محمد سبيلا، جُرْحُ المعرفة

محمد سبيلا، بين الكُتَّاب والمفكرين المغاربة الذين اسْتَهْواهُم الفكر، وأخَذَتْهُم الفلسفة إلى سراديبِها العميقة. أن يُفَكِّر الإنسان، ويعمل على نشر أفكاره، في الجامعة، كما في اللِّقاءات، والندوات، التي تَتِمُّ في المغرب، وفي خارجه، ومن خلال أعْمالٍ منشورة في كُتُبٍ، فهذا يعني أنَّ هذا الإنسانَ، يعيش قَلَقاً كبيراً، وتأكُلُه الأسئلة، كما كانت تأكُل رُؤَى القِدِّيس يُوحَنَّا عَيْناه، لِهَوْلِ ما كان يَرى. هكذا أتصوَّر، شخصياً، عَمَل المفكرين الذين لا يكتبون فقط، بما تعنيه الكتابة من كلام، قد يكون خارجاً بغير معنىً، أو غير مبنيٍّ على فِكْرٍ ونظَرٍ، بل إنَّهُم، في ما يكتبونَه، يكون كلامُهُم جُرْحاً، في جَسَد المعرفة، ليس بمعنَى المتنبي، وما لِجُرْحِ مَيِّتٍ إيلامُ، بل بمعنى فوكو، حين قَدَّمَ لإحدى طبعات كتاب تيتشه ‘الفلسفة في العصر التراجيدي عند الإغريق’، حين اعتبر أنَّ نيتشه، وماركس، وفرويد، هؤلاء الثلاثة، تركوا، بما صَدَروا عنه من أعمال، جُرْحاً في الفكر الأوربي الحديث.
هذا الجُرْح، هو ما يعمل المُفَكِّر القَلِق على اسْتِحْدَاثه في فكر ووجدان الأمة التي ينتمي إليها، وشخصياً اعتَبَرْتُ جيل سبيلا، وبعض من كانوا قبله، من الذين ذهبوا للفلسفة والفكر، اختاروا مسار الجُرْح، وكانوا مشغولين، منذ الستينيات من القرن الماضي، بتغيير مجرى الريح، رغم كل ما تَعَرَّضَت له الفلسفة من تَخْريبٍ، إما بمنعها، كُلِّيَةً، أو بتغيير برامجها، والانتصار للفكر الإسلامي، وفق ما أرادَه الذين كانوا وراء هذه المعركة.
محمد سبيلا، أحد الطَّرْوادِيين، الذين اخترقُوا قِلاعَ المؤسَّسة، بالمُثابَرَة، والبحث، والحَفْر في سراديب المعرفة، رغم كل ما اعْتَرى عَمَلَه، وعمل الذين كانوا معه، من عراقيل، لم تُجْدِ نَفْعاً، أمام فكرٍ، كان جَمْرُه أشدّ اشتعالاً، وتَوَهُّجاً.
حين نتكلَّم عن محمد سبيلا، نتكلم عن الشرط الفلسفي، وحين نتكلَّم عن سبيلا، نتكلم عن السياسة بالسياسة، وحين نتكلَّم عن سبيلا، نتكلَّم عن الحداثة وما بعد الحداثة، عن الأيديولوجيا، وعن العقل، والفكر النقدي، كما نتكلَّم عن تحوُّلات المجتمع المغربي، وغيرها من القضايا المُشْكِلَة، التي لا يمكن أن يخوض فيها إلاَّ من عَرَكَ الفكر، وأصبح السؤال هو ما يقودُه نحو مجهولاتِه البعيدة.
السياسة والأخلاق، هذا ما يَسْتَضِيفُنا اليوم السي محمد لِنَتَقاسَمَه معه، في هذا اللِّقاء الافتتاحي لملتقى الثقافة والفنون. ماذا يجري في بيت السياسي، هل اسْتُبيحَ هذا البيت، إلى الحد الذي أصبحت معه السياسة، مهنةَ من لا مهنةَ له؟ هل السياسة أخلاق، وما الذي يُسَوِّغ هذا الزَّواج، إذا كان مُتاحاً، وممكناً؟ هذا موضوع طالما ردَّدَه غيرُنا من قُدماء المفكرين، بدءاً من أرسطو في كتابه ‘السياسة’، وصُولاً إلى مكيافللي، وروسو، وهوبز، وسبينوزا، وغيرهم ممن قاربوا هذه العلاقة، أو ناهَزُوها، بما كان سائداً في زمنهم من عَتادٍ فكري ونظريّ.
محمد سبيلا، جئنا لنُنْصِتَ إليكَ، نحنُ ضُيُوفُك، وجميعُنا نُدْرِك أنَّ شرط الضِّيافَة، هو نفسه شرط الفلسفة، كما كَتَبْتَ، في عَمَلٍ لكَ، فاقْبَل حُضُورَنا معك، في بيتِك، وفي صُلْب ما أنتَ مهموم به، من أسئلة، وما يأكلك من قلقِ السؤال والشَّغَف به، رغم كُلّ المُثَبِّطات. وشكراً لملتقى الثقافات والفنون التي أتاحت لنا هذا اللقاء، برفقة مفكر جدير بالتحية واللِّقاء.

نص الكلمة التي قَدَّمْتُ بها المفكر المغربي الدكتور محمد سبيلا، في اللقاء الافتتاحي لملتقى الثقافات والفنون، في موضوع ‘السياسة والأخلاق’، يوم السبت 2 نونبر 2013 بمدينة المحمدية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية