا علي الاطار الفكري الذي حكم تجربته السياسية في العراق فيما بعد، فاثناء عمله لفترة قصيرة في دائرة الواردات علي مدي التفاوت الاجتماعي ومشاكل الاقتصاد. وحديد وان كان سياسيا مثاليا الا أن تجربته في العمل السياسي جعلته واقعيا، ومن هنا جاء اهتمامه بمشاريع محو الامية وتعليم الاجيال، والنوادي الشبابية اضافة الي الدور الذي لعبه في الكتابة الصحافية خاصة في الموضوعات الاقتصادية وقضايا المال. وكانت جريدة الاهالي التي ارتبطت بحركة الشعبية الوسيط الذي استخدمه حديد لتحليل مشاكل الاقتصاد وانتقاد سياسات الدولة. الشعبية كان الاسم الذي اختاره الناشطون الشباب لحركتهم ابتعادا عن اسم قد يثيره استخدام اسم الاشتراكية. ويقول الباحث والمؤرخ العراقي المعروف نجدة فتحير صفوة محرر مذكرات حديد ان جماعة الاهالي كانت حركة غربية حديثة في افكارها، وكانت اهداف جماعة الاهالي تقترب من الاشتراكية باعتدال وتؤكد علي قيام الدولة بوضع خطة اقتصادية تنسجم مع اوضاع البلاد وحاجات الشعب، وتؤمن سيطرتها علي الصناعات المهمة، وتشجع الجمعيات التعاونية وتقرب الفروقات الاقتصادية. وكانت في موقفها من الدين والحرية الدينية والعائلة تقترب من التفكير الليبرالي. وجماعة الاهالي التي اسهم حديد في بناء افكارها مع عبد الفتاح ابراهيم، تأثرت بالحركة الفابية البريطانية التي رفعت شعار حتمية التدرج .الانقلاب علي حكومة الهاشميويري صفوة ان جماعة الاهالي كانت من اولي الحركات السياسية المعتدلة في العراق وان لم تكن حزبا سياسيا بالمعني القانوني. مواقفها الفكرية التي عبرت عنها جريدة الاهالي وكراسات اصدرتها وطبعت في مطبعة الاهالي، لم تمنع من مشاركة الحركة في انقلاب بكر صدقي ـ حكمت سليمان وهو الانقلاب الذي تم علي حكومة ياسين الهاشمي وقتل فيه جعفر العسكري، وكان المقصود في الانقلاب، الهاشمي وحكومته وليس النظام الملكي او البرلمان. علي العموم كانت تجربة الانقلاب العسكري مثار قلق لمحمد حديد حيث يقول انه وضع مخاوفه جانبا واشترك في النقاشات حول الانقلاب. ولكن التجربة تركت مرارة لدي الجماعة اذ شعروا أنهم اخطأوا عندما دعموا بكر صدقي الذي بدأ يظهر ميولا ديكتاتورية ويحاول الاستئثار بالسلطة. عندما حل الانقلابيون البرلمان ودعو لانتخابات جديدة فاز حديد بمقعد نيابي عن مدينة الموصل وفوزه هذا كان بداية لحياته السياسية. فعمله الرسمي في وزارة المالية بعد رجوعه للعراق من انكلترا كان يحتم عليه الابتعاد بالسياسة وعدم المشاركة بالسياسة ومن ابرز اعماله في البرلمان دعوته الي قانون لمحاسبة الاثراء الخاص الذي عارضه النائب اليهودي يوسف الكبير الذي كان من المع رجال القانون. بعد اغتيال بكر صدقي واستقالة حكومة حكمت سليمان وتأليف وزارة جميل المدفعي حل البرلمان ودعت الي انتخابات جديدة، ومن هنا فلم يشارك حديد في الانتخابات وانصرف لتحقيق حلمه وهو التفرغ للعمل التجاري الحر، فأسس شركة الزيوت النباتية والتي بدأت بالانتاج في عام 1943، وكان حديد بعد عودته من انكلترا يفكر باقامة مشاريع تجارية الا ان والده نصحه بعدم البقاء في مدينة محافظة مثل الموصل والذهاب الي بغداد حيث كان لدي والده معارف كثيرون هناك، ولهذا