حين كبر محمد ساري، وقطع شوطاً في خياره بأن يصير كاتباً، عاد برفقة والده، في زيارة إلى البيت الهشّ، الذي وُلد فيه، إبان ثورة التّحرير في الجزائر، ولم يجد سوى ركام، ومساحة واسعة من الضّجر والفراغ، كما لو أن الحياة لم تمرّ من هناك يوماً. والثّابت الوحيد، الذي لم يتغيّر، هو شجرة بلوط، تعود إلى قرن مضى، جلس والده تحتها، ومحمد ساري قبالته، وبدل أن يتحسّر عما وصل إليه بيت منشئه، ويكتفي بأشلاء ذكريات ويغرق في نوستالجيا جوفاء، قرّر أن يُعيد بناءه ويسكنه من جديد، ولكن ليس بالحجارة والطّين، ولكن بالحكايات. أخذ يركض، بين والديه وأقاربه، يستعين بكلّ شخص لا تزال ذاكرته تنبض، ومن عرفوه في الصّغر، ويجمع القصص والسّرديات والأحجيات، ليخرج ـ في الأخير ـ بكتاب «عيزر، طفل في الحرب» (منشورات البرزخ، الجزائر 2018)، وهو أقرب إلى السّيرة الذّاتية، تتقاطع فيها طفولة ساري، مع جيل ممن عاشوا حرب الجزائر (1954- 1962) وما تلاها من سنوات أولى للاستقلال.
نشعر بأن محمد ساري (1958) كتب بعضاً من سيرته الذّاتية، وسير أقاربه، لأنه لم يعش طفولته، كما يجب، كما لو أنّه يشعر بأن جزءًا من ذاكرته الأساسية، قد بُتر من مكانه، ولا سبيل لاستعادته سوى بالكتابة عنه. من الوهلة الأولى، قد يُخيّل للقارئ أن المؤلف بصدد كتابة ما هو إيجابي فقط من سيرته، بأن ينصع شخصه بتعامل انتقائي مع التّاريخ، وأنّه سينعش ذاكرته باسترداد لحظة بهجة وفرح فيها، لكن محمد ساري يسير عكس ذلك، يجلس قبالة الشّهود، من أمّه أو أبيه، أو أبناء عمومته، يحرضهم على الكلام، وعلى البوح، كما لو أنّهم يلقون وصاياهم الأخيرة، ويدوّن ما يتساقط من ألسنتهم من كلام عابر أو حكايات تستند إلى دلائل وقرائن، حيث جاءت كلّ واحدة من الحكايات كما لو أنّها قصّة قصيرة، ونلمح، من تصفّح الكتاب، أن المؤلف كان على مرمى حجر من تحويل النصّ إلى رواية أو مجموعة قصصية، لكنه فضّل أن يحافظ على الشّهادات كما هي، بشكلها الأوّلي، برعونتها أحياناً، ولكن بصدقها. ومن خلال تدوين شهادات الآخرين عن حياته في الطفولة، وعن سنواته الأولى، كان أيضاً يدوّن سير أبناء جيله، ويُساعد أمّه، التي لم تتعلّم، بأن تكتب، لا إرادياً، نصاً لها، ويحرّرها من كبتها ومن رغبتها الدّفينة في أن تصير امرأة متعلّمة. وقد نتساءل، في لحظة من اللحظات، هل المؤلّف كان دقيقاً في تدوين الأحداث والتّواريخ؟ هل كان أميناً؟ وهو تساؤل مشروع. لم يفت ساري، الذي وسّع من حيز السّيرة، وجعل كتابه تقاطعات، بين ألسنة كثيرة، تدقيق الوقائع، فإن ضاع حدث من ذاكرة واحد من شخوصه، تداركه الآخر، بالتّالي يمكن أن نقرأ الكتاب كوثيقة تاريخية، وليس فقط سيرة أدبية.
كان المؤلف على مرمى حجر من تحويل النصّ إلى رواية أو مجموعة قصصية، لكنه فضّل أن يحافظ على الشّهادات كما هي، بشكلها الأوّلي، برعونتها أحياناً، ولكن بصدقها.
