تزاحمت أيادي حاملي الميكروفونات، وتدافعت الأكتاف والأرجل، وأُضيئت كاميرات المواقع الإلكترونية، وقيل: ما الخطب؟ فأجاب مَن استطلع الأمر: إنه الفنان المصري محمد رمضان، دُعِي لكي يكون «نجم» معرض الكتاب في الرباط، نكاية في كل الأسماء المعروفة في عالم الأدب والفكر والنقد.
وخفتت الأضواء عن بعض الأسماء الأدبية المرموقة التي كانت موجودة وقتئذ في المعرض، من أمثال الروائي والناقد الدكتور محمد برادة الذي يبدو أن وزارة الثقافة في عهدها الجديد لا تعتبره ضمن صنف «ڤي آي بي»!
الـ«ڤي آي بي» عندها هو محمد رمضان، الذي تسابقت الحشود للظفر بالتقاط صور معه، لدرجة أن سيدة وابنتها لم تصدّقا ما حصل، فشرعتا في البكاء وهما تتحدثان لموقع إلكتروني. لم تصدّق الأم والبنت أن محمد رمضان عانقهما، إلى حد أن الفتاة المصدومة المندهشة استطاعت اكتشاف نوع الرائحة التي كان النجم المصري متعطرا بها، كما زعمت!
والفضل كل الفضل يعود إلى وزير الثقافة، الذي التقطت له صور مع ضيفه، وهو يبتسم من شدة الفرح والزهو غير مصدق هو الآخر… وبات ظاهرا للعيان أن معاليه يحاول الركوب على كل الصيحات الجديدة، بدعوى الحداثة والتشبيب والتأقلم مع روح العصر!
وآية ذلك أنه سعى منذ أيام إلى «خلق حدث» أول، من خلال دعوة «كاتب» سعودي غير معروف في التداول الأدبي والنقدي والإعلامي، لكنه رَوّج لاسمه في الأوساط الشبابية من خلال «يوتيوبر» مغربي يروي قصصه الغرائبية باللهجة المحلية. ومن ثم، كان وجهة مفضلة لصفوف طويلة ممن يطمحون إلى الظفر بتوقيع أحد كتبه.
لسان حال وزير الثقافة من خلال المثالين المذكورين يقول: مثل هذه النماذج هي الجديرة بالاحتذاء، ودليل ذلك أنها تستقطب جماهير غفيرة، وأنتم أيها المثقفون التقليديون ابقوا في أبراجكم العاجية، لا يكاد يلتفت إليكم أحد زمن «تيك توك» و«فيسبوك» و»إنستغرام»!
تعليقات ساخرة!
وإذا كانت الآلة الدعائية التي استعملتها وزارة الثقافة في عهدها الجديد أعطت أكلها، بتركيز بؤرة الضوء على المصري محمد رمضان، وقبله السعودي أسامة المسلم، فإن هذا المنحى لم يسلم من السخرية الأقرب إلى الإدانة في منصات التواصل الاجتماعي. ومن بين التدوينات الدالة على ذلك، ما كتبه الباحث يحيى شوطة: «بات الأمر ملحا لتدخل عقلاء الدولة لوقف هذا الانحدار السحيق الذي يقود إليه السيد الوزير قطاع الثقافة. لقد طفح الكيل، ما علاقة هذا (…) رمضان بمعرض الكتاب؟» وأضاف: «بقا ليه يجيب المفكرة هيفاء وهبي والعلامة روبي وزمرة مشاهير التافهين.»
أما الكاتب الصحافي حسين مجدوبي، فبعدما توقع من باب التندر أنه في «السنة المقبلة ستكون راقصة ضيفة شرف معرض الكتاب»، تساءل مستنكرا: «أي ذل ومذلة وانهيار أخلاقي هذا الذي يحدث يا وزير؟»
الصحافي المهاجر عبد الغني بودرة كتب متحسرا: «إيه يا ليّام.. فينك (أينك) يا بنسالم حميش، وفينك يا محمد الأشعري، وفينك يا عبد الهادي بوطالب، وفينك يا محمد با حنيني… حتى جا اللي ضرب ميسّا للثقافة (حتى جاء من قضى على الثقافة) وأصبحت سخافة!»