فقرار حديد للذهاب جاء لانه لم يكن امامه خيار جيد للبقاء في الموصل. والطريف في الامر ان احدي معارف والدته جاءت اليها عندما سمعت عن سفر محمد الي بغداد وقالت انه منذ متي يذهب ابناء عائلات الجلبيين (التجار) للعمل مع الحكومة، فالعمل في مؤسسات الدولة هو وظيفة الافندية وليس الجلبية. بقي حديد في مجال العمل التجاري الحر فترة طويلة ولكنه لم ينقطع عن العمل السياسي. وفي سنة 1946 اشترك مع كامل الجادرجي في تأسيس الحزب القومي الديمقراطي . وفي نفس العام عندما اراد نوري السعيد تأليف وزارة (التاسعة له) خلفا لارشد العمري، كان يبحث عن تحالف ذو طابع قومي ولهذا حاول التفرب من الحزب الوطني الديمقراطي وبعد مشاورات قرر الحزب محمد حديد الذي كان نائبا لرئيس الحزب، واصبح وزيرا للتموين، ولم تدم وزارته طويلا، فلم يمكث فيها الا اربعين يوما، وذلك بسبب المشاكل والاحتجاجات التي واجهتها وزارة السعيد من الاحزاب التي شاركته الحكومة، حيث عاد الي العمل التجاري الحر وادارة شركته، وفي عام 1948 فاز بمقعد الموصل في الانتخابات التي اجرتها حكومة محمد الصدر، ولكنه استقال من المجلس النيابي في اثناء حكومة توفيق السويدي عام 1950 بعد مشادة كلامية حادة بين المعارضة والحكومة. اثناء ما عرف انتفاضة تشرين، في عهد مصطفي العمري عام 1952 كان محمد حديد في لندن حيث قام بنشاط واسع للدعاية لحزبه الوطني الديمقراطي، فكتب في الصحف والتقي المسؤولين السياسين الانكليز. في الانتخابات التي اجريت في عهد ارشد العمري عام 1954 فاز حديد بولاية ثالثة عن الموصل، ولكن نوري السعيد اصر علي حل البرلمان بعد الجلسة الاولي له. التعاون مع قاسمفي عام 1958 عندما قامت مجموعة من الضباط الاحرار، الذين بالاتصال بعدد من زعماء المعارضة بمن فيهم محمد حديد والذين وافقوا علي تأييد الانقلاب من حيث المبدأ. وبعد انهيار الملكية واعلان الجمهورية في انقلاب 14 تموز (يوليو) 1958 رشح الحزب الوطني الديمقراطي محمد حديد ليكون ممثلا في الحكومة وتولي وزارة المالية. ومن اهم انجازاته التفاوض مع شركات النفط الاجنبية واصدار القانون الرقم 80 ويعتبر من اهم التطورات في مجال صناعة النفط في المنطقة مع عملية محمد مصدق في ايران، اذ ان القانون حافظ علي حقوق العراق في الاراضي التي لم يتم التنقيب فيها او استثمار نفطها. الانجازات في مجال الحكومة تشوشت عندما اختلف محمد حديد مع صديقه الذي عمل معه ورافقه لمدة ثلاثين عاما، كامل الجادرجي كان يريد سحب اعضاء الحزب الوطني الديمقراطي من الحكومة فيما كان محمد يري ان نظام قاسم يحقق الكثير من اهداف الثورة. وكانت نتيجة الخلاف هي خروج محمد حديد واستقالته من الحزب عام 1961 واستقال ايضا من الوزارة. وقرر محمد حديد مع عدد من مؤيديه انشاء حزب جديد هو الحزب الوطني التقدمي واصدر صحيفة ناطقة باسمه البيان . علي الرغم مما قيل عن الخلاف بين الجادرجي وحديد واستغلال بعض منافسيهما الا ان الرجلين حافظا علي علاقة جيدة، وقام الجادرجي بزيارة حديد بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963. ومع ان حديد كان يعارض اسقاط قاسم الا انه دعا الاخير لاجراء اصلاحات وانهاء الفترة