سيرة محمد ساري تبدأ من وادي عيزر (حوالي 90 كلم شرق الجزائر العاصمة)، في مجتمع ريفي، تشقى فيه المرأة في إنجاب الأطفال وتنشئتهم، وفي تحمّل خشونة الرّجال، وذكورية الحياة. من تلك النقطة، شبه المهملة على الخريطة، تتناسل الحكايات ونفهم، شيئاً فشيئاً، أن الجزائر، إبان الاستعمار الفرنسي، لم تكن مجتمعاً واحداً، بل مجتمعات متصارعة في ما بينها في الداخل، أفراد يتعايشون ويتصادمون، في طبقية، تحددها اللغة (العربية والأمازيغية)، والانتماء (المدينة والريف). ولكن، قبل أن يكتشف محمد ساري تلك الحقائق، وتقسيمات المجتمع الواحد، توجب عليه أن يمتلك صوتاً، ففي صغره، كان مقموعاً، مثل أطفال آخرين، من الكلام، فالصّغار «لا يعرفون شيئاً ولا يفهمون» يقول عنهم الأولياء، لكن أولئك الصّغار كانوا يحدسون ـ إلى حدّ ما ـ ما يجري، ويشعرون بالحرب التي كانت تدور في الخارج. في وادي عيزر، حيث تكثر حكايات الجنّ والغول، وتنتشر الأساطير والخرافات بأن هناك كائنات لا أرضية تُساعد البسطاء وتعاونهم في تجنب مشاق العيش، تشكّلت مخيلة الصّغير محمد، فالأشياء التي كان لا يعرفها يتخيّلها، والتي يصعب عليه فهمها يؤولها، نضجت مخيلته من حكايات النّساء، وأخذت الصّور والقصص تدور في رأسه، وذلك سنوات قبل أن يتعلّم الكتابة ثمّ يدوّنها.
ولأنه وُلد في عائلة فقيرة، حيث كان لبس جوارب يعتبر رفاهية، فقد بقي المؤلف يحمل تلقائية وبساطة، في علاقته مع الآخرين، لم ينس أصوله، ولا يقتصد فقط في الأكل أو في الكماليات، بل أيضاً يقتصد في اللغة، في تفصيل الحكايات، لا يسرف في الوصف، ويكتفي بما هو ضروري، لذلك جاءت فصول الكتاب كما لو أنّها مرّت على خيّاط، محسوبة ولم تمسها تشنجات أو ترهلات، بل أحياناً نشعر ونحن نقرأ واحداً من الفصول أننا نريد المزيد، أن يعود الكاتب ويضيف أشياء للقصة.
كان يمكن لمحمد ساري أن يلاقي مصير أطفال آخرين، وينزاح عن طريق التعليم، ولا يتحول إلى كاتب كما هو عليه الآن، لكن أشياء صغيرة حصلت في طفولته، ساعدته في تحقيق طفرات، ربما أهمها أنه تعلّم، في طفولته، العربية قبل الأمازيغية، فقد انتقلت عائلته، في وقت لاحقاً، إلى مدينة شرشال العريقة، حيث كان ينظر للمتحدثين بالأمازيغية نظرة دونية، تصل أحياناً ـ كما وصفها في الكتاب ـ إلى الازدراء، وقد وصل الفصل اللغوي إلى فصل عنصري بين سكان المدينة نفسها، حيث يذكر في مقطع من الكتاب ذاته كيف أن الزواج كان لا يتم، سوى بالنظر إلى نسب العائلات، بين عربية وأمازيغية، لذلك كان أمازيغ شرشال يسعون، باستمرار، إلى تعلّم العربية، تماهيا مع علية القوم في تلك المدينة.
وقبل أن يلتقي محمد ساري والده، ويزورا معاً بيتهم القديم، وتبدأ فكرة الكتاب، فقد عاش، في سنواته الأولى محروما من والده، الذي انخرط في ثورة التّحرير، أعتقل وعُذّب، وحين عاد للبيت، لم يتعرف عليه الطفل محمد. تلك كانت واحدة من اللحظات المثيرة في حياته، التي لم ينسها، وفكرة «غياب الأب» ظلّت طويلا ملتصقة بمخيلته.
٭ روائي وصحافي جزائري