الناقد عبد الله الساورة لاحظ أنه من النتائج الجيدة «للزيارة المباركة» للفنان محمد رمضان حديث أم وابنتها عن العناق والقبل المتبادلة مع هذا النجم. وكتب متهكما: «أرأيت أين وصلت شعبية المعرض الدولي للكتاب!» ثم اقترح أن تُستدعى للدورة المقبلة للمعرض الممثلة كيت ونسليت.
وفي أجواء السخرية نفسها، خصص محمد رحمت تدوينته لمن سماه «الكاتب الكبير محمد رمضان صاحب رواية (نمبر وان) التي بيع منها أكثر من 35 ألف نسخة». ثم علّق «أن يزور المعرض، فهذا من حقه، أما أن يُستقبل في حضرة العلماء والعارفين بما لا يليق بقدره فهنا العجب العجاب». وختم بعبارة: «الله يخرّجها على خير».
ولاحظ كمال السعيدي في تدوينته الساخرة أنه «من بعد سيدنا مسلم، الناس في معرض الكتاب وصل عندهم حتى سيدنا رمضان». وسجل الناقد الفني مصطفى الطالب أن «ما يقال عن التفاهة (مدفوعة الأجر طبعا وبسخاء) في الغناء والمسرح والسينما يصدق على الأدب. فلا عجب». وكتب الباحث محمد الدرويش: «إنه العبث بكل أنواعه وتجلياته وتمظهراته وأسبابه ونتائجه. وغدًا لن نجد مَن يحاسب ارتباطًا بالمسؤولية الموكولة إليه.»
طفل يروي سيرة غزة!
أما رمضان أبو جزر، فهو طفل فلسطيني لم يتجاوز عمره العشر سنوات، لكنه ملأ الدنيا وشغل الناس، وصار حديث الشاشات والمنصات، لكونه نابغة ذا مواهب استثنائية، فهو مُحدّث فصيح، وشاعر مميز، وداعية بليغ، ورسالته ـ كما يقول ـ هي تحويل الظلم والطغيان إلى علم وتميز وإبداع، فجسّد ذلك في خطبه وقصائده وقصصه وفيديوهاته التي ينشرها عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وتلقى التفاعل الغزير.
يشير إلى أنه وُلد في الحرب على غزة عام 2014، ونجا من القصف، وحمل اسم عمّه الذي استشهد خلال العدوان. ويقول أيضا إنه ألقى خطبة في المسجد وعمره عامان ونصف فقط، وحفظ عشرة أجزاء من القرآن الكريم، كما حفظ «القاعدة النورانية» و»الأربعون النووية»، ولديه ولع كبير بقراءة الكتب والقصص. ووفق تقرير بثته قناة «القدس»، فإن إبداعات رمضان أبو جزر جذبت أكثر من ثلاثين ألف متابع على «فيسبوك».
قناة «سواعد الإخاء» كانت تعتزم تكريم الطفل الفلسطيني المميَّز رمضان أبو جزر، منذ حوالي ستة أشهر في برنامجها «سفراء الحب»، لكن تعذّر عليه السفر والحضور بسبب الحرب الظالمة المجنونة على غزة، وأرسل للبرنامج «فيديو» مصوّرًا قرب منزل صار خرابا.
أبكت كلمات رمضان أبو جزر عددا من الدعاة والشيوخ الذين يستضيفهم البرنامج جماعةً، حيث روى سيرته الطفولية الممزوجة بسيرة غزة، بعفوية، ولكن بنضج. ورغم المعاناة والدمار والخراب، كان الأمل يشع من بين شفتيه وعينيه، وإيمانه بالنصر على الظلم لا يتزحزح قيد أنملة، لاقتناعه بعدالة القضية الفلسطينية، حتى وهو طفل صغير، لكن عقله ـ حفظه الله ـ كبير!
٭ كاتب مغربي