الانتقالية واجراء الانتخابات ولكن قاسم كان يتردد وكان يتعلل بالوضع الامني. وتعرض حديد في هذه الفترة لهجوم من معارضيه الذين اتهموه بتأييد قاسم. وفي ظل هذه الاجواء وبعد تراجع توزيع الصحيفة، لسان حال الحزب، وجمود الحركة السياسية قرر الحزب ايقاف صحيفته وتجميد نشاطاته. وبعد حركة 8 شباط (فبراير) 1963 اعتقل حديد لفترة قصيرة باعتباره احد انصار قاسم واطلق سراحه. وبعد ذلك تفرغ للعمل الحر وواصل كتابة مقالاته الاقتصادية خاصة في الاهالي و البيان . وانقطع بعد ذلك عن العمل السياسي باستثناء بعض المقابلات التي اجراها مع الرئيس السابق صدام حسين، بناء علي طلب الاخير ولاستشارته في الشؤون العامة. وفي سنة 1990 غادر العراق لزيارة اولاده. وعاد الي العراق عام 1993 رغم ظروف الحصار لمتابعة اعماله هناك وعندما عاد عام 1995 الي بريطانيا للعلاج زلت قدمه فحصل كسر في الحوض بنفس المكان الذي اصيب فيه اثناء زيارته السابقة. ولهذا قضي فترة في مصحة من مصحات لندن. واصيب عام 1999 بجلطة دماغية لم تترك آثارا سلبية عليه ولكن موجة الحر التي اجتاحت بريطانيا بنفس العام ادت لاصابته بمرض ذات الرئة ولم تمهله طويلا حيث توفي ليلة 2/3 آب (اغسطس) 1999 وكان يبلغ من العمر اثنين وتسعين عاما. الموصل العثمانيةتكشف مذكرات محمد حديد عن واقع العراق اثناء العهد العثماني التي عايشها الكاتب، فقد كان واعيا للحرب العالمية الاولي والحشود التي حشدها الوالي العثماني للدفاع عن بغداد، كما ان موقع والده جعله قريبا من الولاة العثمانيين الذين كانوا يزرون والده، وكان الولاة يستخدمون بيتا جميلا يعود للعائلة، بل بعد تراجع الجيش العثماني قام احد القادة خليل باشا بزيارة والده وتقديم الشكر له علي المساعدة التي قدمها لهم واستقباله لهم في بيته، وقدم الضابط العثماني صورته الموقعة تعبيرا عن الامتنان. يرسم حديد في مذكراته صورة عن الحياة في العراق، خاصة مدينة الموصل، وعن التعليم الذي لم يكن متوفرا للجميع والمتوفر منه كان بالتركية حيث لم تكن تدرس العربية الا كلغة ثانوية. ومحمد حديد مرض في صغره وظل الطبيب التركي يعالجه لمدة ستة اشهر قبل ان يتعافي حيث طلب منه ان يستحم كل يوم، واشتري والده لهذا الغرض حوضا نحاسيا كان يستحم به كل ليلة قبل النوم.مذكرات حديد، تمثل وثيقة عن عهدين او ثلاثة عهود في الحياة العراقية، العهد العثماني، البريطاني/ الملكي والعهد الجمهوري، قاسم ومن ثم عهد البعث. وهي عن صورة مدينة الموصل في العهد العثماني اذ لم يذهب حديد الي بغداد الا بعد ان اصبح شابا، وينقل الينا صورة عن الحياة الشعبية في المدينة، والجسر الخشبي المعلق علي القوارب الذي كان ينزلق بعيدا في النهر، والحياة الريفية التي عاشها عندما كان صغيرا حيث ارسله والده للريف وعاش مع عائلة شخص اسمه احمد الشرابي، قبل العودة والدخول في المدرسة القرآنية وختم القرآن ثم الدراسة في المدرسة التركية. كما يتذكر انتفاضات او كما يعرف بالعامية العراقية دقة منها دقة الشيخ سعيد، واعدام عبدالسلام البارزاني شقيق الملا مصطفي البارزاني، كما يتذكر النفير العثماني السفر برلك وخوف الناس من تجنيد ابنائهم. كما يتذكر لجوء الارمن، حيث تبنت عائلته طفلين. وحملة جمع التبرعات للجيش العثماني التي نظمها اهالي الموصل لمقاتلة الانكليز الكفار . والمجاعة التي وقعت في المدينة في عام 1917 و 1918 بعد احتلال بغداد، حيث يقول انه كان يشاهد الناس من شباك بيتهم وهم يتساقطون جوعا، فيما سرت شائعات عن عائلة كانت تقوم بخطف الاطفال وذبحهم وتوزيع لحمهم مطبوخا. وبعد رحيل العثمانيين، ودخول القوات البريطانية الي الموصل، ونشوء النظام التعليمي الجديد انتقل حديد الي مدرسة الخضرية. ويتذكر حديد دخول القوات البريطانية للموصل، حيث شاهد الخيالة الهنود يقودهم ضباط انكليز يمرون بالمدينة. بعد احتلال بريطانيا للعراق، نشأت مشكلة الموصل حيث طالبت تركيا الكمالية بضمها للعراق. في المدرسة الخضرية يتذكر كيف رفع طلاب علم الحكومة العربية في دمشق، وتمثيلية قدمها الطلاب عن صلاح الدين وريتشارد قلب الاسد. في بيروت ولندنعندما غادر محمد حديد العراق كان يبلغ من العمر 17 عاما وذلك للتحضير للدراسة في الجامعة الامريكية، ويتذكر الرحلة الي بيروت عبر سورية وركوبه القطار. ويتذكر في لبنان اثار القصف الذي قام به الحلفاء اثناء الحرب، ويقول ان بيروت في ذلك العهد كانت مدينة حديثة. ولكن ما ادهشه في بيروت هو اسلوب المساومة الذي يتخذه الباعة خاصة مع الغرباء، حيث يضعون اسعارا عالية علي بضائعهم وبعد ذلك يتراجعون وينقصونها الي اقل من النصف لم تعجبنا هذه الظاهرة فقد كانت ظاهرة سيئة ومتعبة في التسوق .في عام 1926 زار محمد حديد مع صديق له فلسطين، حيث زار القدس وحيفا ويافا واريحا ومنطقة البحر الميت، ويقول ان مدن فلسطين كانت ذات مسحة عربية خالصة اذ يتعذر علي السائح ان يلاحظ اي اثر يدل علي وجود يهودي. في الجامعة الامريكية لم يكن هناك عدد كبير من الطلاب العراقيين مقارنة مع المصريين والسوريين والفلسطينين الذين التفوا حول جمعية العروة الوثقي ، واثناء تفاعله ومشاركته في نشاطات الطلبة نشأت بذور الحركة التي اشرنا اليها في البداية، الاهالي. ويتذكر حديد كيف نظم الطلاب الجمعية، وتعاهدوا علي القسم ولكنه ينكر ان اعضاء الحركة حملوا تمثال موسوليني الي اجتماعاتها. بعد الدراسة في بيروت قرر السفر لانكلترا والدراسة في جامعة لندن، وذكرياته عن لندن مهمة، لانها تشكل صورة عن التواجد العربي في المدينة الذي كان طابعه طلابيا واخر سياسيا ، اي يتمثل بوجود بعض الملحقيات العربية، مثل المفوضية العراقية، وزيارات السياسيين العرب للمدينة التي اصبحت في مركز السياسة العربية بسبب استعمار بريطانيا لبلادهم. ويركز حديد في ذكرياته علي نشاطاته الدراسية، ومحاولاته التعرف علي لندن وزيارة معالمها بنفسه، وكذلك قراءته التي كانت منوعة، حيث كان يقرأ معظم الصحف النخبوية التي تصدر في العاصمة. ولكنه لم يكن معزولا عن نشاطات الطلاب حيث كان يتردد كل يوم علي نادي الحركة الطلابية لمقابلة الطلاب العرب فيه، مثل واصف كمال، وعزمي النشاشيبي، وخليل البديري وخلوصي الخيري وعز الدين الشوا الذي حضر حفل زفافه من فتاة فرنسية. وكل هؤلاء فلسطينيون. وكغيره من الطلاب العراقيين انجذب الي خطابات والد النائب العمالي المعروف توني بن، وجوود بن الذي كان يتبني الحقوق العربية. وزار بن الاب مع الابن بغداد بعد الحرب العالمية الثانية. في خضم العمل السياسيعاد محمد حديد الي العراق عام 1931 حيث انهي دراسته وبها تبدأ مرحلة جديدة في حياته وهي الانخراط في العمل العام. وهنا يقدم لنا صورة عن المراحل التي تشكلت فيها حركة الاهالي، وذلك عندما اعاد الصلة برفيقه ايام الدراسة في بيروت عبدالفتاح ابراهيم واللقاءات العامة التي جرت في بيت كامل الجادرجي الذي كان لا يزال حزب الاخاء والتي قادت الي انضمامه للاهالي، ومن ثم انضمام حكمت سليمان، وجعفر ابو التمن الزعيم الوطني. ويشير محمد حديد الي انطباعاته الاولي عن كامل الجادرجي التي يقول ان آراءه كانت تتفق مع آراء الاهالي من نواح كثيرة. كما يتحدث عن الخلافات الفكرية بينه وبين عبد الفتاح ابراهيم الذي اراد ادلجة الحركة باتجاه يسار اكثر. كما يناقش آراء الحركة من حركة الاثوريين الذين دعمتهم بريطانيا، والموقف المتردد من الملك فيصل الذي يري حديد ان مواقفه كانت تعمل ضد الديمقراطية، خاصة تدخله في البرلمان ومهادنته لبريطانيا بعد سقوط الحكومة العربية، وتتويجه ملكا علي العراق، ولهذا السبب لم تفرد صحيفة الاهالي مساحة واسعة لتغطية وفاته (8 ايلول ـ سبتمبر ـ 1933). ويقول حديد ان عبد الفتاح ابراهيم اخذ يبتعد تدريجيا عن حركة الشعبية باقترابه اكثر من الفكر الماركسي، ويقول ان الغياب عن نشاطات الحركة بدأ تدريجيا ثم انتهي الي القطيعة التامة، ويرجع هذا ايضا الي جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وخلافات ابراهيم مع بقية اعضاء الحركة. كما ان قرار تحويل الحركة الي حزب سياسي علني كان سببا في القطيعة خاصة ان ابراهيم كان يري استمرار الحركة او الجمعية عملها بسرية الي ان تصبح قوية وبعدها يمكن التفكير بتحويلها الي حزب سياسي علني. ويقول انه رغم الخلافات بين ابراهيم والجادرجي الا انه ظل علي اتصال ودي مع ابراهيم الذي يرجع اليه الفضل في تأسيس الحركة واشتهارها في العالم العربي. عن تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي يقول ان فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية اتاحت الفرصة لتحقيق الديمقراطية وضمان الحريات العامة وحقوق الانسان، واعلن عن الحزب عام 1946. التحضير للثورةيقدم محمد حديد، رواية عن التحضيرات التي قادت لثورة 14 تموز (يوليو) 1958، واللقاءات الاولية التي تمت بين حزبه الذي كان رئيسه كامل الجادرجي، وزيارته لمصر ولقائه بالرئيس عبد الناصر، الذي اخبره بالتحضيرات للانقلاب، ومن ثم سفره الي بيروت ولقاء عفلق. ويشير هنا الي بعض الروايات التي ربطت بين الثورة والمخابرات الامريكية والانكليزية، التي يعتقد انهما بوغتتا بالثورة. وعن اغتيال العائلة المالكة، يقول ان التحضيرات الاولي اكدت علي ضرورة تجنب ما حدث في انقلاب بكر صدقي عام 1936 وحركة رشيد عالي الكيلاني، وهو وان لم يستبعد تخطيط الثورة القضاء علي العائلة الا انه يري ان التنفيذ جاء بغير الشكل المخطط له، حيث رافقت اعمال تميزت بالبشاعة نتيجة لاندفاعات الجماهير بشكل هستيري. كما يتحدث عن علاقته بقادة الثورة، عبد الكريم قاسم الذي بدا مترددا في اثناء التحضير للثورة، وموقف الجادرجي بعد انتصار الثورة، الذي يقول ان الاستقبال الحافل لقاسم، وبروزه كزعيم للجمهورية لم يكن مريحا لصديقه كامل. ويتحدث عن خلافات عبدالسلام عارف وقصة مكالمته عندما تحدث عارف خطأ مع صبحي علي غالب الملحق العسكري في انقرة خطأ، حيث كان يريد الحديث مع صبحي عبد الحميد ذي التوجه القومي، والذي كان سيسافر للقاهرة، فظن عارف ان عبد الحميد علي الخط وطلب منه نقل رسالة الي ناصر تقول ان ايام قاسم صارت معدودة، ومن هنا نقل صبحي غالب الرسالة الي قاسم، وقاد ذلك الي اعفاء عارف من وزارة الداخلية وسجنه ثم العفو عنه. بعد الثورة اصبح وزيرا للمالية، وحدث الفصام السياسي بينه وبين صديق طريقه كامل الجادرجي وخرج من الحزب الوطني الديمقراطي، وانشأ حزبا جديدا هو الحزب الوطني التقدمي. عهد قاسموفي تقييمه لعهد قاسم، يشير الي انه رغم غياب الديمقراطية شهد عهده نوعا من حرية التعبير، ولم يكن قاسم يلجأ الي اجراءات قمعية الا بعد ان يشك بمن يتآمرون ضده مباشرة. ويعتقد حديد ان عهد قاسم كان ضحية للظروف الخارجية اذا تضافرت عليه الكثير من القوي الخارجية الي عرقلة مشروعه. ويري حديد ان قاسم كان مهتما بالاقتصاد والتنمية الاقتصادية ورفع مستوي الطبقات الكادحة. ويري حديد انه علي الرغم من تجربته القصيرة في العمل مع قاسم التي لم تتجاوز العامين، ومعارضته للاسلوب الذي اتبعه في ادارة الدولة فإني وجدته شخصا انسانيا، متواضعا، طيب القلب، بعيدا عن اللؤم وطنيا يعمل لصالح بلده ورفاه شعبه ، ولكنه اتبع الفردية في الفترة الاخيرة من حكمه والاسلوب الميكافيلي. تنتهي مذكرات محمد حديد بانقلاب الثامن من شباط (فبراير) 1963 حيث يقول ان الانقلاب قوبل بمقاومة شعبية قوية، وقامت خلال اليومين الاولين مقاومة في الشوارع ادت لخسائر كبيرة في الاوراح. وتقول بعض المصادر الموثوقة وبينهم بعثيون ان جهاز المخابرات المركزية الامريكية ( سي اي ايه) برئاسة الن دالاس كان مشاركا في عملية الاطاحة بقاسم والدليل ان المخابرات الامريكية قدمت قائمة باسماء شيوعيين معينين كان مصيرهم القتل، وكأن امريكا تشن حملة مناهضة للشيوعية. ويقول حديد ان المقاومة فاجأت القائمين علي الانقلاب .. الذين استخدموا اساليب الانتقام حتي من ضباط وجنود القوات المسلحة . كما يمر سريعا علي انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 الذي قام به عبدالرزاق النايف وابراهيم الداود وسعدون غيدان والذين تفاوضوا مع القيادة البعثية لدعمهم. وكان انقلابا ابيض. ويذكر هنا حملة مكافحة الجواسيس، واعدام زكي عبد الوهاب. وينهي كتابه بخروجه من السجن، حيث لم يثبت عليه شيء، ويعبر عن حزنه لتشفي بعض الملكيين في بيروت منه، حيث قالوا انه سجن لدعمه عبدالكريم قاسم. وفي نهاية كتابه يتحدث عن وفاة كامل الجادرجي، في 1 شباط (فبراير) 1968 والكلمة التي القاها في حفل تأبينه.كتاب محمد حديد، رواية عن احداث العراق تمتد لاكثر من ستين عاما، وفيها رؤيته للاحداث التي شارك فيها. والكتاب علي الرغم من الجهد التحريري الذي بذل فيه يعاني من اخطاء مطبعية كثيرة. مذكراتيالصراع من اجل الديمقراطية في العراقمحمد حديدتحقيق نجدة فتحي صفوةدار الساقي/ 20067